المثقف - قراءات نقدية

شعرية الفكرة الصافية في قصيدة (كاف السؤال)

ahmad alshekhawiكعادته يأبى الحروفي المتألق أديب كمال الدين لكائناته الورقية إلا أن تتفشى وتسبح في ملكوت البينية المطلقة التي تؤطرها المشيئة الإلهية المعجزة ذات الصلة بحرفي الكاف والنون.

يتم ذلك عبر احتكاك مباشر مع المفردة البسيطة جدا والطيعة المسخرة ابتداء لتخدم ــ عن وعي ـــ سرمدية الدورة الكلامية (الإحساس فالانفعال الهادئ فالفكرة الصافية) وهكذا...

وكأننا بصدد تجربة تختزل الهمّ الإنساني في واحديتها، وترصّع المعاناة حدّ تضميد الألم وبلوغ ذروة الانتشاء الوجداني .

وكأننا داخل حدود ممارسة إبداعية على تماس بليغ يتيح تناسلا دلاليا مراوحا بين الأسئلة الصوفية والوجودية والحياتية.

1.

ما دمت قد أنفقت عمرك

تتأمل في ميم المرآة

فكيف سترى

ميم الذي كان من العرش

قاب قوسين أو أدنى؟

تأمل هذا المقطع الجميل النابض بحكم النهل من الموروث الديني،يقود فهمنا إلى تجليات الوهم المتحكم بكثيرين ممن يألفون زيارة المرايا،دون أن يستقر في وعيهم كون تجوال أجسادهم في تلكم المرايا يحدث بالموازاة مع أرواح وإن أعطت انطباع همودها تظل عاشقة للسباحة والحركية والشرود هي الأخرى .

والنتيجة هي أن ضلال الأرواح لصق ضلال الأجساد.

2.

مادمت قد أنفقت عمرك

وأنت تضع قدميك الحافيتين

في راء الفرات

ليل نهار،

فكيف ستركب غيمة

تحلق بك بعيدا بعيدا؟

لأن الأعمار أمانة ثقيلة جدا، وجب علينا عدم إنفاقها فيما يتعارض والسنن الكونية،ويحرمنا لذة الإحساس حتى... بغيبة الأنهار الأخرى ، ولا يزرع فينا ــ عميقا ــ كبرياء الانتماء إلى شجرة الإنسانية انتهاء.

3.

ما دمت قد ضعت كثيرا

في سين الشوق

فكيف ستأمن

ألا تحاصر نقاط الشين

قصيدتك وهي ترقص حد الجنون؟

هي عملية أنسنة الحرف والارتقاء به إلى معجم بشرية نتعلم منها كيف أن الشوق متى استبد بنا واستعبدنا ، ضيع القصيدة وحاصرها وشوه رقصتها المثالية.

هو كذلك عشق الجسد الفاني لما يكشف عن أنيابه ويتباهى بمخالبه. لا مجد إذن إلا للروح فهي الأقدر على صنع المعجزات.

والقصيدة الكاملة لا تؤمن بالقيود على الإطلاق.

4.

ما دمت قد بكيت طويلا

على حاء الحرمان

فكيف سترسم للمبتهجين

لوحة حاء الحرية راقصة

حد اللعنة؟

شعرية باذخة متنوعة الإيقاع تدغدغنا بفلسفة أن المساطر النقدية لا يمكن أن تتسم بالكمال،وأنها قد تقصر أو تطول، تنكمش أو تتمدد حسب الحاجة إلى ذلك.

كمعادل موضوعي للحرمان ،نجد تعويضات وهبات ربانية أخرى دفينة فينا وطاقات لرسم لحظات البهجة بكل حرية متجاوبة مع رغبتنا في البكاء أحيانا كمعطى بديهي يجدر ألا يتحول إلى حالة مرضية.

5.

ما دمت قضيت العمر كله

تتحسر على أوليفيا الغريقة

كوردة حب كبيرة

فكيف طردت هاملت

حين جاءك مذهولا باكية

وتركته يذرع الشوارع

والمنافي والبحار

تائها إلى الآبدين؟

عبر هذه المفارقة العجيبة تنرسم إشكالية وجودية/الغرق،إستنادا إلى الرمز الإنساني،بغية تمكين الذات الشاعرة من بلورة منظومة إسقاطات على الراهن، مستمدة من هذا الموروث،للتعبير عن علاقة متوترة بين المواطن والحاكم الطاغية مولد أسباب هذا الغرق على الصورة التي ينسجها الذهول والبكاء ووحشية الشوارع والمنافي والبحار والتيه الأبدي.

6.

