المثقف - قراءات نقدية

أنواع المقاربات البوليفونية في تحليل الملفوظات والنصوص والخطابات

jamil hamdaouiالمقدمـــة: لم يعد الملفوظ اللغوي (Enoncé) أو النص (Texte) أو الخطاب (Discours) بنية لسانية أحادية النسيج أو أحادية الصوت واللغة والأسلوب والرؤية، بل أصبح متعدد الأنسجة والخلايا والمكونات والسمات والتراكيب، تنصهر فيه أصوات حوارية عدة، وتختلط فيه ذوات متلفظة ومستقبلة مختلفة، ضمن سياق تواصلي وتداولي وحجاجي معين. ومن ثم، انصب الحديث النقدي عن البوليفونية (Polyphonie) تارة، والحوارية (Dialogisme) تارة أخرى. وقد ترتب عن هذين المفهومين اللذين بلورهما ميخائيل باختين (M. Bakhtine)، في مجموعة من كتاباته النظرية والتطبيقية[1]، أن أصبح النص الأدبي نصا حواريا بوليفونيا مهجنا، تتعدد فيه اللغات والأساليب والأصوات والرؤى الإيديولوجية والملفوظات اللسانية التي تعكس تنوعا واقعيا واجتماعيا وطبقيا.

هذا، ويستلزم النص الحواري المتعدد مقاربة بوليفونية أدبية أو لسانية أو تأويلية، تراعي هذا التنوع الدلالي والخطابي والمقاصدي.لذا،فهناك مقاربات بوليفونية متعددة في دراسة النصوص والملفوظات والخطابات المختلفة. إذ أصبح الحديث- اليوم- عن بوليفونية حجاجية فلسفية وتداولية كما عند فرنسيس جاك(Jacques Francis)؛ وبوليفونية أدبية كما عند ميخائيل باختين(Bakhtine)، وتودوروف (Todorov)، وجوليا كريستيفا (Julia Kristeva )؛ و بوليفونية لسانية ولغوية وتلفظية كما عند أزوالد دوكرو (O. Ducrot)، وأنسكومبر (Anscombre)، وسكابولين(Scapoline)[2]...؛ وبوليفونية تأويلية هيرمينوطيقية (L'herméneutique) كما عند بول ريكور (Paul Ricœur)...

ومن جهة أخرى، تنقسم الحوارية إلى حوارية صريحة، وحوارية مضمرة، وحوارية متعددة الأصوات.

وعليه، فالمقاربة البوليفونية عبارة عن منهجية إجرائية في التحليل والفهم والتطبيق والتفسير والنقد والتقويم، أو هي مجمل التأويلات البوليفونية للملفوظات والنصوص والخطابات التي تتضمن حوارية صريحة أو مضمرة، أو تحوي تعددية في الأصوات ووجهات النظر والضمائر والفضاءات والأطروحات الفكرية والإيديولوجية...

 

المبحث الأول: مفهــــوم البوليفونيــــة

يقصد بالبوليفونية (Polyphonie/poliphony) - لغة- تعدد الأصوات. وقد أخذ هذا المصطلح من عالم الموسيقا، على أساس أن البوليفونية عبارة عن انسجام أو اتساق بين مجموعة من أصوات العزف المختلفة، وتآلفها فنيا وجماليا ضمن وحدة نغمية هارمونية نسقية. وبعد ذلك، انتقل المصطلح من مجال الموسيقا إلىميدان الأدب والنقد واللسانيات.

هذا، وتعد البوليفونية (Polyphonie)، إلى جانب الحوارية (Dialogisme)، من أهم المفاهيم التي ناقشها ميخائيل باختين منذ 1930م، ضمن التصور اللساني الاجتماعي أو اللسانيات التداولية، أو ضمن أسلوبية الرواية. لذا، انصب اهتمام باختين، بالخصوص، في تصوره النظري، على التفاعل اللفظي أو التداول الكلامي داخل النص الأدبي، ولاسيما النص الروائي منه. ويعني هذا أن باختين أبدى عناية كبرى بالواقعية اللغوية، ضمن مستوياتها الشكلية واللغوية والتلفظية، بالتوقف عند الحوار والمحادثة والتفاعل اللفظي والتواصل الكلامي على حد سواء...

وما يلاحظ على باختين أنه استعمل هذين المفهومين بالمعنى نفسه، ولم يميزهما بشكل دقيق؛ مما جعل الباحثين بعده يستعملون المصطلحين معا في كتاباتهم بالدلالات الباختينية نفسها. لذا، فضل البعض البوليفونية، واختار البعض الآخر الحوارية... بيد أن هناك من يميز بينهما، كما هو شأن مدرسة جنيف (Ecole de Genève) التي استعملت الديالوجية (الحوارية ) في مقابل المونولوجية، واستخدمت البوليفونية (تعدد الأصوات) في مقابل المونوفونية (الصوت الواحد).

ويرى شاناي(H.de Chanay) أن البوليفونية تعني تعدد وجهات النظر على مستوى وحدات المضمون. في حين، تعني الحوارية تعدد الخطابات التخييلية أو غير التخييلية على مستوى الشكل[3].

أما فرانسواز أرمينكو، فتعرف الحوارية بأنها «مكون لكل كلام، وتعرف كتوزيع لكل خطاب إلى لحظتين تلفظيتين توجدان في علاقة حالية، ويقدم المبدأ الحواري من خلال الحدود التالية: كل تلفظ يوضع في مجتمع معين لابد من أن ينتج بطريقة ثنائية، تتوزع بين المتلفظين الذين يتمرسون على ثنائية الإصاتة وثنائية العرض، على حد تعبير فرانسيس جاك، وإن كل كلام له مالكان تقريبيان، وربما كان من المضبوط القول بأن سيدة الكلام الحواري هي العلاقة التخاطبية ذاتها.»[4]

وعلى الرغم من هذه الاختلافات الدقيقة، فكل مصطلح يكمل الآخر، وليس بينهما تعارض أو تناقض حاد، بل كل واحد يخدم الآخر، ويعضده نظرية وتطبيقا ورؤية.

