المثقف - قراءات نقدية

فكرة الفن حين تقتحم عوالمنا اليومية بتجددها وانسيابها مثل نهر قديم...

ثمة بهاء نائم في الأقواس والأزقة والأبواب وصراخ الفتية وبياض تلتحفه المرأة في ضروب كثيرة من الدهشة والحكاية. هنا في هذا الذهاب الى الدواخل في شواسعها نحتا للكيان وتأصيلا له. إنها فكرة الفن تقتحم عوالمنا اليومية بتجددها وانسيابها مثل نهر قديم يصنع موسيقاه التي لا نرى لها لونا غير صفاء الحال والأحوال..

تدخل المدينة، تمضي الى بئر الأحجار. تدخل المكان الجميل. هناك نعم تجد اللوحات وهي تسعد بك مثل فراشات من ذهب الأزمنة والأمكنة.

كون من دهشة الجمال العابر للمسافات، مسافات اللون والحركة والوجد والشجن والأمنيات والأحلام....إن الأحلام هنا تصرخ ترتجي كلماتها تجاه "السوق" و"المدينة" و"الحفلة" و"الرجوع" و"الحلاق" و"العازفون" و"منظر من مطماطة" و"انعكاس" و"الطريق" و"استراحة". هي أحلام بمثابة العناوين ابتكرتها الرسامة وهي تلهج بالصور وبالذكرى والنوستالجيا.

ماذا فعلت تلك الطفلة الطافحة بالحلم

وهي تمضي مع اللون...

تلقي بالكلمات في عطور المدينة والذكرى..

ثم .. ماذا قال القلب لسيده تجاه خرائب الروح..

اذن ... ثمة هيام وبهاء وامرأة بألوانها تضيء كل الجهات..

775-aouni

............

الآن يأخذ الأزرق والأحمر والأصفر كل غنائنا ونواحنا الخافت

الى الجهة الأخرى..

وأعني باب القلب..

.......

بين السوق وحفل مدينة زاخرة بالحنين..

لم يكن للشاعر عندها غيرهذا الذهول...

كيف له إذن أن يقول حكاية ألوانها ولا تحترق الكلمات لديه..هذه حكاية المعرض الخاص للرسامة المميزة زينب النفزي الذي تضمن عددا مهما من لوحاتها.

الأعمال في تلويناتها قالت بالوجدان تجاه الأمكنة والمشاهد وجمال مناطق من تونس فضلا عن التعاطي مع الجسد الذي تراه الرسامة حيزا دلاليا مفعما بالتأويل والقراءات.

والفن هنا تجوال حارق وباذخ بين مشاهد وتفاصيل وأمكنة. بكثير من الشجن والآه.... اللوحات تقول بتونس الساحرة. والألوان تصرخ بالصفاء النادر. هذا ما فعلت بنا زينب ونحن نقف أمام اللوحات بمعرض بئر الأحجار. نقف قدام الأعمال الفنية التشكيلية. نحاولها ونحاورها قتلا للمألوف والمعتاد ولليومي الكامن فينا برتابته وللماكث فينا أيضا من عنفوان التلقي والفهم والتأويل. المجد للألوان تعلن علينا الحرب الجميلة. حرب النوستالجيا الحديثة. واذن فلا عزاء للمتقبل غير النظر بعين القلب.

الرسم لدى الفنانة التشكيلية زينب النفزي وكما تقول هي: "...الفن فسحة وجدان وعبارة تجاه ذواتنا والعالم والآخرين. في لوحاتي سعيت لهذا الذهاب الى الكينونة. اللوحة بمثابة القصيدة الفكرة والصورة وفسحة الخيال الكامن بداخلي. أرسم لأعبر عن كياني وأرمم ما تداعى بداخلي. بداخل هذا الكون المربك الذي تتقاذفه أمواج العولمة والتداعي والسقوط.."

تجربة الفنانة زينب النفزي تحرك فينا الأسئلة وتدعونا طوعا وكرها للذهاب الى شواسعنا

................

وأنت تتوغل بالنظر والتأمل في اللوحات تكتشف أن الرسامة أتقنت اختزال الفكرة حين بثتها في اللوحة من خلال الجزئيات والتفاصيل وعيا منها بجدية التعاطي التشكيلي مع المواضيع والتيمات التي اشتغلت عليها. ويبرز ذلك بالخصوص في التمكن من فن الرسم واستحقاقاته الجمالية والفنية.

معرض تتلوه معارض أخرى للرسامة زينب في تونس. هنا وهناك.. وسعي ونزوع نحو المغامر التشكيلية بكثير من الوفاء والبحث المفتوح والذهاب مع العناصر والتفاصيل والأشياء في عالم معتل. وبه الكثير من جنون البشر.

وما الفن .. إن لم يكن مثل هذا الذهاب في البعيد من حيرتنا القديمة وسؤالنا الحارق ودهشتنا الطافحة بالصمت

 

شمس الدين العوني

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3218 المصادف: 2015-06-28 02:30:28