المثقف - قراءات نقدية

الحداثة بلغة واقعية

saleh alrazukيتحدث برهان الخطيب في قصته (الراقصة والكاتب)* مثلما فعل في كل رواياته عن هم اجتماع سياسي.

فهو أصلا كاتب مهموم بصدام الحضارات.

وبقليل من التساهل أرى أنه صياغة فنية لـ (تخليص الإبريز في تلخيص باريز)، الكتاب المبكر والهام للشيخ رفاعة الطهطاوي، الذي لا يخلو من فانتازيا ذهنية تحولت في أعمال الخطيب إلى فانتازيا نفسية وأخيلة وصور.

فقد كان غالبا ما يضفي على الموضوع طابع الجنوسة. ويعزل الحضارات إلى مؤنث ومذكر. كما جرت العادة في أدبياتنا حيث أن المؤنث للغرب والمذكر للشرق.

و المطلوب دائما امرأة أخرى (كما يقول) ولتكن دمية أو لعنة. المهم أنها من وارشو أو تبليسي أو موسكو.

كان برهان الخطيب في مجمل أعماله شرقيا يأخذ الدنيا غلابا. لا يصمد أي باب في وجهه لفترة طويلة. ويمكنه أن يدخل إلى مخادع النساء بعد جرعة فودكا وحفنة كافيار أو بمغريات اقتصاد السوق.:السيارة والثياب الثمينة والنظارة السوداء .

و هذه أصلا هي خلاصة فلسفة العجيلي، أهم أديب متخصص بأدب الرحلات. فهو حاضر البديهة. ودرعه الشرقي يدعمه قضيب من حديد ولسان معسول لا تصمد أمامه آية فاتنة.

و مهما دارت عجلة الحياة لا بد أن تنتهي أدبيات العجيلي في غرف النوم. ابن المشرق من الأعلى والساحرة الغربية في الأسفل. مفتوحة الساقين. عارية. وبيضاء كالكوكب الدري. قمر مشرق في ليل فاحم.

و لا أجد أي جدوى من تفكيك هذه العواطف المادية. فهي تعبير عن تراجيديا الكبت والحرمان والشعور بعقدة النقص المخجلة.

لقد حصد العجيلي عشرات الدراسات التي انصبت على نقطة ضعفه الأساسية وهو فرج المرأة الغربية المتحررة.

و يوجد شبه إجماع أن منطقه الأبوي يعكس رهاب خصاء مزمن. يعوم من فوق تيار التاريخ والمنطق. ليصب في حكمة الخصوبة.

و لكن هل كان التخصيب مجديا في رأي خطابه الفني.

لا أعتقد ذلك.

فالحواجز التي لا يقر بها تراها واضحة في البنية. إنها حواجز ألسنية في قصة (حديث بلغتين). حيث الحوار يكاد يكون مستحيلا. لأن فريق النساء يتقن لغة واحدة وهي الفرنسية. وفريق الرجال يتقن لغتين: العربية والفرنسية.

و هي قسمة مغشوشة تنم عن انتصاب ناقص.

و هناك حواجز حضارية في قصته الطويلة (رصيف العذراء السوداء). حيث أن الحكم بالتفريق يكون على أساس ذهني أو حكمة وتعقل من طرف المرأة الأجنبية وعلى أساس وجداني من طرف الرجل العربي.

و لو تابعنا مع سلسلة الإزاحة سنكون أمام شرط محلي أيضا. والعزل فيه على أساس المرجعيات. كما هو الحال في (بنت الساحرة): حيث أن المحاور متقابلة، وهي طبيب مثقف ومتعلم أمام غجرية هائمة على وجهها بين الرمال. وبهذا المنطق يكون الإغواء استحواذيا، بين بديل عن الغرب يأخذ موقعه في الخطاب بواسطة التحويل الفرويدي، وبين رمز من رموز الشرق.

يعني التقابل محكوم سلفا بالإنابة والأصالة.

و هذا هو أحد الأسرار الكثيرة التي يلعب بها العجيلي لإسباغ حالة فنية على وجود طارئ.

***

لكن برهان الخطيب يبدل هذه المفاتيح. فهو لا ينظر إلى المشكلة من زاوية تجنيس الماهية. وإنما انطلاقا من رؤية نيتشة لمبدأ خطاب القوة.

إنه مفتون جدا بهذا الخطاب. ويناور به.

ومع أن شخصياته متأثرة باقتصاد السوق وبمقويات الفن الرأسمالي (مطاردات ونساء ذكوريات تعملن مع المافيا في الشوارع الخطرة - انظر روايته غراميات بائع متجول)، فهو يقف دائما إلى جانب إمبراطوريات المشرق. ويعتبر أنها هي الممثل الفعلي للغرب.

و في قصته (الراقصة والكاتب) يشير إلى يلتسين وغورباتشوف ويقول إنهما: أوروبا.. أوروبا.