وعلى العموم، يستلزم التلفظ البوليفوني متكلمين متحدثين ومستمعين مستقبلين، ومقصدية، وزمانا، ومكانا، وسياقا. ويعني هذا أن ثمة حضورا وجوديا وتلفظيا للذات المتكلمة والذات الأخرى، مادام هناك حوار وجواب وسؤال...ومن ثم، فالتلفظ عملية تفاعلية بين المتكلم والسامع، تتحقق بطريقة صريحة أو ضمنية من جهة، أو بطريقة حرفية أو حوارية من جهة أخرى.

ولايمكن الحديث عن بوليفونية حقيقية إلا بوجود مجتمع المتحاورين والمتناظرين الذين يدخلون في علاقات حوارية وتخاطبية. وتقوم البوليفونية الحوارية على عرض الملفوظات المتبادلة، بربط الحوارات الحالية مع الحوارات السابقة تارة، و الحوارات اللاحقة تارة أخرى.

وعليه، سنتوقف، في موضوعنا هذا، عند ثلاث بوليفونيات في مقاربة الملفوظات والنصوص والخطابات هي: البوليفونية الأدبية، والبوليفونية اللسانية، والبوليفونية التأويلية، مع استبعاد البوليفونية الفلسفية التي لاتهمنا في هذا المقام بالذات، على الرغم من أهميتها الإجرائية في الحقل الفلسفي والتأملي والحواري.

 

المبحث الثاني: البــــوليفونيـــة الأدبيـــة

يقصد بالبوليفونية الأدبية وجود تعددية في النصوص الأدبية، ولاسيما الروائية منها، مثل: تعددية في الأساليب، وتعددية في اللغات، وتعددية في الأصوات والشخصيات، وتعددية في الرؤى والمنظورات السردية، وتعددية في الضمائر، وتعددية في الرؤى الإيديولوجية...

وتقترن البوليفونية (Polyphonie)، على الصعيد الأدبي، بميخائيل باختين (Bakhtine) وشارل بالي(Charles Bally). ومن ثم، فقد تحدث باختين عن البوليفونية في مجال الرواية، عندما درس رواية دوستويفسكي (Dostoïevski)[5] ونصوص رابلي (Rabelais)[6]...

ويرى باختين أن البوليفونية هي تلك الحوارية الصريحة أو المضمرة التي تتجلى بوضوح في المجال الأدبي، وخاصة في النصوص السردية والروائية.ومن ثم، تنبني الرواية على الحوارية، والتناص، والتهجين، والتنضيد، والأسلبة، والتعددية على مستوى الأحداث، والمواقف، والشخصيات، والفضاءات، والأزمنة، والسراد، والفضاءات، واللغات، والأساليب، والتصورات الإيديولوجية. وبالتالي، فالرواية البوليفونية هي رواية حوارية مهجنة بامتياز. وفي هذا، يقول باختين:" إن الرواية المتعددة الأصوات ذات طابع حواري على نطاق واسع. وبين جميع عناصر البنية الروائية، توجد دائما علاقات حوارية.أي: إن هذه العناصر جرى وضع بعضها في مواجهة البعض الآخر، مثلما يحدث عند المزج بين مختلف الألحان في عمل موسيقي.حقا إن العلاقات الحوارية هي ظاهرة أكثر انتشارا بكثير من العلاقات بين الردود الخاصة بالحوار الذي يجري التعبير عنه خلال التكوين، إنها ظاهرة شاملة تقريبا، تتخلل كل الحديث البشري وكل علاقات وظواهر الحياة الإنسانية، تتخلل تقريبا كل ماله فكرة ومعنى."[7]

ومن جهة أخرى، ترسم الرواية البوليفونية صورة الإنسان المأساوي أو الفجائعي، وتجسد الشخصية غير المنجزة أو غير المكتملة، وتعبر عن تنوع الحياة . وبالتالي، فهي" ضد تشييء الإنسان، ضد تشييء العلاقات الإنسانية وكل القيم الإنسانية في ظل النظام الرأسمالي"[8].

هذا، وتتقابل الرواية البوليفونية مع الرواية المونولوجية القائمة على الصوت الواحد، وسيطرة السارد، وتمثل الرؤية المطلقة، واستعمال ضمير الغائب، والشخصية الواحدة، والدفاع عن إيديولوجيا البطل. في حين، تتميز الرواية البوليفونية بتعدد النصوص داخل النص الواحد، واستثمار حوارية لغوية وأسلوبية ثرية ومتنوعة السجلات، والارتكان إلى تعدد الضمائر واللغات والأساليب والرواة والأفضية والرؤى الإيديولوجية، بتحليل ملفوظات الشخصيات المتحاورة داخل النسيج النصي، أو استجلاء مختلف الأساليب الموظفة في الرواية، بالتوقف عند مستوياتها الحوارية والتلفظية[9].

وإذا كانت الرواية الكلاسيكية رواية منولوجية بامتياز، فإن الرواية المعاصرة بوليفونية البناء والخطاب والمحتوى. ويرى أوسبنسكي (Uspenski) أن الرواية البوليفونية تتحدد بالمواصفات التالية :

u عندما تتواجد عدة منظورات مستقلة داخل العمل.

vيجب أن ينتمي المنظور مباشرة إلى شخصية ما من الشخصيات المشتركة في الحدث.أي بعبارة أخرى، ألا يكون موقفا إيديولوجيا مجردا من خارج كيان الشخصيات النفسي.

w أن يتضح التعدد المبرز على المستوى الإيديولوجي فقط، ويبرز ذلك في الطريقة التي تقيم بها الشخصية العالم المحيط بها."[10]