ما دمت قد رسمت لوحة الوجود

بألوان الدم والثلج والسرير،

فكيف ستنجو لوحتك الكبرى

من غلبة الأحمر الناري

والأبيض المتوحش

والرمادي الممسوس؟

تتجسد كونية الرؤيا هنا،في غدو المخاطب القائم على المفارقة والتناقض حدّ استشعار تخوم الشخصية المزدوجة، غدو المخاطب قرينا للجمع بين المثالب والمناقب،السلبي والإيجابي، الصفة وضدها.

ففي الأخير ،وطن الطاغية من وطن الذين تمارس عليهم تجارب استرخاص الأرواح والتغني بطقوس الدم.

7.

ما دمت قد قررت أن تنجو من الفخ

فكيف أخذت معك

حطام ذاكرتك

وأقفالها الصدئة؟

تلكم نجاة مفتعلة،وهي في أقصى تجلياتها حالة ألم نفسي وقلق واضطراب متمخض عن نوبات ضمير يؤنب وذاكرة قوية تحاسب.

فعوالم فخ الراهن مسمومة ورحى الفوضى الدائرة طاحنة لا ترحم أحدا.

8.

ما دمت قد قررت أن تلهو قليلا

منتصف الليل

بأن تكتب الشعر،

فلماذا لم تبدأ اللعبة

بإطلاق النار على رأسك؟

" قد" تفيد التحقيق وما توظيفها ضمن مستهل جل المقاطع الشعرية للنص في كليته، إلا كناية عن واقع طافح بالمعاناة حد الزعم بأن فضح المكنون تنفيسا عن هذه المعاناة وكامل أشكال تفريغها، بات أشبه بلعبة الحل فيها أن يفتتح المشهد الممسرح بلقطة هوليودية محضة متمثلة في سلوك انتحاري مبدئيا عبر توجيه طلقة نارية إلى الرأس فتستريح الذات.

9.

ما دمت قد سجنت روحك

في سجن الأرقام

فأين هي آياتك التسع؟

أن نقبل بسجن الأرقام حدّ الإنهاك الروحي الفظيع،أو ننفتح على المادية بشكل أعمى، لهو عينُ التنصل والتنكر لآيات وملامح هويتنا وخصوصيتنا كعرق له أصله وجذوره و ماضويته في صنع القرار والتأثير والريادة والفعل الحضاري عموما.

10.

ما دمت قد قررت أن تنجو

مما أنت فيه،

فلماذا أطفأت الضوء في مفتتح القصيدة

فبكت الحروف

وملأت النقاط صالة العرض بالصراخ؟

الحياة بشكل عام، مجرد صالة للعرض،فلنحرص ألا تمر أدوارنا في ثوب دمى لا سلطة للروح عليها في توجيه سلوكياتنا وتهذيبها، حد قمع القصيدة والحيلولة دون تحريرها داخل آفاق الانفتاح الرحبة والمواكبة و الممتدة إلى ما شاء الله.

كون لا أخلاقية هذا الصنيع تبكي الحروف وتحرض النقاط على الاحتجاج.

11.

ما دمت قد انقسمت

لسوء الحظ،

إلى حلمين،

فكيف ستمشي

دون أن يتصارح الظلام والنور

في روحك حدّ الهذيان؟

كلها استنطاقات فلسفية عميقة كما أسلفت، وانقسام وانفصام على مشارف الحالة المرضية، يجيز الصراع والتطاحن والتدافع بين المتناقضات ،بغية الانتصاف للخيرية والإيجابية آخر المطا ف.

12.

ما دمت قد بدأت الصلاة،

فكيف السبيل إلى وقف دموع القلب

بعد أن عجزت عن وقف دموع العين؟

رمزيا كما فعليا ، هذه هي حقيقة الصلاة وماهيتها ومغزاها الغائر، أن تستمطر المقل فتنهمر الدموع لغسل الجسد والقلب على حد سواء، لجبّ أدران الخطيئة وانتشالنا من البهيمية الميالة إلى الرذيلة وحمامات الدم وسطوة الفتك، وترتقي بنا إلى رتب الإنسانية السامقة المنذورة للتعمير والبناء بدل الهدم.

13.

ما دمت قد ولدت في ساعة نحس،

فلماذا تتحدث عن الأفلاك والطوالع

لمن لا يعرف الأفلاك إلا عبر الثقوب

ولمن لا يعرف الطوالع

إلا عبر رنين الذهب؟

من ضمن الأسلحة الأشد فتكا المفترض انحدار أصحابها من رحم النحس المقيم ،التجويع والتفقير والزج بالأصوات الحرة المعارضة في السجون ظلما وعدوانا ، لا لشيء إلا لتعارض مصالح هؤلاء الطغاة مع تطلعات رعاياهم.

