المثقف - قراءات نقدية

قراءة نقدية في رواية الماء المتصحر لحازم كمال الدين

صدر عن دار فضاءات في عمان في 2015 رواية الكاتب والمسرحي والروائي حازم كمال الدين بعنوان (مياه متصحرة) والرواية تقع بحوالي 200 صفحة من القطع المتوسط

أن الدخول الى فضاء السرد الروائي لحازم كمال الدين يمثل اشكالية (في نظري ) لأي ناقد بسبب تكثيفه اللغة الى الحد الذي تصبح معه عملية السرد مقطوعات شعرية بالغة الرهافة والدقة من جهة ومستفزة في بعض جملها التي تحمل روح جيمس جويس،كما في الصفحة 8 مثلا

ولكني سأغامر بدخول هذا العالم المليء بالتناقضات والاشكاليات التي تجعل من النص (حمّال أوجه) يقرأه اثنان فيخلصان الى نتائج مغايرة

- سأتناول الرواية عبر محورين

1 – المواصفات العامة للرواية

2 – تفكيك الرواية نقديا

 

اولا – الملاحظات العامة

1-يمكن القول ان الرواية تمثل فنتازيا تتراوح بين السخرية المرة والكشف القاسي عن مجريات الحياة العراقية اليومية التي بدأت منذ سبعينات القرن الماضي وحتي اليوم بتصعيد مأزوم،وهي تجمع بين أكثر من اسلوب سردي يزدحم به المشهد الثقافي العراقي

2-أنها رواية دائرية،وهذه سمة السرد الروائي لحازم كمال الدين منذ روايته كباريهت، فالصفحة الاولى ومشهد قتل حازم كمال الدين يمكن ان تكون صفحتها الاخيرة وكانها استطراد يأتي مباشرة بعد عملية القتل

3- ان هناك صوتا واحدا في الرواية هو صوت القتيل عدا بعض الاستثنات كما في الصفحة 70 حيث يتدخل راو (عليم )

او تداخل في اصوات السرد، كما في الصفحة 184 حيث يقطع سرد الرواي (العليم ) تدخل القتيل حازم كمال الدين قاطعا الطريق على الراوي الخارجي

4-ان لغة الرواية تتراوح بين الشعر والمسرح والسرد النثري، وبعض الصفحات يمكن ببساطة الحاقها بقافلة قصيدة النثر، كما في مفتتح الرواية في الصفحة 5 حيث يقول:

أمر عصي على التصديق

كالسديم أتكثف في حيز مبهم

أطوّف أ وأطفو في الحيز الغامض

لا سبيل لتحديد طبيعة ما يحدث

وكما في الصفحات،74، 75، 106، 130،140،168، 174 176)

واللغة في الرواية لاتكتفي باعتبارها اداة توصيل وانما تنزع الى المعنى الدلالي الذي يكمن في السياق الذي تدخل به المفردة اللغوية، فالمفردة في السياق لها معنى خاصا غير معناها المعجمي،اذ هي تملك سماتا اخرى ومعان دلالية

5- يوظف حازم كمال الدين الايدلوجيا دون ان تكون الرواية بالضرورة ايدلوجية وفي هذه الرواية يقدم نفسه فوق الطوائف ويحاول أن يكون مراقبا محايدا !!!

6-يستخدم المؤلف الحكايا الشعبية، كما في الديك المشاغب والطنطل،كما يوظف الميثالوجية السومرية واليونانية وكذلك بعض الجوانب التاريخية، من التاريخ الاسلامي على وجه الخصوص

7-وضع المؤلف أحد عشر مرة   عناوين فرعية وكما يلي:

*النفق الحلزوني 12 مرة (الصفحات،22،32،49،54،74،82،89،98،115،140،159،166)

*استخدم عنوان تجاويف النفق الحلزوني 13 مرة

*في احد تجاويف النفق الحلزوني مرتين

* الصديق الابدي مرة واحدة،النفق باعتباره تجويفا مرة واحدة،في الحلزون مرة واحدة،التخوم مرة واحدة،القرين صديق الطفولة مرة واحدة،تجويف امام باب المقهى مرة واحدة وفي عراء الغابة مرة واحدة

إن التكرار هنا عملية مقصودة تشير الى الواقع العراقي الملتبس والمعقد،وقد يمتد التكرار الدلالي هنا الى الحلزون هو الحيوان الخائف والمختبئ يترقب بحذر شديد خوفا من القتل ...هنا هو العراقي الذي تتلقفه قوى الظلام والتدمير عند نقاط التفتيش او على الشوارع حين يوقفه حاجز (طيار)، وليس الى النفق بحد ذاته والذي يأخذ شكلا حلزونيا يشير الى المتاهة،ورأيي هنا مبني على ماجاء في نهاية الرواية حيث يخرج القتيل (حازم كمال الدين) الى لا شيء!!