ومن ثم، فإن " سيطرة أحادية الراوي العالم بكل شيء أصبحت غير محتملة في العصر الحديث مع التطور الثقافي العريض للعقل البشري، بينما أصبحت النسبية المتشبعة في النص القصصي أكثر ملاءمة"[11]

وبالتدقيق، تعني البوليفونية الأدبية تعدد الرؤى والمنظورات الإيديولوجية التي تعبر عنها الشخصيات داخل الرواية. وفي هذا الصدد، يقول باختين:"عندما نتحدث عن المنظور الإيديولوجي لانعني منظور الكاتب بصفة عامة منفصلا عن عمله، ولكن نعني المنظور الذي يتبناه في صياغة عمل محدد، وبالإضافة إلى هذه الحقيقة يجب أن نذكر أن الكاتب قد يختار الحديث بصوت مخالف لصوته، وقد يغير منظوره- في عمل واحد- أكثر من مرة، وقد يقـيم (بتشديد الياء) من خلال أكثر من منظور."[12]

وبهذا، يكون النص البوليفوني هو الذي يتضمن رؤى متعارضة ومتناقضة لرؤية الكاتب التي تعبر عنها شخصية ما في الرواية. وفي هذا السياق، يقول باختين:" إن فكرة المؤلف المقبولة والكاملة القيمة يمكنها أن تضطلع، في عمل أدبي من النمط المنولوجي، بثلاث وظائف: أولا، إنها تعتبر الأساس الذي تستند إليه الرؤيا نفسها وتصوير العالم، المبدأ الذي يعتمد عليه في اختيار المادة وتوحيدها، المبدأ الذي يقرر النبرة الأحادية الإيديولوجية لجميع عناصر العمل الأدبي.ثانيا، يمكن تقديم الفكرة على اعتبارها استنتاجا واضحا بهذه الدرجة أو تلك، أو واعيا مستخلصا من المادة التي يجري تصويرها. ثالثا وأخيرا، فإن فكرة المؤلف يمكن أن تكتسب تعبيرا مباشرا داخل الموقف الإيديولوجي للبطل الرئيس.

الفكرة بوصفها مبدأ في التصوير، تندمج مع الشكل. إنها تحدد كل النبرات الشكلية، وكل تلك الأحكام الإيديولوجية التي تصوغ الوحدة الشكلية للأسلوب الفني والنغمة الوحيدة للعمل الأدبي.

إن الطبقات الدفينة لهذه الإيديولوجيا التي تتحكم بصياغة الشكل، الطبقات التي تحدد الخصائص الأساسية في الأصناف الأدبية، تحمل طابعا تقليديا، وهي تتراكم وتتطور عبر العصور، إلى هذه الطبقات الدفينة الخاصة بالشكل ينتمي حتى الاتجاه المونولوجي الفني الذي وقع اختيارنا عليه."[13]

إذاً، فالرواية البوليفونية هي التي تقدم أنماطا متنوعة من الوعي والتصورات الإيديولوجية المختلفة، دون أن يفرضها المؤلف على المتلقي، بل يترك له الحرية في اختيار الأنسب. إن الرواية البوليفونية هي التي تقوم على الفكرة الأطروحة.أي: الإيديولوجيا.

وللتوضيح أكثر، تقدم الرواية مجموعة من الأفكار على لسان شخصياتها إيديولوجيا، كأن تكون شخصية ما إسلامية، أو تكون شخصية ملحدة، أو شخصية اشتراكية، أو شخصية شيوعية، أو شخصية ليبرالية، أو شخصية وطنية، أو شخصية خائنة، وهلم جرا... فكل شخصية تقدم فكرتها، وتستعرض أطروحتها، ويمكن للكاتب أن يشارك بفكرته وأطروحته الإيديولوجية إلى جانب الأفكار الأساسية الأخرى لشخصياته، لكن بشرط واحد ألا يرجح كفة أطروحته على باقي الأطروحات الأخرى، كما هو الحال في الروايات المونولوجية أو العادية. ومن هنا، فالفكرة هي التي تسيطر على الشخصيات، ثم تحدد مصير البطل، ثم تبرز موقفه النهائي من العالم، وهي كذلك المادة الأساسية في بناء الرواية، ويتم عبرها تقسيم العالم الروائي إلى عوالم الأبطال أو الشخصيات.ومن هنا، "فوجهة النظر تلك التي ينظر بها البطل إلى هذا العالم هي التي تشكل الفكرة الأساس لدى تصوير الواقع من حوله. لقد قدم العالم الخاص بكل بطل، من زاوية خاصة يتم تصويره وبناؤه في ضوئها تماما."

ومن ثم، تتحول هذه الأفكار إلى تيمات وموضوعات وبرامج سردية ورؤى للعالم، يمكن رصدها نقديا إن فهما وإن تفسيرا، أو يمكن تشريحها إن تفكيكا وإن تركيبا[14]."

هذا، ويرى باختين أن دويستوفسكي هو الذي خلق الرواية البوليفونية أو هو رائد الرواية المتعددة الأصوات. وفي هذا، يقول باختين:" وبهذا، يكون دويستفسكي هو خالق الرواية المتعددة الأصوات (Polyphone)، لقد أوجد صنفا روائيا جديدا بصورة جوهرية. وبهذا السبب بالذات، فإن أعماله الإبداعية لايمكن حشرها داخل أطر محددة من أي نوع، وهي لاتذعن لأي من تلك القوالب الأدبية التي وجدت عبر التاريخ، واعتدنا تطبيقها على مختلف ظواهر الرواية الأوربية. ففي أعماله يظهر البطل الذي بنى صوته بطريقة تشبه بناء صوت المؤلف نفسه في رواية ذات نمط اعتيادي.إن كلمة يتلفظ بها البطل حول نفسه هو بالذات، وحول العالم تكون هي الأخرى كاملة الأهمية تماما مثل كلمة المؤلف الاعتيادية.إنها لاتخضع للصورة الموضوعية الخاصة بالبطل بوصفها سمة من سماته، كذلك هي لاتصلح أن تكون بوقا لصوت المؤلف.هذه الكلمة تتمتع باستقلالية استثنائية داخل بنية العمل الأدبي، إن أصداءها تتردد جنبا إلى جنب مع كلمة المؤلف، وتقترن بها اقترانا فريدا من نوعه، كما تقترن مع الأصوات الكبيرة القيمة، الخاصة بالأبطال الآخرين."[15]

