المثقف - قراءات نقدية

وحدات السرد الصغرى في مونودراما صباح الأنباري

saleh alrazukفي (مذكرات مونودرامية) آخر مجموعة من المسرحيات لصباح الأنباري الصادرة عن دار ضفاف في بيروت (٢٤٠ صفحة) توجد كالعادة مجموعة من الأسئلة التي ننتهي بها بعد قراءة كل نص. فقراءة الأنباري تفترض نوعا من المعايشة والتشارك التفاعلي. إنه لا يكتب ولكنه يخطط ويصمم ويضع الحروف. وينتظر منا اختيار النقاط.

بمعنى أن القارىء هو شريك بالفعل في كتاباته. وقد يكون هذا القارئ مخرجا أو مهندس ديكور أو مشاهدا.

و أهم الأسئلة التي تثيرها مجموعته هذه إثنان.

الأول كيف ينظر للزمن؟..

إنه يسميه في أولى مسرحيات المجموعة (نزيف مذكراتي- ص ٢٧).

و كأنه فرع من أصل. أو نتيجة لسبب.

لقد كان سؤال الزمان في هذه النصوص غير مشكلة التاريخ.

فهو بعيد عن إيديولوجيا الخمسينات ذات المشهد الاندماجي والذي يلتئم فيه شمل البطل والمجتمع والمكان في وحدة واحدة لا تنفصم عراها، كما هي حال يوسف إدريس ومدرسته ذات الاتجاه السياسي.

لقد اعتمد الأنباري في الواقع على مدرسة الستينات وتوجهها الراديكالي الذي نظر للإنسان كمعطى في متواصلة ينقصها التوازن. فتيار الأحداث لا يجري من بداية إلى نهاية، ولكنه يقفز من فوق المراحل ويمكن أن ينظر إلى الخلف ليتذكر أحيانا، وليعيد تركيب الرموز أحيانا أخرى، وكأنه سيرة ذاتية بالتحويل إلى غائب. وهذا أتاح له أن يقترب من مفهوم الرواية المضادة ولا سيما نموذج مارغريت دوراس في عملها المختلف عليه (انخطاف لول شتاين).

فهي في هذه الرواية لم تكن تجزئ وحدات الوقت إلى لحظات تنطوي على نفسها. ولكنها بلورت رؤية وفق مبدأ المرايا المتجاورة. حيث يمكن لك أن تشاهد الحادث الواحد عدة مرات. مصغرا في مرآة بعيدة ومجسما في سطح عاكس قريب.

وضمن هذا المنطق استطاع تجاوز الخلاف أو المصالحة بين الواقع والمنطق. وأصبح من الجائز أن يكون اللامعقول حقيقة لأنه جزء من سيرورة حلمية تحيل دائما إلى ما مضى من أفعال وعظات وأساليب.

وضمن هذا المنظور قدم لنا رمز التمثال الناطق (في جندي في نصب الحرية) والشجرة المتكلمة (في سدرة في حديقة الأمة)، إلخ...

السؤال الثاني هو عن المتواليات. هل التسلسل والتعاقب يكون بالأحداث أم بالأشخاص؟.

واختار الأنباري أن يسمح لشخصياته بالتعاقب ولأحداثه بالتوازي. وهكذا أمكن قراءة المونودرامات التعاقبية في ضوء هذه الرؤية ولا سيما في (القتيل والقاتلة) وبدرجة أوضح في (القاص والقناص) .

لقد عزل الشخصيات ودمج الأحداث.

وعزل الشخصيات تبعه تحديد للمشاهد. كل مشهد يختص ببطل له قصة متكررة. التالي يعزل السابق ويلغيه.

وأعتقد أن الأدب العربي لم يقدم من قبل مثل هذا النوع أو بالأحرى تحت النوع فيما أعلم.

و أقرب وأوضح نموذج هو لـ "ألان سيليتو" الكاتب العمالي البريطاني مؤلف (الجنرال).

لقد كان سيليتو في هذا العمل مشغولا بدرامية ملحمة العذاب الفردي. كل إنسان يواجه مصيره المرعب ويعيش في أهوال جسيمة ترعاها مشاعره وبالأخص حين تتعرض لامتحان في المصير.

و هذا يعني أنه سيكون بين عدة اختيارات: صوت الضمير. ونداء الغرائز والمحرضات.

تتألف الرواية أساسا من شخصيتين كل منهما حامل رمزي لوظيفة. وبمفردات بارت هما أسماء لوظائف functions.

ضابط سفاح يقود فرقة على الجبهة. وقائد فرقة موسيقية جوالة يحلم بيوتوبيا يسودها الأمان.

و كل واحد منهما يتعاقب بالتناوب على فضاء الرواية.

الأول يهتم بالتطهير عن طريق الإزالة. والثاني بالتصعيد.

و هكذا لأول مرة أجد نفسي أمام مثاقفة ليس بين أجيال أو ثقافات وإنما بين أنماط.

ولكن هل إزالة أدران النفس مثل تصعيد العاطفة بالوعي؟.

هذا هو السؤال الذي يعنى به الأنباري في محور المونودراما التعاقبية الذي ضم ثلاث مسرحيات أهمها هو (القاص والقناص - ص ١٧). حيث يتوالى بالظهور قاص يسبح في الظلام ويحاصره الرهاب ولكن لديه أنا أعلى تحريضي.

