المثقف - قراءات نقدية

بغداد في حلتها الجديدة .. نص رائع للشاعر العراقي الفنان الأستاذ كريم عبد الله

karim abdulahكعادة شاعرنا القدير كريم عبد الله دائما يكتب من صميم الواقع وهموم الوطن متجولا بين شوارع العراق وازقته باحثا عن كل لقطة عميقة مؤثرة ناثرا الضوء رافضا للعتمة .. مصراً على التنوير مهما بلغ حجم الظلام عندما نقرأ لكريم عبد الله نشعر بأنه إنسان يشعر بعمق المأساة التي نعيشها في أوطاننا المنكوبة التي تعصف بها الفتن والويلات أسلوبه الخاص يجعله دائما منبرا مختلفا وراقيا من منابر الفكر والثقافة والحرب على الجهل والطائفية والانغلاق الرائع هو أنه فعلا يستخدم تلك العبارة التي تحلق في نصوصه (لغة المرايا والنص الفسيفسائي) المرآة هي أصدق طريقة لرؤية الواقع بصدق دون تجميل وتنميق والمرآة هنا هي مرآة المجتمع والوطن والقلب .. مرآة يظهر فيها الواقع وتتكشف من خلالها الحقائق والنص الفسيفسائي يرصد صورا متناثرة هنا وهناك ويجمعها لتشكل لوحة اجتماعية صادقة جدا الرائع كريم عبد الله يعيش بين الناس بكل متناقضات الحياة في مجتمعه وواقعه ولهذا نراه يرصد هموم الوطن بأسلوب يهز الوجدان ويدخل القلوب والعقول رغم قوة تعابيره ولغته وعمق معانيه ورموزه لكنه لا يستخدم لغة غامضة تتعب القارئ وتصيبه بالصداع بل على العكس يستخدم صورا راقية ومفردات سلسة تجعل القارئ يعيش ضمنها وكأنه جزء منها ما هي الحلة الجديدة لبغداد؟ وما المقصود بها؟ هل هي حلة أمل؟؟ أم حلة وجع وأسى؟ يبدأ شاعرنا بعبارة تهز الوجدان فيخاطب بغداد قائلا: وأنتِ المغضوبِ عليها تنتظرينَ العطايا تأتيكِ بالبريدِ الدولي يغربلُ وجهَ دجلةَ سهمٌ نابتٌ في العيونِ لعلكِ تغنينَ أيّتها الفالتة مِنْ جهنم العمياء! المغضوب عليها !! عبارة تهز القلب وتوجعه .. لماذا غضب على الوطن؟ ما ذنبه؟ ما جريمته؟ ذنبه أنه وطن يأبى الخضوع والمهانة ... ذنبه حضارته العميقة الممتدة قرونا من حنين غضبوا عليه لأنهم يرفضون أن يحيا كريما يخاطب شاعرنا كل عراقي من خلال بغداد هنا وهي تمثل كل العراقيين وينصحهم بعدم انتظار الفرج من الخارج ومن المجتمع الدولي الكاذب المنافق الظالم وجه دجلة يرمز هنا لكل معاني الطهر والنقاء ... هناك سهم خرج من عيون غادرة أو ربما المقصود هنا سهم من عيون العاشقين كي تغني بغداد بعد أن فلتت من قبضة الجحيم والمقصود بهذا الجحيم الفتنة التي تعصف بالعراق وبالشرق بشعارات مختلفة وتحرق الأخضر واليابس وينتقل شاعرنا لسؤال حزين فيقول : مَنْ يعيدُ بيرقكِ والدهشة تنتشلُ مِنَ الهاويةِ صباحكِ المشرق بأحلامكِ المنهوبة وتموز عادَ شيخاً هرماً عجوز ! من يعيد النور والسمو والنضارة للوطن ... هل هي دهشة تنتشل صباحاتها من الهاوية ؟ تلك الهشة تتمثل بمعجزة ما أو لحظة صدق مع الذات تجعلنا نندهش من سوء أفعالنا التي أودت ببلادنا إلى هذه الهاوية ... من نهب أحلام الأرض ؟ هي صرخة هنا في وجه كل من نهب هذه الأحلام من تجار باسم الدين والسياسة وظلاميين وإرهابيين ومخربين تموز طبعا هو إله سومري معروف في حضارة وتاريخ بلاد الرافدين وهو أسطورة ذلك الراعي الذي أحب عشتار وأخذه الشياطين نحو العالم السفلي وبكت عليه عشتار طويلا ولا نعرف إن عاد أو لا لكنه هنا عاد عجوزا وتموز يرمز مع عشتار للفصول وللطبيعة والنماء فلو عاد عجوزا فهذه مأساة ويتابع شاعرنا مع أساطير بلاد الرافدين وكأنه يصل الماضي بالحاضر وكأن التاريخ يعيد نفسه .. من يخرج العراق الحبيب من هذا الجحيم والعالم السفلي؟ هل نبكي العراق كما بكت عشتار تموز؟ كيف نخرج من هذا الجحيم ؟ يقول شاعرنا : لا ترحلي ( ننماخ)* إنْ أجدبتِ السماء يوماً وبيوت الفقراء غيماتهم العقيمة تمشّطُ أشجار الصنوبر وجذورها تبحثُ عبثاً عنْ نبعٍ يتفقدُ مفاتيحَ مباهجكِ ننماخ طبعا هي تلك المرأة العظيمة التي كانوا يتعبدون في معبدها وهي تناجي الإله .. يخاطبها لا ترحلي ولا تيأسي صحيح أن السماء أجدبت والغيم صار عقيما لكن الفقراء والبسطاء ما زالوا يبحثون عن نبع يعيد لهم الحياة وينقذهم ويعود الخطاب بعدها لبغداد وكأن شاعرنا يشبه بغداد بتلك المرأة العظيمة الصابرة المؤمنة فيقول بعدها: لماذا أنتِ غريبة دائماً وأحلامكِ يتناهبها قطاع الطرق ! تتوسدينَ وحدتكِ وتحتمينَ مِنْ رصاصاتِ الغدرِ بابنائكِ اليافعين الغربة هنا عميقة جدا عندما يخاطب بغداد بقوله: لماذا أنت غريبة .. هي غربة ترمز للكثير من أحزان العراق ... غربة في الداخل نفسه بحثا عن مكانها الحقيقي بين الأمم ... بحثا عن الأمان المفقود والاستقرار المنشود هناك الكثير من قطاع الطرق الذين يسرقون الأحلام ويبيعون ويشترون في الأوطان وأنت يا بغداد وحدك في وجه وحوش تريد نهبك وقتلك تحتمين بأبنائك الذين يحبونك ويذودون في حماك وتقدمينهم قرابين لبقائك .. هل ذنبهم أنهم يحبون الوطن فتقتلهم رصاصات الغدر والظلم؟ وبعدها ينتقل شاعرنا لمشهد أكثر حرارة في تصاعد درامي رائع فيقول : تتيهينَ في حزنكِ الطويل للصبرِ تغزلينَ رداءَاً وحرائقكِ كثيرة يجدّدها الملثّمون، حيثُ لا فرحة تتهادى في أزقتكِ المحرومة مِنَ الأبتسام، كيفَ يؤتمنُ على صباحكِ والذئاب حولَكِ تنتظرُ ساعةَ الصفر. وضح شاعرنا هنا كل هموم العراق الحبيب الصابر حيث الحرائق حوله تأكل بهجته وتعبث برونقه .. فتن كثيرة تعصف بأوطاننا وتحرمنا من الفرح وحتى من البسمات .. كل الذئاب تتربص بها وبخيراتها وتنتظر سقوطها بين أنيابهم في كل لحظة وينتقل شاعرنا نحو بصيص الأمل ويعبر عن صمود بغداد الصابرة بقوله: ستبقينَ تليّنينَ هذه العتمة يا لهفة العشّاقِ ويستقطرُ عشقكِ يملأُ حقائبهم، الثكناتُ على إمتدادِ طريقِ عودتكِ عجيبُ أنْ تتحدّى زرقةَ عينيكِ وتدسُّ فيهما الرمادَ هل تلين العتمة بالحب؟ هل يرسم الحب طريقا نحو الفرج والنجاة؟ ولماذا تلك الثكنات العسكرية المتضاربة التي تحيط بالوطن بشعارات مختلفة حتى صار صوت السلاح يطغى على كل الأصوات ويدس الموت والرماد في عيونها الزرقاء كناية عن الصفاء والأمان والسماء الزرقاء الخالية من غيوم الحزن والكآبة والبؤس والموت ويوضح لنا قدرة هذه البلاد على البقاء والصمود وتحدي الموت فيقول شاعرنا: مازلتِ تجيدينَ تفريغَ الحزن والفرات يمسحُ عنْ وجه القمرِ دخانَ المدافع . سينقشعُ البياضَ مِنْ عينيكِ وتردّدينَ (إحنا ياما للحبايب شكثرْ وشكدّْ سامحينهْ شفنهْ منهم كلْ مصايبْ لكن نحبهم بقينهْ)* نعم سيمسح الفرات دخان الموت ويعيد للعراق الأمن والأمان والطمأنينة .. وسيبقى قمر بغداد ينير ليلاتها وسيعود لها البصر كما عاد البصر لسيدنا يعقوب عليه السلام بعودة سيدنا يوسف عليه السلام وما أجمل استشهاد شاعرنا بهذه الأغنية الشعبية الرقيقة التي يكسوها الحب وتعبر عن بساطة هذا الشعب العراقي الطيب المحب المتسامح وفيها دعوة للحب والتسامح والوفاء ويختم شاعرنا بالأمل واليقين فيقول : سيحملُ الحصّادونَ خيباتهم معهم، قدركِ أنْ تهتكينَ أستار قسوتهم وتنجبينَ صبحاً جديداً زاهياً يركضُ في حقولِ القمح يحملُ أفراحَ نيسان، أيّتها المبلولةُ بأريجِ الحضاراتِ يامَنْ تعمّدها الآلهة ستتأبطينَ المحنةَ تحرسكِ نجومَ السماء ويتطايرُ السخامُ مِنْ حيطانكِ المتعبة وتُخضّبُ بالحنّاء مِنْ جديد . نعم سيخيب المجرمون الحصادون ولن يحصدوا إلا الندامة والخسران وستشرق الشمس وتتبوأ بغداد مكانتها الحقيقية في ريادة الأمم والصبح قريب مهما طال الليل نص رائع وأسلوب رقراق اعتمد على الجمل الطويلة بنفس خاطري شعري رائع وأسلوب فسيفسائي بديع ربط الماضي بالحاضر بأسلوب رائع وعميق .

 

كتب الشاعر (محمد الدمشقي) من سوريا

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3258 المصادف: 2015-08-07 01:38:33