ولاتقتصر البوليفونية الأدبية على أنماط الفكر والوعي والإيديولوجيا وتعدد الشخصيات فقط، بل تتعدى ذلك إلى اللغات والأساليب. وفي هذا يقول باختين:" وهكذا، فجميع لغات التعدد اللساني، مهما تكن الطريقة التي فردت بها، هي وجهات نظر نوعية حول العالم، وأشكال لتأويله اللفظي، ومنظورات غيرية دلالية وخلافية. بهذه الصفة، يمكنها جميعا أن تتجابه، وأن تستعمل بمثابة تكملة متبادلة، وأن تدخل في علائق حوارية.بهذه الصفة، تلتقي وتتعايش داخل وعي الناس، وقبل كل شيء داخل وعي الفنان- الروائي الخلاق. وبهذه الصفة أيضا، تعيش حقيقة، وتصارع، وتتطور داخل التعدد اللساني الاجتماعي.ولأجل ذلك، تستطيع جميع اللغات أن تتخذ موضعا لها على صعيد الرواية الفريد الذي يمكنه أن يجمع الأسلبات البارودية للغات أجناس متنوعة، ومظاهر مختلفة من أسلبة وتقديم لغات مهنية ملتزمة، مع لغات أجيال تشتمل على لهجات اجتماعية وغير اجتماعية...جميع تلك اللغات يمكن أن يجتذبها الروائي لتنسيق تيماته، وتخفيف حدة التعبير (غير المباشر) عن نواياه وأحكامه القيمية. لأجل ذلك، نلح باستمرار، على المظهر اللغوي، الدلالي والتعبيري. أي: القصدي، لأنه القوة التي تنضد وتنوع اللغة الأدبية، ولا نولي نفس الاهتمام للعلامات اللسانية (زخارف المفردات، وتناغمات المعنى، إلخ...) في لغات الأجناس والرطانات المهنية وغيرها، لأنها، إذا جاز القول، رواسب متحجرة عن سيرورة النوايا، وعن العلامات التي أهملها العمل الحي الذي تنجزه النية المؤولة للأشكال اللسانية المشتركة.إن تلك العلامات الخارجية، ملحوظة ومثبتة من وجهة النظر اللسانية، لايمكن فهمها ودراستها بدون فهم تأويلها المقصدي."[16]

ولايمكن تمثل البوليفونية الأدبية - منهجيا- إلا بتقسيم الرواية إلى مقاطع نصية وملفوظات لسانية وشواهد تطبيقية، بغية استخلاص تجليات البوليفونية الحدثية والفضائية والشخوصية واللغوية والأسلوبية والتناصية والسردية من جهة، واستجلاء التعددية الفكرية والإيديولوجية من جهة أخرى.

 

المبحث الثالث: البوليفونيـــة اللسانية

إذا كانت البوليفونية الأدبية مع ميخائيل باختين قد ظهرت في ثلاثينيات القرن العشرين، فإن البوليفونية اللسانية لم تظهر إلا في سنوات السبعين من القرن نفسه. وبعد ذلك، تطورت مع مجموعة من الباحثين اللسانيين أمثال: أزوالد دوكرو(Ducrot)[17]، وماريون كاريل (Marion Carel)[18]، وديكلي(Desclés)[19]، وبانفيلد(Banfield)[20]، وبريس (Bres)[21]، وأنسكومبر(Anscombre) [22]، ولوران بيران (Laurent Perrin)[23]، و موشلر(Moeshler)، وربول (Reboul)[24]، ومانغونو (Maigueneau)[25]، وهايي (Haillet)[26]، وأعضاء سكابولين ((Scapoline)[27])، كنولكه (Nølke) [28]، وفلوتوم(Fløttum)، ونورين(Norèn) [29]، وغيرهم...

ومن ثم، فالغرض من هذه اللسانيات هو التركيز على تعدد الأصوات في بعض الملفوظات، واستخلاص وجهات النظر، وتحديد الذوات التخييلية، واستجلاء الحوارية التلفظية داخل الملفوظ المعطى.

هذا، ولم يظهر مصطلح البوليفونية في مجال اللسانيات، بشكل واضح، إلا في 1980م[30]. وقد بلور دوكرو هذا المفهوم الباختيني، ضمن نظريته اللسانية التلفظية، في بداية الثمانينيات من القرن الماضي، وبالضبط في عام1984م[31]. وقد اعترف دوكرو بجهود ميخائيل باخيتن في مجال الأدب، وبالخصوص عندما تناول الملفوظات الحوارية الروائية في إطار صورة أسلوبية كلية، ولم يتعامل معها على أساس جمل مستقلة أو منعزلة عن سياقها النصي والذهني والمرجعي والإيديولوجي. وقد استفاد دوكرو كثيرا من تصورات باختين حول دويستوفسكي، ولم يتنبه إلى كتابات باختين الأخرى ذات الطابع اللساني.

وإذا كان باختين قد تعامل كثيرا مع الحوارية، فإن دوكرو اختار البوليفونية مفهوما إجرائيا بغية تشغيله في تحليل الملفوظات اليومية العادية، بدل تطبيقه على النصوص الأدبية كما هو شأن باختين. ويعني هذا أن اللسانيين قد فضلوا مصطلح البوليفونية، وتحدثوا عن اختلاف وجهات النظر ضمن الوحدة اللغوية نفسها.

