المثقف - قراءات نقدية

فاعلية الانتظار ومتعلقاته في (من يطرق باب الضوء ...) للشاعرة رفيف الفارس

alihusan alkabazقراءة في مجموعة من يطرق باب الضوء ...

لكل شاعر عوالمه الذكية المرتكزة على نوعية استيعابه للفهم الجمالي ومعطيات تجربته وقدرتها على توصيل الفعل الابداعي الى متلقيه عبر منطلقات محورية تكون بمثابة الشريان النابض والذي تتفرع منه الاوردة الشعرية ، فكان الانتظار هو المرتكز المحوري لشعرية ( رفيف الفارس ) في مجموعتها ( من يطرق باب الضوء...) وضعت التوقيع الاعمق والاكبر لجميع انتظاراتها المستديمة فتقول

(انا كل ما في شرايني اليِه .. إنتظار ) ص53

 

741-rafifوللانتظار عوالم كبيرة تحتوي المؤثر النفسي وتحمل بين طياته أرضية تأويلية فاعلة في ذهنية التلقي كمرموز فلسفي روحي وهذا المعنى سيعطي للقراءة بعدا آخر هو البحث عن المؤولات بجميع مستوياتها المتداخلة في عملية البناء القصدي وغير القصدي ومثل هذه الاشتغالات غنية باللواعج النفسية والمعاناة وتعكس رؤية الشاعرة عبر قيم الانتظار ومتعلقاتها التي كانت لها السطوة وهي وحدها تحتاج الى متابعة خاصة لاتسمح لها الورقة الانطباعية بدءا من العنونة الاستفهامية الشرطية ، والمنطلق التغريبي بين ربط مكونات الباب ـ الضوء وهذا المتعلق ابتكاري خاص بتجربة المنشأ، والقصد ان الموجهات الدلالية تتسع عند مكامن الانتظار لتشكل مواقف انسانية

(يَنذُرني بُعُدكَ هبةً للغور

لا ينبض بي إلا صدى نبضك

يسابقني دمي الى قرار اوتارك

أتهجدك فجر أمنية وانتظار) ص5

 

سعت الشاعرة رفيف الفارس الى تبني فلسفة الانتظار وربما اختارها العقل الباطني لما تحتويه من ثراء روحي وسيرورة معنى لها طابع الحزن والالم والمعاناة لكن بعيدا عن اي انكسار نفسي بل على العكس صار يشكل حالات تجلي نقرأ بعد قرائتها الكثير من الجمل الساكتة، وهذا هو معنى وجود بنية عميقة دلاليا تعتبر هي قيمة النص الحقيقية بما تثمر من منتج ابداعي،

(قبل آلاف السنين

لا يزال الدفء يلثم المطر

ولا تزال مظلتك

تنام في زاوية الغرفة

تناديك والمطر

وانا والانتظار ...) ص11

 

اشتغالات دقيقة في تشكلها الجوهري والتي تنفتح على اجزاء غنية تشتغل في المنطقة الشعورية الجاذبة ، لترسم ملامح ابداعها عبر التداخل الشعري المؤطر والمشحون بشعرية التوقيع كحالة تعبيرية تصبح كانها أوعية للهموم والاحزان وانفعالات الخاطر المجروح،

(ألوي الدهر و يلويني

امتلأت الروح بانواعِ الهموم,

وهناك

في البعيِد

على قارعة الطفولة

يأتي صوتُك

ملؤه الحنين

يوما سأبصر عينيك

وأنتظر لحظة القراءة)

 

ونقرأ

(أبحث دوما عن حروف لا تكتبها

تتناسل فيّ ألف قصيدة من زمن الانتظار...)

 

وللانتظار متعلقات حياتية وضميرية استطاعت ان تعمق مسارها الحضوري ، فكل ماضي يمتد طوعيا الى الحاضر لانه لايمثل حالة الانكسار ، وانما يماثل الواقع المعاش ويمتد الى مستقبل يعكس الاصرار النفسي الذي يبين مرارة الموقف الانساني،

(دموعنا التي تروي أكفّنا

جفت .. ملأت وجوهنا ا لآخاديد

غرست

في قلوبنا الحفر

جفاف ... متى يأتي المطر

يروي الحقول .. يروي القلوب

يبلل الخود

يمازج الدموع

سأبكيك عمرا وانتظار..) ص10

 

يحضر الانتظار في وعي الاشياء وعلاقة العالم بما يضمره من امكانات لتوحيد رؤية الوجود ككل، وهذا يعني بطبيعته سيتجاوز النسق الواقعي ويعتمد على فاعلية التخييل، التي تترك بصمتها الروحية على قلب القصيدة

(لم اعد أملك إلا روحا

وبقايا اشتياق

وامنيات الرجوع

فلارض انتظار

للمسة السماء .. لذرف السماء .. لينابيع المطر) ص12

 

يرى بعض النقاد ان الانتظار حالة تسرق العمر وانتظارات رفيف الفارس مساعي اكتمالية ترتقي باللاوعي الى وهج السمو والتسامي

(على مر الدهر باقون

وابتسامة تلوي الشفاه

عيوننا في عيون الشمس

كما النخيل) ص19

 

قصائد ترسم ملامحها خارج التشكيل الحرفي للجملة بل تذهب الى ابعاد ذهنية لتشكل المساحة الممكنة بالمعلق في الذاكرة، من يطرق باب الضوء، مجموعة شعرية عرضت امكانية القدرة الاستنهاضية الكامنة في الوجع والقلق، وقدمت يقظة ادراك فاعلة تستوعب قيم الفن والجمال.

 

علي حسين الخباز

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3229 المصادف: 2015-07-09 10:48:53