المثقف - قراءات نقدية

الذائقة المتفاعلة .. مقاربة بين الشعر الفصيح والشعبي

hasan albasamاللغة هذا الاناء الذهبي الذي يحتضن مشاعرنا وأفكارنا .. هي التي تعيد الحياة لألسنتنا وتنشط فكرنا وتتوقد عاطفتنا بما يتناسب مع مدخولاتنا الثقافية وتوجهاتنا الفكرية والعاطفية .. إنها الدلالات التي تعبر عنا تعبيراً شبيها بنا .. تمتلك من المدلولات والإشارات ماتحيل حياتنا الى السير في نسق الإنسانية .. أي إن اللغة هي الانسان .. العاطفة موجودة لدى الحيوانات والبشر على السواء .. ولولا اللغة لضجت صدورنا بطبول المشاعر الدفينة وعقولنا بتصادمات الفكر ولن تكون الإشارات كافية لإنسان يمتلك طاقات خلاقة وهو ميال الى البوح عن مايجيش في خاطره لأبناء جنسه ..

اللغة لها غاية واحدة سواء كانت حروفها من بطون الكتب وتناسق وصرامة القواعد أو من حروف شعبية اكتسبها الانسان من محيطه وبيئته .. لافرق بينهما هي وسيلة لإظهار الأفكار والمشاعر لذلك فانني أقول إن الشعر العربي الفصيح هو بمنزلة الشعر الشعبي من حيث التاثير في المتلقي لحظة الخطاب لأن اللغة الفصحى وليدة بيئة محددة مقيدة محصورة في نطاق قبيلة أو منطقة أو مساحة معروفة لكن الهجرة واتساع القبائل وتحرك الناس الى كافة الأرجاء بحثاً عن العشب أو الماء أو العمل أو المصالح الخاصة بهم جعلهم يحتكون مع بعضهم وتتوالد لهجة لكل منطقة أو قوم .. المشاعر ذاتها وكذلك الأفكار .. وأضيف الى ذلك إن شروط جودة التعبير متساوية في اللغة هذه أو اللهجة تلك فالشعر الشعبي هو وليد تلك القبائل والاقوام التي إستوطنت في مناطق شتى فتكونت لهجات متفاوتة مختلفة أو متشابهة وإن هذا الشعر لا يقل جودة عن الشعر الفصيح لأنه يلتقي معه في التميز الفني لجودة القصيدة وما تترتب عليه القصيدة المؤثرة .. باستثناء التأثير حيث أن نطاق القصيدة الفصحى أوسع بينما الشعبية محدودة في نطاق ضيق وإن كانت بعضها متسعة قليلاً الى مناطق متعددة ..

إن القصيدة الشعبية تمتلك من الطاقات ماتمتلكه القصيدة الفصحى بتاثير الفكر والعاطفة والمبدأ .. وإن من ينتقص من دورها الفاعل واهمٌ كبيرٌ .. لأنها على قدر متميز من الجمالية والتكامل .. كم قصيدة باللهجة العامية هزت كياننا وألهبت مشاعر الناس واندفعوا لتحقيق الأهداف التي سعت اليها روح القصيدة في العمل أو الحرب أو العاطفة .. .الخ

إن الشعر العربي الفصيح هو مرآة الحياة التي كتبت خلالها القصائد .. وإن إستخدام اللغة الفصحى في الوقت الراهن هو في الكتب والمخاطبات والمناهج والخطاب الرسمي والتدوين والبحوث والتوثيق وغيرها .. لايمكن الاستغناء عن اللغة الفصحى وكذلك القصيدة منها .. لايمكن ان تكون حضارة دون تدوين بلغة شاملة واسعة الفهم على نطاق كبير .. إن القصيدة باللغة الفصحى أكثر ثباتاً على مر الزمن لأن اللهجات عرضة للتبدل والتغييير بينما تتسم اللغة الفصحى بالثبات على الرغم من أن اللهجة الشعبية هي حاضنة اللحظات اليومية والمشاعر المتجددة المتوالدة يتداولها العامة والخاصة وهي تعبر بدقة عن مكنونات الانسان في الشارع والمقهى والبيت وغيره .. وقد نرى تاثير شاعر شعبي أكثر إتساعاً في النفوس من قصيدة فصحى بل رأيت أن ميول عامة الناس للقصيدة الشعبية بتفاعلهم المباشر وتأجج مشاعرهم أثناء إلقاء القصيدة أكثر من القصيدة الفصحى التي لا تسري في شرايين ذائقة كل الناس .. حيث ينسجمون مع جماليات الصور المؤثرة أثناء الإلقاء والتفاعل السريع معها .. لكن ماأراه إن المجتمع بعد تعاقب سنواته يتناسى الكثير من الشعراء الشعبيين بينما الشعراء باللغة الفصحى المائزين تتناقلهم الأجيال من جيل الى آخر ..

كلا القصيدتين تشتركان في الجمال .. وكل منهما تسعى الى الرقي على الرغم من إختلاف المناخات الثقافية والاجتماعية والفكرية والعقائدية فنجد أن اللغة الشعرية هي التي تسمو على لغة الخطاب اليومي من خلال شحن الكلمات بالطاقات الشعرية بامتلاكها دلالات ناضجة والرموز والصور المتفردة المشرقة المعبرة واستخدام لغة مشحونة ولادة تصطدم بالذائقة فتشعل فيها الطاقة لتتحرك في اتجاهات جمالية متعددة .. لذلك فإن الكثير من الشعراء يشتغلون لتفجير طاقات اللغة ليشكلوا منها أبعاداً دلالية جديدة ومؤثرة وغنية

إن الشعر لايكون دون صور تعكس المشاعر الدافقة والمواقف الكبيرة المؤثرة بأشكال أو الوان متعددة باستخدامات الرمزية والمجاز والإيحائية والجناس والتضاد والتكرار والاستعارة والتشبيه وماإلى ذلك من شحن المفردة وتوليدها طاقة اضافية.

وتبقى على رأس القصيدة الفصحى أو الشعبية هي الموسيقى الشعرية التي تخاطب المتلقي حيث اننا وعينا على تهجدات ومناغاة الأم أثناء نومنا أو في حالة الغياب أو الشوق له بلغة مموسقة تمتلك نغمات متناسقة حانية وظلت في أذهاننا منذ ذلك الوقت وحتى الآن .. سواء كانت موسيقى خارجية من خلال الوزن أو القافية أو من خلال الموسيقى الداخلية التي تتجلى في تجانس معاني الكلمات مع بعضها أو تجانس نبراتها وعلاقاتها مع بعضها أو من خلال تقنية بلاغية مستمدة من لفظ واحد يعطي معان متعددة أو توليد الموسيقى من خلال إستخدام لفظين متعاكسين في دلالاتهما لكنه يحفز ذائقة المتلقي وينشطها.

نحن نحلق مع أجنحة الجمال حتى لو كانت مع حجر أصم تأمله يثير مشاعرنا ويخاطبنا بدلالاته الجمالية ويلهب خيالنا .. ينطق بالإيحاء والتعبير عن نفسه من خلال لسان الصورة أو اللون أو الشكل الذي تكوّن عليه دالا وموحيا .

إن الإستجابة العاطفية والتفاعل الحي يتم من خلال نضج القصيدة بغض النظر عن تصنيفها فصحى أو عامية حين تكون مستوفية للمقومات الجمالية والفنية والعاطفية والكلمات التي تشحن بطاقاتها الخلاقة الشاعرية التي تحلق بنا في سماوات التأويل والدهشة والإنسجام .

 

حسن البصام

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3271 المصادف: 2015-08-20 00:54:38