وعلاوة على ذلك، فقد تناول أزوالد دوكرو مفهوم البوليفونية من الوجهة اللسانية والحجاجية والتلفظية[32]، متأثرا في ذلك بمفاهيم جيرار جنيت(G.Genette) الذي قسم الأطراف التواصلية إلى ثلاثة عناصر: الكاتب، والسارد، والشخصية. وإذا كان جنيت قد ميز بين الكاتب والسارد والشخصية، فقد فرق دوكرو بدوره بين الذات المتكلمة (الكاتب)، والمتكلم داخل الخطاب (السارد)، و المتكلم باعتباره شخصية سردية أو جزءا من العالم التخييلي.

ويتجلى الحضور البوليفوني عند دوكرو في مجموعة من الآليات التلفظية والحجاجية، مثل:السخرية، والأسلوب غير المباشر الحر، والنفي، ووجهات النظر المختلفة، والخطابات الحوارية المعروضة، وآليات الربط والاستدلال والتضمن...

هذا، و يختلف مفهوم البوليفونية عند اللسانيين، إلى حد ما، عن مفهومه عند علماء الأدب[33]. فمعناه في الأدب وجود مجموعة من الأصوات السردية التي تتفاعل وتعبر عن همومها الذاتية والموضوعية، دون أن يهيمن صوت على الآخر[34]. أما في مجال اللسانيات الحجاجية، فقد تعامل دوكرو مع البوليفونية في ضوء رؤية تلفظية لسانية، انطلاقا من أن النص ليس فيه صوت واحد، بل هناك أصوات متعددة ومتقابلة ومتعارضة، مثل: الذات المتكلمة، والمتلفظ، والمستمع. فالذات المتكلمة هي الذات الفيزيائية الحسية التجريبية التي تنتج الملفوظ، مثل: الكاتب أوالمبدع.أما المتلفظ، فهو ذات لسانية ورقية داخل الخطاب.وينطبق هذا على المتلقي كذلك. وقد عمق الباحثون السكندنافيون مفهوم البوليفونية بشكل عميق ودقيق[35].

وعلى هذا الأساس، فإن البوليفونية اللسانية أو التلفظية نظرية دلالية (دلالات الملفوظ)، ونظرية خطابية(متعلقة بالخطاب ككل)، ونظرية بنيوية (تدرس أجزاء الخطاب)، ونظرية تعليمية بامتياز؛ إذ تزودنا بآليات الفهم، وكيفية تأويل المعنى المعطى.[36]

وإذا كانت البوليفونية الأدبية تشتغل على مستوى الكلام، فإن البوليفونية اللسانية تعنى بدراسة اللغة والخطاب.أي: إنها بوليفونية تداولية وتلفظية ليس إلا.

 

المبحث الرابع: البوليفونية التأويلية

ترتبط البوليفونية التأويلية أو الهرمونيطيقية ببول ريكور (Paul Ricœur)[37]. ومفاد هذه المقاربة أن النص الأدبي، وبالضبط الروائي منه، يتضمن علاقات تفاعلية بوليفونية أساسها الكاتب المبدع، والشخصيات المتحاورة، والسراد المتلفظون، والقراء المستقبلون.

هذا، ويتحقق البعد التأويلي للعمل باتصال المتلقيبالعمل في مرحلة ماقبل الفهم، بإدراك النص في كليته المنظمة، على اعتبار أن النص مجموعة من الخصائص اللسانية والأسلوبية والموضوعاتية ...ويبدأ القارىء في اللحظة الأولى بحدس الدلالة الكلية للنص عن طريق إدراك أولي لموضوعة ( تيمة) ما، أو مظهر أسلوبي ما... وبعد ذلك، تأتي مرحلة التفسير باستجلاء البنيات الجذرية والثوابت البنيوية والسيميائية بطريقة علمية داخلية محايثة. فيقوم بتثبيت ماهو مقرر في مرحلة ماقبل الفهم. ويعني هذا أن المرحلة الأولى من القراءة حدسية واستبقاية للمضمون أو الدلالة، في شكل فرضيات وإشكاليات وتساؤلات.ويعني هذا أنه لابد من تطوير الدلالة وتعميقها بعد استخلاص الدلالة الحدسية والافتراضية. وبعد ذلك، تأتي مرحلة التأويل للتركيز على الذات والمقصدية والمرجع والغير. وتشكل هذه المراحل الثلاث ما يسمى بالدائرة التأويلية (Cercle herméneutique). وبعد القراءة المنسجمة داخليا، تأتي القراءة المنسجمة خارجيا، وهذا كله بحثا عن الموضوع والمركز والبؤرة الرئيسية.

إذاً، تعتمد البوليفونية التأويلية عند بول ريكور على مجموعة من الخطوات المنهجية في مقاربة النصوص الأدبية والإبداعية والفلسفية، وتأويل النصوص الدينية والكتب المقدسة والخطابات اللاهوتية. ويمكن حصرها في ثلاث خطوات منهجية هي: ماقبل الفهم، والتفسير، والتأويل، وتشكل هذه المراحل الثلاث ما يسمى بالدائرة الهيرمونيطيقية للتأويل. وتشبه هذه المراحل خطوات غادامير (H.G.Gadamer): دقة الفهم، والتفسير، والتطبيق[38].

وعليه، ترتبط البوليفونية التأويلية بالقراء خصوصا، حينما يتعاملون مع النصوص الأدبية ويتفاعلون مع أجوائها النصية، ببناء عوالمها التخييلية، وخلق تجاربها الإبداعية. ولايتحقق ذلك إلا باستقراء السياق الزماني والمكاني. ويعني هذا أن التأويل البوليفوني يتحدد في السياق والزمان والمكان، في علاقة تفاعلية حوارية مع الذوات المبدعة والمتخيلة والمتقبلة. ويستند هذا التأويل البوليفوني كذلك إلى المحاكاة والإبداع ونقل التجارب النصية عبر الوساطة التخييلية، وتحويل العالم المرئي إلى حبكات سردية ونصية مختلفة ومتنوعة، يفككها المتلقي المبدع عبر قراءات هرمونطيقية دائرية خاضعة لما قبل الفهم والفهم والتأويل.

