المثقف - قراءات نقدية

المكان مناسبة زمانية .. وجه "داعش" يمسخ التاريخ

كتبت الشاعرة السورية سوزان إبراهيم، قصيدتها "لتدمر نذرت الكلام" العام 2013، عن "تدمر" أبرز المواقع الأثرية في الشام، وأعادت نشرها هذا العام 2015، على صفحتها في "الفيسبوك" متأثرة بما آل إليه حال الموقع، الذي مسخ تاريخه، بحلول "داعش" خرابا في المكان.

الرؤيا الأولى تماهت فيها الشاعرة إبراهيم، مع المكان: "لسفيرة البوح المقدس نذرت نارا.. خارج الزمن الكثيف.. أوقدها وحشية اللظى".

والنار وسيلة تطهر، تنفتح على ختام مشرق بالتفاؤل: "قومي إفتحي للصوت نافذة.. فأجمل اليوم فجر وأجمل التاريخ كان غدا".

وتلك بديهة؛ إذ ان الراهن سيستحيل تاريخا بحلول الغد؛ ما يعني أننا قدرون على التحكم به، طالما زمام المقبل، بيد الحاضر.

بلغت سوزان هذا التصور، بعد خوضها بحرا من المعالجات الجمالية، لمرأى "تدمر" وهي تأتي "... في كل وقت" والشاعرة تذهب اليها: "آتيك ملء كفي ما انقذت من حلم.. من سوسن الشعر المضمخ بإغترابي.. مبللة بندى السؤال.. إليك أمضي.. فأدنو إلي".

وهذا إنموذج من تماهٍ يتصوف بمعطيات المكان، على طريقة أبو منصور الحلاج، في علاقته مع الرب!

(2)

شكلت آثار "تدمر" محفزا جماليا، أدى الى إنثيال القصيدة، متجلية من أبيات منهمرة: "أمَة الخوف أنا" و"يا أم النساء" وتلك غمزة شعرية، تلمح... بل تصرح بقوة العمق الإسطوري، لشخصية زنوبيا ملكة تدمر، لملمته الشاعرة سوزان، في جملة مكثفة الايحاء، تختزل مجلدات في فلسفة التاريخ، تشاكس بها ذكورية السلطة؛ ما أباح لها الرجال مكشوفي الجانب، تحاسبهم إنجيليا: "من كان منهم بلا خوف، فليرجم بسجيل الكلام".

ما زلنا في القول المحكي، عائدة بنا الى المرأة: "لسفيرة البوح المقدس نذرت نارا" مواصلة: "نذرت أمشي اليها حاسرة القلب" في واحدة من إنثيالات المفارقة القائمة على المشي

بقلب مكشوف، وليس قدمين حاسرتين، إنتقالا الى غضاضة الحلم المتمثل بأطراف الطفل: "بالنزع الاخير من الرؤى.. على اربع الحلم الرضيع أحبو" متواصلة الى إختزال التاريخ بالقول: "وسوى الولاة خلف ظهرك ولاة" تناغما مرخما يحاكي فكرة الحث على الحرب: "سوى الروم خلف ظهرك روم؛ فقسوة الحرب عرض مؤد الى جوهر السياسات الهوجاء.. التوسعية، ماضيا وحاضرا.

قرنت المحظورات الشرقية، التي تقيد الانوثة بإغلال من محرمات مفترضة، قسرا متخلفا يشف طوية همجية، جعل غلاقة المرأة بالمجتمع، تضادا يقتتل خلاله عدوان، هما تناظر "حرية المرأة" ضد "إنفلان المجتمع" معبرة عنها بالقول: "عورة قصائدك..: وستجلدين جزاء ما إقترف الكلام" وتلك هي العقوبة المتبعة في الشرق، للمرأة؛ إذا سفحت حرمات المجتمع ولم تقمع ذاتها، دون التمتع بحقها الانساني الذي فطرها الرب عليه".

الشرق بنى قاموس مفاهيمه السلوكية، على ان "مازوشية" تعذيب الانثى لذاتها، شرف، وممارسة الحرمان من حقها الانساني، المشرعن فطريا من الله، عفة.

بينما قتل الابرياء، لا يخترق الشرف!؟ وسحق الجمال، لا يعني للولاة شيئا ما دامت العذارى تتلظى قمعل لإنوثتها، في "الحرملك.. تحت رقابة عبيد السلطان" جواري لشيطان مستتر... "بإسمك أفتح أبوابا غلّقت على جوارٍ وصعاليك"ز

الكلام بالنسبة لشاعرة، هو ولادة مسيح جديد: "هزي إليك بجذع الأبجدية.. تسّاقط فجرا نديا" بكل ما للفجر من إيحاءات الولادة.. قوية: "لا يضرن الشمس ان في عمق الماء إنكسر الشعاع".