14.

ما دمت تبحث عن مأوى،

فكيف تركت كأس الخمر

تقودك إلى الجحيم؟

هنا تكمن الكارثة . الطاغية الناجي من كأس الخمر ، قد ينقاد بغمزة شقراء أجنبية متبرجة في محفل رسمي للمساومة في مصير شعب برمته ، ينقاد إلى ملاقاة الحتف والخلود في جحيم العار والذل والمهانة.

15.

ما دمت لا تعرف

ما الذي تفعله هذه اللحظة،

فلماذا لا تجرب إطلاق النار

على المراة العارية

في المرآة العارية؟

لحظة الطغاة فارغة وعارية إلا من أساليب التعسف والقمع والنفي والصلب والإعدام،لكنهم يترعونها بالكثير من التجني على الروح نزولا عند رغبات قميئة وشهوات حيوانية وضيعة حال تنطفئ تسطع الحقيقة هامسة بانتحار رمزي، ترميما لشرخ نفسية منهكة بجر ذيول الخيبة والهزائم.

16.

ما دام القدر قد أحاط بك

من كل جانب،

فكيف غادرتك حيطتك

لتختار حائط الكتابة

بدلا من حائط الصمت؟

رقي تعبيري وأدب خطابي شاهق، يسمو بالطاغية إلى قرين متسبب بما هي الظرفية عليه الآن ، ومنغص على الذات الشاعرة اغترابها ومنفاها، عبر أقنعة واشية بحتمية التعايش ومناشدة الأقدار بعدم تكرار الحالات الفرعونية المتشبعة بشتى آليات التجبر،والوقوف الصارخ بوجه أزمنة استنساخ مثل كهذه نمادج لا الإحتماء بحائط الكتاب يجدي معها هي، ولا الصمت بدروه.

17.

ما دمت تسير في الدنيا بلا بوصلة،

فلماذا لا تجرب

أن تكون بحارا في بحر النقطة

حد أن تطفو جثتك

فتريح وتستريح؟

كذلك هي الكتابة،حتى في ظل التيه والتخبط الحياتي المحروم من نعمة اسمها بوصلة ذاتية. الكتابة تجارب لمداواة النفس الجريحة ،وتمكينها من القفز فوق المعاناة بسلام . الكتابة خيار ورحلة طويلة ممتدة وحده الموت يضع لها نهاية وخاتمة.

18.

ما دمت،وسط الزلزلة الكبرى،

قد نسي اسمك إلى الأبد،

فعلام تحاول أن تتذكر

حيث لا تنفع الذكرى؟

هي زلزلة وقيامة باعثة على نسيان الإسم والهوية، لذا ،من العبث محاولة إعادة تشغيل ذاكرة مثقوبة معطلة.

في مقابلة من شاعرنا لعالمين متضاربين، لاجدوى أبدا من الندم لحظة الإصطدام بحصاد جادت به أناملنا ، أين كانت عقولنا حين غيبنا الفطرة السليمة وشوهنا النواميس الكونية وألهنا الجسد والآلة لنصنع راهنا يصفعنا ليل نهار بدمويته وهمجيته وأنانيته ونزواته.

هي ضريبة ندفعها لتعامينا عما يمكن أن نقطفه من تمجيد وتقديس الروح، أي نعم.

19.

ما دمت قد مت منذ زمن طويل

واسترحت في موتك الأسطوري،

فلماذا تحاول أن تخرج أصابعك

من القبر

كلما مطرت السماء؟

أيما حياة متأسسة على إيديولوجيات الإحتفاء بالجسد حد تجميد الوظائف الروحية الحيوية، وتغذية هذا الجسد من كلأ أوبئة قرن وألفية تنطبق عليها ما ذكر من مواصفات مؤججة للنزعة الشهوانية الحيوانية،ما هي في حقيقة الأمر إلا أقنعة مراوغة كاذبة على الذات،وحالات موت إكلينيكي مازج بين الذبحتين القلبية والدماغية.

وعلى استعداد تام لإعادة الكرة بالإنتساب إلى المادية الصرفة،عبر تحين أطرف الفرص السانحة، كالتي تحيل عليها الأسطر الختامية للقصيدة، أمطار تجعل القبر هشا بما يكفي لإخراج الأصبع منه.

هذا بكل تأكيد إذا استثنينا إيماءات الأنامل ودلالاتها المقرة بالكتابة كرسالة إنسانية سامية تسمو بالروح إلى منزلة الخلود، وبصناعة الأمجاد عموما.

 

أحمد الشيخاوي

شاعر وناقد مغربي

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3289 المصادف: 2015-09-07 23:53:09