8-ان احداث الرواية غير منتظمه بسياق زمني يمكن ان يخلق حدثا دراميا ينمو على نحو عقلاني بل هي تتراكم بتوال،خالقة صورها بمساحات ضيقة لا يفصل بينها إلا انتقال الكاتب الى فصل جديد، ولكن هذه ا لصور عبارة عن تنويعات لمشهد متكرر

 

ثانيا :تفكيك الرواية نقديا

هذا المحور عبارة عن قراءة خاصة تولدت لدي وانا اجوس في تفاصيل الاحداث ولهذا فهي ليست بالضرورة الصوره الوحيدة للرواية ذلك لأن كل متلق له رؤيته الخاصة

لنبدأ بالعنوان

الماء المتصحر ...بمعنى ان هناك ماء قد تصحر، هذا في المعنى المباشر واللفظي أما سيمائيا فإن العنوان يتكون من إشارتين دالتين، وفاعلتين بحيث لا نجد ما يمكن أن نسميه بالزيادة بالمصطلح النحوي، والتي يمكن أن نستغني عنها دلاليا مما يصعّب مهمة القاري، ويدفعه إلى إعادة ترتيب عناصر العنوان لتفادي بقاء الجملة ناقصة، فنضيف اليه (الذي)، لتكون (الماء الذي تصحر ) وهذا على مستوى البنية النحوية لايغير الجملة

والمفارقة في العنوان انه يضع القارئ امام سيمائية الجملة وليس امام الماء الذي نعرف جميعا انه سائل يحمل سر الحياة، (وجعلنا من الماء كل شيء حيا)، ويقول باشيلار في كتابه الماء والحلم ص 19 (الخيال المادي للماء،انما هو نموذج خاص للخيال) ... المفارقة اننا نجد ان الماء الذي يرمز للحياة يتحول الى صحراء وهي رمز للجدب والعزلة، والتصحر يسلب الماء مواصفاته في الحركة والحياة ويحيله الى ارض يباب،

ان الرواية تتحدث بلغة صريحة عن الموت واشكال التعذيب التي يتعرض لها الانسان العراقي بشكل صريح وواضح، ويصاحبنا الموت والالم والمعانات ونحن ندخل في تفاصيل عملية السرد الروائي التي لا تتوقف عند زمان او مكان معينين ويمكن القول ان الزمان والمكان هنا وهم لا يمكن ان تتحدد ابعادهما بسنين معينة او بحدود جغرافية واضحة وهما الحياة العراقية من اقاصي الجنوب الى اقاصي الشمال

منذ البدء يعترف حازم كمال الدين انه قد قتل ! ولكنه مصر ان يعود ينا الى الماضي الذي عاشه ليكشف لنا اشكاليات رتبها بعناية ليقودنا الى الهدف الذي يبتغيه وهو ان العراق الموزع الطوائف والاثنيات موزع في تداخل انسابه ويعيش الماضي والحاضر والمستقبل في وحدة زمنية متماثلة في حيثياتها ومواصفاته لم تتغير

حازم كمال الدين القتيل لا يستطيع الخلاص من التنازع الطائفي على جثمانه بين امه التكريتية وابيه النجفي،هذا رغم كونهما من التيار العلماني والام اقرب الى الحزب الشيوعي

ماذا يريد حازم كمال الدين ان يقول في السرد الروائي لا فيما عرضه باللغة الانكليزية مرفقا بالرواية ، وهو يحمّل العلمانيين مسؤلية هذا العبث الدموي الذي تمارسه شرائح المجتمع العراقي؟

الماء يتصحر بمعنى ان الخراب يمتد الى الحياة ....الى العراق حيث يمتد الى كل زاوية وركن ويقف الطنطل ليس حارسا ولكن قاتلا في نقاط التفتيش ....مورّثا الجنون الذي عرضه بمتابعة الديك الذي ابتلع قطعة من حبة تمر وتصوير عملية فصل رأسة بقسوة تتماثل مع ما يجري في الحياة العراقية

ولكن ما هي نهاية النفق الحلزوني التي تعرضها عملية السرد، لنستعير من عبد السلام المساري (عبر صور تقوم على رص المعطيات المتناقضة في تركيبة، واحدة فتذوب خلالها حدة المفارقة لان هذه المعطيات المتناقضة عندما تدخل إلى حيز المتخيل، تجد المناخ الفني الذي يجعلها تأنس إلى بعضها وتعمل على تشكيل صورة مرئية على أنقاض المعاني الممعنة في التجريد) "النيات الدلالية في شعر امل دنقل الصادر عن اتحاد الادباء العرب عام 1994 ص 114

ان التشكيل الدلالي عند حازم كمال الدين أعطى بعدا معمقا في رسم أبعاد الصورة التي أصبحت مترابطة تركيبا ودلالة، ولكن نهاية النفق في نهاية الرواية لا تقدم فسحة مضاءة يمكن ان تشكل نهاية لكل تلك العذابات، فهو يذهب الى لا شيء

لارحلة عودة او ذهاب

أنني في عدم عديم اللون والمكان والطعم والزمان

لا لون اسود ولا أبيض ولا ما بينهما ولا تنويع عليهما

لا أرى سوى ذاكرة اشلائي المبعثرة بعد القصف الامريكي على السوق

او بعد تقطيعها في قلعة السؤدد وهي تذوب رويدا رويدا فلا يبقى سوى

وجه العدم : وجه اللاشيء

هذا الذي تسميه وجه اللاشيء هو الجنة

يتناهى إلي صدى صوت صاحبة المقهى مرحبا متمنيا لي اقامة خالدة في ذلك اللاشيء ....ص196

نهاية النفق ستكون لا شيء وليس هناك من قوة كما يرى المؤلف قادرة على اعطاء العراق مستقبلا من (شيء)

ونلحط في القطعة السابقة ان صوتا من خارج الرواية يقول له (هذا الذي تسميه اللاشيء هو الجنة)

فاللا شيء هو السلام وتوقف عمليات القتل والمطاردة، وليس عودة الحضارة والبناء والمشاركة في حركة التاريخ الانساني هي التي في نهاية النفق الحلزوني للعراق القادم من مسارات التيه

وأخرا فان الرواية تحمل ملامح انسانية مشتركة لشعوب الربيع العربي، ورغم قسوتها الا أنها صادقة على نحو تعرفه شعوب هذا الربيع المتفجر بالعواصف

 

ذياب فهد الطائي

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3316 المصادف: 2015-10-04 12:19:29