صريح نداء الثورة الانثوية على التابو مشفوعا بقوة زنوبيا، التي قهرت الجيوش، مندغمة بجسد "تدمر" من دون ان يرد ذكر مباشر لزنوبيا.. ولو أن القصيدة حملت إسمها ما كان ذلك مستهجنا، فذكرها يمكن إستجماعه من معنى القصيدة وليس شكلها.. إنها ضمير شعري مستتر في مخيلة النص ترادفا مع خيال الشاعرة، التي تتلقى خطابا من سادنة معبد "التدمريات" يفيد: "قومي إفتحي للصوت نافذة.. فأجمل اليوم فجر.. وأجمل التاريخ غدا".

 

*قاص وصحفي عراقي

...........................

 

لتدمرَ نذرتُ الكلام

تأتينَ في كلِّ وقتٍ

وآتيكِ ملءَ كفيَّ ما أنقذتُ من حلمٍ

من سوسنِ الشعرِ المضمّخِ باغترابي

مبللةً بندى السؤالِ إليكِ أمضي.. فأدنو إليَّ

أتخففُ من بردةِ وجعٍ مكتومٍ أنا المنفيةُ داخلي

من ثلوجٍ بلا فمٍ نُحِتُّ

أمَةُ الخوفِ أنا

فهل تسألينَ بعدُ عن المصلوبِ فوقَ أسوارِ الغياب!

يا أمَّ النساءِ

أنا للخوفِ ما أعطيتُ عنواني ولا رقم الشريانِ الصاعدِ إلى شرفةِ العينِ

فلِمَ تعيبينَ عليَّ صمتي

من كانَ منهم بلا خوفٍ فليرجمْ بسجّيلِ الكلام!

لسفيرةِ البوحِ المقدسِ نذرتُ ناراً

خارجَ الزمنِ الكثيفِ أُوقدها وحشيةَ اللّظى

نذرتُ أمشي إليها حاسرةَ القلبِ

أدسُّ في خوافي يديها بضعَ قصائدَ لامرأةٍ أدّعيها

نذرتُ ألملمُ في حضرتها ياسمينَ الروحِ المبعثرَ

تحتَ ركضِ اللاهثينَ حتى نقطةِ القتلِ.

من سرّةِ الزمنِ المُحاصَرِ بالنّفيِّ.. خارجَ السربِ

على رؤوسِ أصابعي إليكِ أتيتُ

فمي حزامٌ من كلماتٍ موقوتةٍ

يا أمَّ الشروقِ عندَ اختمارِ الخوفِ بصديدِ الكبحِ يتّسعُ الحزنُ

بالنزعِ الأخيرِ من الرؤى على أربعِ الحلمِ الرضيعِ أحبو

"وسوى الولاةِ خلف ظهري ولاةٌ"

ذئابُ قصيدتي تعوي.. لم يبقَ في السقوطِ متّسعٌ

ما عادَ يُجدي تصوُّفُ الصمتِ

إماءُ الأرائكِ قُلنَ: اذهبي أنتِ وصوتُكِ فقاتلا

عورةٌ قصائدكِ وستُجلدينَ جزاءَ ما اقترفَ الكلامُ.

أتدمرُ.. ما كانَ صمتُكِ جُبناً

يقيناً على امتدادِ الشرقِ تترامينَ وطناً

باسمكِ أفتحُ أبواباً غُلِّقَتْ على جوارٍ وصعاليكَ

وعروشٍ زجاجيةٍ يُرهِبُها الصوتُ حين يغدو حجراً

فمُدّي يديكِ في خلجانِ ذاكرتي

أضرمي الحرائقَ في الزوايا.. زيديني اشتعالاً

ومثلَ خريفٍ ماجنٍ أهوجِ الريحِ

أسرفي في تعريةِ الكونِ والأشياءِ.

يُقبِّلُني صوتُها.. وما أبدعتِ الأقوامُ من ألقٍ:

عبثاً يا امرأةٍ من صمتٍ تدورينَ حول الكلامِ

أَمِثلُكِ تخشاهُ الحروفُ؟!

هزّي إليكِ بجذعِ الأبجديةِ تسّاقط فجراً ندياً

لا يضرنَّ الشمسَ أن في عمقِ الماءِ انكسرَ الشعاعُ

"في البدءِ كانَ الكلمُ" كأمرِ اللهِ في الشيءِ تجلّى

يقولُ لهُ: كنْ... فيكونُ.

قُومِي افتحي للصوتِ نافذةً فأجملُ اليومِ فجرٌ

"وأجملُ التاريخِ كانَ غداً".ِ

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3311 المصادف: 2015-09-29 00:38:40