علاوة على ذلك، تتميز لغة النص بحواريتها وبوليفونيتها الدلالية والإحالية والرمزية والسيميائية. أي: إن النص أو الخطاب عالم بوليفوني مشابك بامتياز، يحوي علامات ورموزا ودوالا سيميائية متعددة، تنسج علاقات تفاعلية وتناصية متعددة مع باقي بنيات النص. كما تتحقق البوليفونية التأويلية عندما يلتقي عالم النص مع عالم القارىء قربا وبعدا، عبر عمليات التفاعل والرصد والتأويل، وإعادة بناء النص وخلقه من جديد. ويعني هذا وجود تفاعل بين الأنا (الذات المتلقية) والآخر (العالم الموضوعي).

وهكذا، يركز بول ريكور على مبدأين بوليفونيين ضمن مقاربته التأويلية: المبدأ الأول مبني على حوارية اللغة وديالوجيتها، على أساس أن اللغة في النص تتجه نحو الآخر أو تستحضره بطريقة ضمنية أو صريحة.أي: لايمكن فصل "أنا" عن "أنت"، أو عزل الذات عن الآخر. وبما أن النص الأدبي يهدف إلى التواصل والإبلاغ، فمن الطبيعي أن تكون اللغة حوارية وبوليفونية بامتياز.

ويقوم المبدأ الثاني على تبيان درجة البوليفونية في النص الأدبي، بالتوقف عند العناصر الأساسية الثلاثة : الكاتب، والنص، والمتلقي، مع استعراض مختلف المواقف الجدلية المتعارضة على مستوى الوعي والأفكار والأطروحات والرؤى الإيديولوجية ...

ويلاحظ أن ريكور قد وظف مصطلح حواري (Dialogal) بدل الحوارية (Dialogisme) عند باختين.. ومن ثم، فالإنجيل عند ريكور نص بوليفوني؛ لأنه يطرح تأويلات حوارية عدة، بل ومتعارضة في عوالمها النصية والتقبلية، أو لكونه يتضمن كذلك أجناسا متخللة. وإذا كان باختين قد تعامل كثيرا مع الرواية كما لدى دويستفسكي ورابلي، فإن ريكور، على الرغم من اهتمامه بالسرد بصفة عامة، فقد انصب اهتمامه على الإنجيل أو الكتاب المقدس. ويعني هذا أن القراءة الإنجيلية تشترك مع القراءة الروائية في عنصر الحوارية والتعددية والبوليفونية، وتعدد الأجناس والمنظورات، وتنوع المقاربات التأويلية.ويعني هذا أن ريكور قد اهتم كثيرا باللغة الحوارية، والجنس الخطابي، وتعدد الأجناس. وبالتالي، تنبني البوليفونية التأويلية عند ريكور على استجلاء التهجين النصي، واستكشاف الانزياح، وتحديد الغرابة، وتبيان أنماط الوعي في تفاعلها وتواصلها، والانتقال من الحواري إلى الحوارية...

وعلى العموم، فالنص عالم رمزي بوليفوني مفتوح ومتعدد المعاني. بمعنى أن النصوص ليست مغلقة، بل هي عوالم ممكنة ومنفتحة، تحبل بدلالات موحية ورمزية متنوعة، تتطلب قارئا متعدد القراءات والتخصصات. ومن ثم، تصبح النصوص والخطابات والألفاظ والإشارات والاستعارات والعوالم التخييلية والأساطير وسائط لنقل الواقع، والإحالة عليه. وفي هذا السياق، يرى مصطفى ناصف" أن النصوص الأدبية- بالمعنى العام- تقوم على آفاق ممكنة يمكن أن تحقق بوسائل مختلفة. هذه الخاصية تتصل في الأغلب بدور المعاني الاستعارية والرمزية الثانية بأكثر مما تتصل بنظرية الكتابة العامة. وكثير من الباحثين يهتمون بفك شفرات الرموز والاستعارات وطبقاتها المتنوعة. ولكن اللغة الرمزية والاستعارية ينبغي أن تكون جزءا من النظرية العامة للتأويل التي تشمل مشكلة الخطاب كلها وما تنطوي عليه من كتابة وتأليف أدبي.

من الممكن أن نلاحظ دورا توسعيا في حقل العبارات الوفيرة الدلالات، ويجب أن نربط مشكلة المعنى المتعدد بمشكلة المعنى بوجه عام. والأدب يتأثر بهذا التوسع بحيث يمكن أن يعرف في حدود العلاقة بين المعاني الأولى والمعاني الثانية. والمعاني الثانية تفتح العمل على قراءات متنوعة على نحو مانجد في الأفق الذي يحيط بالأشياء التي نراها. ويمكن أن يقال: إن هذه القراءات تخضع لشبه فرائض تتعلق بهوامش احتمالية تحيط بالنواة الدلالية للعمل. ولكن هذه الفرائض أيضا لابد لنا من أن نخمنها قبل السماح لها بتوجيه التفسير."[39]