و قناص لا يجد مندوحة من اكتشاف معنى غرائزه. بمعنى التعرف عليها. وكأنه شخص أمام مرآة بياجيه. كلما أمعن النظر بصورته يزداد اغترابه.

لقد ضمن الأنباري لنفسه بهذا النص أقصر طريق للمسرحية الحوارية. مع التأكيد كما قال في مقدمته على شرطين: أن ينفرد الممثل الواحد بكل المشهد. وأن ينشأ تناقض بأقسى حالات التضاد بين المتواليات ( ص ١٤٢).

و لذلك، ومع أن المفروض في أي مونودراما أن تكون ضمن نشاط اللسان المونولوجي (بتعبير باختين)، فإن هذه المسرحية، هي جزء لا يتجزأ من الفن البوليفوني. متعدد الألسن والأفكار.

المشهد الأول يرسم لنا بكثير من التأني لواعج مكبوتة هي من خصائص العاطفة الرمادية. أو عاطفة لاجدوى التعرف. الناجمة عن سلوكيات وأخلاق المتمرد العضوي. والتي بالاستطراد تحمل كل خصال وصفات الاغتراب الذهني.

في حين أن المشهد الثاني هو نتيجة لتجزيء المجزأ أو تفكيك شريحة غير مركبة أصلا هي شريحة الغرائز. وفي أحسن الأحوال شريحة اقتصاديات ما تحت الشعور.

و أجزم أن هذه المتواليات هي غير مبدأ السرديات الصغرى* التي تشكل في النهاية وحدتها العضوية.

فالتوالي في الوحدات السردية كما اعتاد زكريا تامر أن يبني بها كتلة قصصه غير التوالي في المشاهد.

في الحالة الأولى العزل هو استعارة تامة الأركان. بينما في الحالة الثانية هو استعارة مكنية. حيث تتبدل الشخصيات ولا تتبدل العظة أو الأحداث.

و بتعبير أوضح: يوجد تجانس في سرديات زكريا تامر ضمن فضاء البنية. ولكن يوجد تضاد أو ديالكتيك. نفي للشيء بضده في سرديات الأنباري.

مع ذلك إن ما يفعله الأنباري هو بالضبط مثل ما فعله أبطال حزام الستينات من القرن الماضي. الذين طووا صفحة الواقعيات الاجتماعية وفتحوا صفحة خاصة بحداثة التخلف. حينما أصبح الخيال والسحر والخوارق أكبر من المنطق. لقد وضعوا الأدب العربي في منعطف حداثة رومنسية لا تعرف شيئا لا يطاله الندم وطلب المغفرة وتبكيت الضمير. إنهم في كل الظروف عرضة للمساءلة ولوم الذات والتناهي. بمعنى إنهم لا يعرفون أي مبرر للسقطة التي أودت بهم من مسعى الغايات إلى حفرة وجودية.

غير أن الأنباري يضيف إلى ذلك ضرورة تحرير هذه القراءة من شرطها التاريخي. فالعدمية تتحول إلى إصرار ولو أنه بلا جدوى..

و هزيمة شخصياته (مثل اندحار أبطال لورنس) ليست مجرد هزيمة أوديبية. يفسح فيها الابن مكانه للأب الممقوت. ولكنها هزيمة للرجولة الغامضة التي تتخبط في ليل مخيم (بتعبير فرانك كيرمود)*.

وعلى هذا المنوال تكون المعرفة بالتجريب. يعني إنها ليست ثقافة تأملات وحدس. وإنما إعادة تدوير للمصادر. وهو بذلك يحرر النص من قراءته للخبرات المتراكمة في البنية والسياق، ثم ينادي بتحرير الرموز من إسقاطاتها لتكون رموز ماهية. رموز صور. كل صورة تحمل معناها في دلالتها وليس في شكلها.

وأعتقد أن هذه خطوة إيجابية لم يسبقه إليها أحد لو استثنينا توفيق الحكيم في نصه اليتيم (يا طالع الشجرة).

أخيرا.

لا أريد أن أقول إن صباح الأنباري أفضل من كتب مسرحية طليعية بلسان عربي ولكنه يأتي في مقدمة هؤلاء المجددين. مثل خالد الصاوي وقاسم مطرود وجواد الأسدي .....

 

*السرديات الصغرى والكبرى مصطلحان أدين بهما للناقد الدكتورحمزة عليوي من جامعة بابل، والذي يبشر بنهاية عصر السرديات المعروفة وتدشين أسلوب خطاب بالإسناد والإزاحة. فسرديات المقاومة والتحرير تتراجع ويحل في مكانها وحدات عضوية جديدة تعبر عن أولوية المكونات المحلية. والمعنى الجديد والمبتكر لصورة الحبيب والعاشق، إلخ. وللتبسيط إن السرديات القومية تتفكك لمصلحة هوية وطنية ضمن حزام من التحالفات التي لم يكن لها وجود في الألفية السابقة.

** د. هـ. لورنس. سلسلة أعلام الفكر العالمي. ص ١٩.

 

صالح الرزوق

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3250 المصادف: 2015-07-30 00:42:48