كأنه يقول هما أوروبا البيضاء الحقيقية. بيت الحكمة والقوة التي لا تخمد نيرانها.

وحينما يفكر بالدخول في متاهة النساء. يسمع الصوت قادما من عواصم شرق أوروبا وليس غربها. لا سيما الريف لأن المدن متصابية على حد زعمه.

و باعتبار أن الغرب عنده مؤنث أيضا. هذا يعني أن القوة مؤنثة كذلك.

بينما الرجولة العربية تعاني من خصاء وسرعة قذف وتقهقر وانحدار. فهي رمز لحضارة جريحة. في المنفى. ومحرومة من شروطها الأساسية: المكان واللغة والهوية.

ماذا بقي لهذا المذكر المنتصب دائما غير أن يستعمل لهجة أو تراكيب لغة ساخرة. وهي موطن لزلات اللسان بالمعنى الفرويدي الذي يدل على لا شعور مهزوم وفي حالة استهزاء بالذات.

و لنتذكر أدبيات إميل حبيبي في (المتشائل) و(سرايا بنت الغول) وعزيز نيسين في (نحن معشر الحمير) وغيرها.

كلاهما من أقلية في دولة تصنفه أدنى أو ينتمي لجوهر منحط. إلى الأغيار. في حالة حبيبي ( فلسطيني في إسرائيل) وفي حالة نيسين (كردي في تركيا).

لقد استثمر برهان الخطيب ماضيه وسيرته الذاتية ليرسم حدود هذه اللعبة.

وقاد نفسه إلى فخ سوف يسقط فيه وهو مؤخرة امرأة.

وللأسف كما يقر ويعترف إنه سيحملها في علبته الجنسية. قضيبه الحديدي. السيارة. ليسقط في الهاوية التي نراها هوة مفتوحة. تستهلكه بشروطها. ثم تلفظه.

لقد كرر هذه الحكاية التي تدعو للإحساس بخطأ فاحش في العدالة ثلاث مرات.

في روايته (الجنائن المغلقة). ثم في روايته (الحكاية من الداخل). وهنا في قصة (الراقصة والكاتب).

و كأنه يستعذب جلد نفسه على مسمع ومرأى من القارئ. فالقصة تنطوي على لفظ وإقصاء.

وأرى أنه كتب عن نفس الحكاية أيضا بشكل غير مباشر في (أخبار آخر العشاق) التي تبدأ بمشهد صيد في البادية وتنتهي بمشهد سقوط الثلج في المنفى.

وهذا المعراج من الحرارة الملتهبة والحركة إلى البرد القارس والسبات يرمز بقناعتي للخصاء المادي وليس النفسي فقط.

فهو تجريد وسلب مادي. به يفقد الراوي انتصابه وينتقل من الهجوم إلى تبكيت الضمير والبكاء على الأطلال.

عموما إن منطق القوة في هذه القصة وفي الروايات المذكورة ينم عن ميول للمؤنث. بجسمها الحديدي المشرق في عتمات الغربة والحرمان. ولذلك هي قوة ناعمة، ما لا تحصل عليه في ساحة النزال تبتزه في غرفة النوم.

ناهيك عن عذاب الصد والجفاء والممانعة وفرض نطاق أو حزام عزل وانتظار.

و هذا يجعل امبراطوريات شرق أوروبا محصنة بنطاقين: زمان وحدود. أو بديالكتيك حضارة تاريخية. وهنا كل لعبة برهان الخطيب.

إن اعتماده على مفهوم خطاب القوة الناعمة يسمح له بالاتكال على العقل الكلاسيكي وعلى أدوات المحاكاة. أو رسم الواقع بشكله المحايد. من دون إخلال بشروط المحاكاة نفسها. يعني من غير محاكاة الحداثة بأدوات حداثية.

فالخطيب لا يكتب عن الماضي المتجلد والآفل، ولكنه يكثر من الاهتمام بالمستجدات. وأكاد أعتقد أنه منذ البداية كان كونفدراليا في مضامينه. يضع في العمل الواحد عدة أرسفة تتبادل المطلات فيما بينها. الرصيف الذي يستضيف قطار الواقع المبكي تخيم عليه مظلة من الأحلام والأمنيات والعكس بالعكس.

لذلك تكلم عن البيروسترويكا قبل اندلاعها بشكل واضح.

وهكذا حافظ على لغة الواقع كما هو لأن مبدأ القوة النيتشوي يوظف العاطفة الشخصية وكأنها عقل آخر. فنحن لا نمتلك زمامه بوعينا. ولكنه يمتلك زمامنا في لاشعوره.

 

صالح الرزوق

...............

*القصة منشورة في جريدة العالم، الصفحة الثقافية، في عددين متتاليين

آب ٢٠١٥

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3285 المصادف: 2015-09-03 23:40:35