و عليه، تحيلنا البوليفونية التأويلية على مجموعة من القراءات الحوارية المتسائلة والمتضاربة من جهة، أو ترجعنا إلى مجموعة من القراءات المتوافقة من جهة أخرى. ولاتتحقق هذه البوليفونية الهرمينوطيقية إلا بعد الانتهاء من عمليات التفسير الوضعي والتشييء النصي. وفي هذا الصدد، يقول بول ريكور:" أعرف جيدا أن النقد الأدبي حريص على إبقاء التمييز قائما بين داخل النص وخارجه. ويعد أي استكشاف أو سبر للعالم اللغوي خروجا عن نطاقه.إذاً، يتسع تحليل النص ضمن حدود النص، ويحرم أية محاولة للخطو خارج النص.هنا، يبدو لي أن هذا التمييز بين الداخل والخارج هو نتاج منهج تحليل النصوص نفسه، وأنه لايتطابق مع تجربة القارىء. وينشأ التضاد بينهما عن تعميم الخواص التي تتسم بها بعض الوحدات اللسانية على الأدب، مثل: الفونيمات واللكسيمات والكلمات. فالعالم الواقعي يقع خارج اللغة في اللسانيات.لاالقاموس ولا النحو يحتويان على الواقع. إن هذه المبالغة في النقل الاستقرائي من اللسانيات إلى الشعرية هي بالضبط، فيما يبدو لي، مايغري النقد الأدبي، أعني التصميم المنهجي المناسب للتحليل البنيوي، في معاملة الأدب من خلال المقولات اللسانية التي تفرض عليه التمييز بين الداخل والخارج. ومن وجهة نظر تأويلية (هرمينوطيقية)، أي من وجهة نظر تأويل الترجمة الأدبية، فإن للنص معنى مختلفا تماما عن المعنى الذي يعرفه التحليل البنيوي فيما يستعيره من اللسانيات. فهو وساطة بين الإنسان والعالم، وبين الإنسان والإنسان، وبين الإنسان ونفسه. والوساطة بين الإنسان والعالم هي ماندعوه المرجعية، والوساطة بين الناس هي ماندعوه الاتصالية، والوساطة بين الإنسان ونفسه هي ماندعوه بالفهم الذاتي. ويتضمن العمل الأدبي هذه العناصر الثلاثة: المرجعية والاتصالية والفهم الذاتي.إذاً، تبدأ المشكلة التأويلية حين تفرغ اللسانيات وتغادر. وهي تحاول أن تكتشف ملامح جديدة للمرجعية ليست وصفية، وملامح للاتصالية ليست نفعية، وملامح للتأملية ليست نرجسية، مادامت هذه التأويلية عند نقطة التقاطع بين الصياغة الصورية (الداخلية) للعمل (CONFIGURATION)، وبين إعادة التصوير الخارجية للحياة (REFIGURATION)."[40]

هذا، ويعد كتاب (الزمان والسرد) من أهم الكتب النقدية النظرية والتطبيقية التي شغل فيها بول ريكور البوليفونية التـأويلية، وخاصة فيما يتعلق بالسرد وتعدد الأصوات:" ويمكن لنا أن ننكب على مفهوم " الأصوات السردية" التي تشكل سمفونية الأعمال العظيمة مثل: الملاحم والمآسي والمسرحيات والروايات. في جميع هذه الأعمال، يكمن الاختلاف بينهما في أن المؤلف يتخفى بوصفه الراوي، ويلبس قناع مختلف الشخصيات، ومن بينهم جميعا، قناع الصوت السردي المهيمن الذي يروي القصة التي نقرأها. ونستطيع أن نكون الراوي في محاكاة هذه الأصوات السردية، دون أن نتمكن من أن نصير المؤلف.هذا هو الاختلاف الكبير بين الحياة والخيال. وبهذا المعنى، يصح القول: إن الحياة تعاش، أما القصص فتروى. ويظل هناك اختلاف لايردم، غير أن هذا الاختلاف يتلاشى جزئيا بقدرتنا على الانصراف إلى الحبكات التي تلقيناها من ثقافتنا، وبتجريبنا مختلف الأدوار التي تتبناها الشخصيات الأثيرة في القصص العزيزة علينا. وبوساطة هذه التحولات الخيالية لذاتنا نحاول أن نحصل على فهم ذاتي لأنفسنا، وهو النوع الوحيد الذي يتهرب من الاختيار الواضح بين التغير الجارف والهوية المطلقة. وبين الاثنين تكمن الهوية السردية."[41]

وبناء على ما سبق، فقد ربط بول ريكور نظرية السرد بفعل التأويل، والتشديد على استحضار الذات والغير والعالم الخارجي، والتركيز على الإحالة والمرجع والمقصدية ضمن رؤية بوليفونية تأويلية بامتياز.

 

الخاتمــــة

وخلاصة القول، يتبين لنا، مما سلف ذكره، أن المقاربة البوليفونية هي منهجية عملية إجرائية في جوهرها، تدرس الملفوظ أو النص أو الخطاب في حواريته وتعدديته الصوتية والسردية واللغوية والأسلوبية والدلالية والإيديولوجية، سواء على مستوى البنية أم الدلالة أم الوظيفة.

ومن ثم، يمكن الحديث عن ثلاث بوليفونيات أساسية في مجال الأدب واللسانيات وتحليل الخطاب هي: البوليفونية الأدبية مع ميخائيل باختين، وتودوروف، وجوليا كريستيفا...؛ والبوليفونية اللسانية مع أوزوالد دوكرو، وأنسكومبر، وأعضاء سكابولين، وغيرهم؛ والبوليفونية التأويلية أو الهرمينوطيقية مع بول ريكور .

بيد أن المقاربة البوليفونية أو الديالوجية أو الحوارية لاتقتصر على الملفوظات والأحاديث اليومية العادية فحسب، بل تتجاوزها إلى النصوص والخطابات الإبداعية والأدبية والدينية والفلسفية والإعلامية التي تتضمن في طياتها تعددا في الأصوات المتكلمة، وتنوعا في الرؤى السردية، واختلافا في الضمائر، وتعارضا في وجهات النظر الإيديولوجية...

 

 

د. جميل حمداوي

..............................

[1]- BAKHTINE M. : La poétique de Dostoïevski, Paris, Seuil, coll. Points Essais, 1970/1998;Esthétique et théorie du roman, Paris, Gallimard, 1978;Esthétique de la théorie verbale, Paris, Gallimard, 1984 ; Le Freudisme, Lausanne, L'âge d'homme, 1980.

[2]- H. Nølke : "La Scapoline: version révisée de la théorie scandinave de la polyphonie linguistique" in Polyphonie linguistique et littéraire, Samfundslitteratur Roskilde, n°III, 2001.

