المثقف - قراءات نقدية

عــن رسمك للقمر يا "مولاي"

maymon harashلقد حجزت غرفة لاثنين في بيت القمر

نقضي بها نهاية الأسبوع يا حبيبتي،

فنادق العالم لا تعجبني،

الفندق الذي أحب أن أسكنه هو القمر

لكنهم هنالك يا حبيبتي،

لا يقبلون زائرا يأتي بغير امرأة

فهل تجيئين معي

يا قمري . . إلى القمر.

نزار قــباني..

 

اختار المسرحي الكبير مولاي الحسن بنسيدي علي عنواناً جميلاً كما القمر هو " رسم بريشة القمر " لمجموعته القصصية ، ولم أقتنع بالعنوان إلا بعد أن قرأت باهتمام يليق بهذا الكاتب متنَ كتابه، ولن أتحدث عن التيمات التي تناولها هنا ، إنما الذي يتقدم على هذا لأنه الأهم ، بنظري، هو عشق الرجل للجمال في واقع مسيج بالقبح، فكان لا بد من رسم القمر لتكريس الجمال، والقمر هنا فعل جميل لإدانة القبح في كل صوره، وتجلياته..

والفن ليس تصويراً لشيء جميل إنما تصوير جميل لشيء من الأشياء، القبيح خاصة.. هذه هي القاعدة التي سيعتمدها الكاتب مولاي الحسن بنسيدي علي في كتابه هذا، مادته الريشة، وعالمه القمر ، يدعمه إحساس بغضب عارم تجاه مفارقات عجيبة..

هو فنان مغربي معروف أسدى خدمات جُلى للمسرح ، وأعترف لقلوبكم الطيبة بأن الرجل مهووس بهذا الفن، يسكن منه القلب والأهداب.. أقول هذا بعد أن قرأتُ له كثيراً، وبعد أن سمحت ظروفي لحضور أمسية مسرحية شارك فيها طلبةُ الجذع المشرك أدبي بمدينتي الناظور، بتنسيق مع من رتب ذلك اللقاء، وهيأ تلك الفرصة الثمينة.. حينها لم أمنع دهشتي وأنا أشاهده على "الهواء مباشرة" يرتجل مشهداً مسرحياً مع الفرقة ؛ كان جالساً قربي مع الجمهور، لكنه فجأة انتفض كعصفور بلله القطر فصعد إلى المنصة دون مقدمات ، وقدم أداء راقياً ضجت له القاعة بالتصفيق لأنه أقنعنا وأمتعنا.. كان حقيقة يناجي القمر فوق المنصة على طريقته..

لحظة من فضلكم ،

دعوني أعود للسؤال : لماذا القمر في هذه المجموعة؟

يقول مولاي الحسن بنسيدي علي في الكتاب : " حاولتُ في هذه المجموعة القصصية "رسم بريشة القمر" أن أرسم حكايات ..." ،ويبدو لي أن رسم الحكاية هنا ( التي يقصد على الأقل) ليست مثل الكتابة عنها، هناك اختلاف دقيق يتمثل في الفرق بين من يروم الكتابة لذاتها فيكتب دون استحضار المقصد منها وهو كما هو معروف المتعة والمعرفة، وبين من يكتب وهو يحمل- كما الطبيب- في ذاته وقلبه العلة التي يداوي بها الناس واضعاً نصب أعينه شرط الإفادة والإمتاع ، وهذا هو الفرق بين الطبيب والفنان مثلاً ، الأول رجل سليم يداوي مرضى، ولكن الفنان طبيب/ مريض لا بد أن يحس بألم الناس، لا بد أن يكتوي هو الآخر بالعلة ذاتها..

" رسمٌ بريشة القمر " قدم لها الدكتور نور الدين الفيلالي مع كلمة قصيرة للأستاذة سناء بحيوي سمّتها " اللغة والمعنى"..وكلاهما يجمع على أن الحسن بنسيدي علي في هذه المجموعة يعتمد الحوار بشكل لافت ، ويُرجع الفيلالي ذلك إلى طغيان نفَس الرجل المسرحي، فهو لم يعرف كيف يتنكر لجلده ،بينما اعتبرتْ بَحيوي أن هذا الحوار زاد من فرادة الخطاب السردي لهذه المجموعة .. وسأسمح لنفسي أن أضيف رأياً ثالثاً فأقول بأن الرجل يستحضر في " رسمه" تيمة "المرأة " في علاقتها مع الآخر ، وليس بالضرورة هو الرجل... وهو استحضار طاغٍ، واستدعاؤه لهذا الثنائي[ المرأة والآخر] فرض هذا الحوار في مجمل قصص المجموعة..

المرأة في مجموعة " رسم بريشة القمر " سيسبغ عليها كاتبُها مُسمياتٍ كثيرةً فهي : " الأنثى، والأفعى، والجنية، والمرأة، والزوجة، والحبيبة، والبنت،والوصيفة،والجدة،وقرة العين،والمجنونة،والفنانة،والوالدة والمبدعة،والسيدة،والأم... وباستثناء تيمات قليلة عالج فيها أموراً لها صلة بالسياسة تحتل المرأة الصدارة، وتتربع على مجموع القصص بنسبة كبيرة..

وبعد، أو ليست المرأة هنا هي القمر عند مولاي الحسن بنسيدي علي ؟..

ولعل المبدع وعى علاقة المرأة بالقمر، ولأنه شاعر وفنان فهو ينظر للقمر فيقدسه، ويشفع للقمر- بشهادة مجموعة من عشاقه- أنه ولد من الظلمة الأزلية، التي هي الرحم الجسدي الذي حبل بالكون فأنجبه كما جاء في أسطورة التكوين البابلية..وفي مجتمع تكتسحه الظلمة رغم "الكهرباء" ، ومؤسس على تناقضات غريبة كشفها مولاي الحسن في " رسم بريشة القمر " فلا مندوحة من التفكير في القمر ، هو وحده المانح للرؤية في طرق سديمة ، يقطعها لا العشاق، إنما المهمشون ، والمعذبون في الأرض..وبما أن موضوع المرأة طاغٍ على المجموعة فإن استدعاء القمر له ما يبرره هنا، وحَسْبُ مولاي الحسن بنسيدي علي أنه منح للقارئ " رؤية" عبر القمر حين كشف له عن أمراض اجتماعية خطيرة ، بطلاها هما المرأة والآخر..

وفي النهاية لا بد من تسجيل الملاحظات التالية :

- الكاتب مولاي الحسن بنسيدي علي فنان" طالع من بحر أزرق.. أزرق"، كريم وأريحي مثله .

- مجموعة " رسم بريشة القمر" تكرم المرأة من خلال استحضار قضايا متنوعة تكشف عن اختلالات عميقة في علاقتها بالآخر..

- رسمه للقمر في المجموعة مسوغ لمنح الرؤية.. وهذا هو هدف الكاتب الملتزم..

 

ميمـون حـرش

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3219 المصادف: 2015-06-29 10:22:30