[3]- Jacques Bres et autres :Dialogisme et poliphonie,approches linguistiques, De Boeck.Duculot,Bruxelless,1édition 2005,p :10.

[4]- فرانسواز أرمينكو: المقاربة التداولية، ترجمة: د.سعيد علوش، المؤسسة الحديثة للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى سنة 1987م، ص:112.

[5]- ميخائيل باختين: شعرية دوستويفسكي، ترجمة: جميل نصيف التكريتي، دارتوبقال للنشر، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى سنة 1986م.

[6]-M.Bakhtine:L'œuvre de François Rabelais et la culture populaire au Moyen Âge et sous la Renaissance, 1965.

[7] - ميخائيل باختين: شعرية دويستفسكي، ص:59.

[8]- ميخائيل باختين: نفسه،ص:88.

[9]- جميل حمداوي: نظريات النقد الأدبي في مرحلة مابعد الحداثة، الجزء الأول، مطابع الأنوار المغربية، وجدة، المغرب، الطبعة الأولى2012م، صص: 227-248.

[10]-B.Uspenski: Poetics of composition, traduction.CL.Kahn, Poétique9, 1972, P.10

[11]- R.Scholes and R.Kellog: The nature of narrative, Oxford University Press, 1966, P.276.

[12]-B.Uspenski: Poetics of composition, P.11.

[13] - ميخائيل باختين:نفسه،ص:117.

[14]- جميل حمداوي: نظريات النقد الأدبي في مرحلة مابعد الحداثة، الجزء الأول، صص: 227-248.

[15] - ميخائيل باختين: نفسه، ص:11.

[16] - ميخائيل باختين: الخطاب الروائي، ترجمة: محمد برادة، دار الأمان، الرباط، المغرب، الطبعة الثانية سنة 1987م، ص:54.

[17]- DUCROT, O. : Dire et ne pas dire, Paris : Hermann, 1972.

[18]- DUCROT, O. & CAREL, M. : « Description argumentative et description polyphonique : le cas de la négation », in Perrin, L. (éd.), 2006, 215-241.

[19]- DESCLÉS, J.-P., « Quelques opérations énonciatives », Logique et niveaux d’analyse linguistique, Paris : Klinksieck, 1976, 213-242.

[20]-BANFIELD, A., « Où l’épistémologie, le style et la grammaire rencontrent la théorie littéraire », Langue française, 44, 9-26,1979.

[21]-BRES, J. et al. Dialogisme et polyphonie. Approches linguistiques, Bruxelles : Duculot, 2004.

[22]- ANSCOMBRE, J.-C. Les objets de la polyphonie, numéro thématique du Français moderne, 74 : 1, (éd.) 2006

[23]-PERRIN, L. (Éd.) : Le sens et ses voix. Dialogisme et polyphonie en langue et en discours, Recherches Linguistiques, 28 Metz : Université Paul-Verlaine, 2006.

[24]-Moschler .J.Reboul.A: Dictionnaire encyclopédique de pragmatique, Paris, Seuil, 1994.

[25]-Maingueneau.D: L’énonciation en linguistique française, Hachette, Paris, 1994.

[26]- Haillet.P.P: Le conditionnel en français: une approche polyphonique, Ophrys, Paris, 2002.

[27]- سكابولين(Scapoline) هي نظرية سكاندانافية تهتم بالبوليفونية الأدبية واللسانية، وقد تأثرت كثيرا بأفكار باختين ودوكرو.ومن أهم ممثليها: نولكه، وفلاتروم، ونورين، وغيرهم...

[28]-NØLKE, H., 1985, « Le subjonctif : fragments d’une théorie énonciative », Langages, 80, 55-70 ; 1994, Linguistique modulaire : de la forme au sens, Louvain/Paris : Peeters.

[29]-NØLKE, H., FLØTTUM, K. & NORÉN, C.: ScaPoLine. La théorie scandinave de la polyphonie linguistique, Paris : Kimé, 2004.

[30]- DUCROT, O., « Note sur la polyphonie et la construction des interlocuteurs », Ducrot, O. et al. 1980, Les mots du discours, Paris : Les éditions de minuit, 1980, 233-236.

[31]- O. Ducrot ;(Esquisse d’une théorie polyphonique de l’énonciation), In : le dire et le dit, éditions de Minuit, Paris, 1984, p : 171-233.

[32]- Oswald Ducrot: Le Dire et le dit, Editions de Minuit, Paris 1984.

[33]- Dominique Maingueneau : Les termes clés de l’analyse du discours, Collection Points, Éditions du Seuil, 2009, p : 99.

[34]- Dominique Maingueneau : Les termes clés de l’analyse du discours :99.

[35]-H. Nølke : "La Scapoline 1: version révisée de la théorie scandinave de la polyphonie linguistique" in Polyphonie linguistique et littéraire, Samfundslitteratur Roskilde, n°III, 2001.

[36]- H. Nølke et M. Olsen, « Polyphonie, théorie et terminologie », Polyphonie, linguistique et littéraire, n°2, septembre 2000)

[37]- RICOEUR P, «La triple mimèsis» in Temps et Récit – L'intrigue et le récit historique, Paris, Seuil, coll. Points Essais, 1982.

[38]- François- Xavier Amherdt: L'Herméneutique philosophique de Paul Ricoeur et son Importance por l'éxègese Biblique, les éditions de Cerf, 2004.

[39] - مصطفى ناصف: نظرية الـتأويل، النادي الأدبي الثقافي، جدة، السعودية، الطبعة الأولى سنة 2000م، ص:210-211.

[40]- بول ريكور: الوجود والزمان والسرد، ترجمة: سعيد الغانمي، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى سنة 1999م، ص:47-48.

[41] - بول ريكور: نفسه، ص:55.

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3323 المصادف: 2015-10-11 12:38:03