المثقف - قراءات نقدية

صورة الطبيعة بين شاعرين جاهليين

sadam alasadiالمقدمة: كل عاصفة تلتقي مع الفارس وعندما تنتهي يبقى الفارس مشدودا بظهر فرسه الا القصيدة الجاهلية ... طليقة العنان ... لا يستطيع اي واحد منا ان يحدد بالدقة المطلقة بدايتها ونهايتها ... فهي معلقة في عنق الزمن ولا نكاد نصل الى لمعتها وبريقها من خلال رحلة سريعة وانا اخترت الجوامد الناطقة التي سرها سر معقد عن الجاهلي – الريح والبرق والمطر .. واخترت لها شاعرين يستحقان باعتزاز ان نسميهما وصافي الطبيعة في الشعر الجاهلي .. هما امرئ القيس وعبيد بن الابرص وقد اتجاوز على الشعر الجاهلي واقترب من بحره الكبير فلعله يهب لي نسمة من ريحه ولمعة من برقه وقطرة من مطره فهل ترك لنا الباحثون شيئا لنكتبه؟ فانه شعر زاخر بالروائع في فترة نضجت بها القصيدة ووصلت قمتها ... فالمحال ان اصل لما اراد الشاعران ... فلعلي اضع اصبعا واحدة على كهربائية هذا الشعر واصطاد قدحة فاني مددت كفا لانهل بها من بحر الشعر غرفة واحدة لسد الظمأ وطلبت يدا تعلن بارقة الامل امام حصاني الجامح لذا اخترت عاصفتي ورميت سنارتي في هذا البحر فلن افكر بما اصطاد بقدر ما سيقدره لي القدر وكما تعتاد المقدمات على التبويب استقرت عاصفتي على بابين:

الباب الاول:

أ: لماذا الريح والبرق والمطر ب: تسميات الصور الثلاث ج: الغرض الشعري الذي وردت به الصور د: العلاقة الجدلية بين الصور هـ: وسيلة الشاعر لاستخدامها

الباب الثاني:

أ: علاقة الصور الثلاث بالحيوان ب: صورة امرئ القيس ج: صورة عبيد بن الابرص د: الفرق بين الصورتين الخاتمة ... المصادر ...

في نهاية مقدمتي اسأل الباري عز وجل ان يفتح امامنا السعادة والتوفيق ويهدينا لطريق العلم والمعرفة في خدمة وطني الحبيب الغالي العراق .

وقد تشرفت بأستاذي الدكتور اياد عبد المجيد ابراهيم عام 1993 كنت طالبا ً في الماجستير في كلية التربية .

 

الباب الاول:

أ: لماذا الريح والبرق والمطر؟

لا يختلف اثنان على الارض بان الطبيعة نصف حياة الشاعر اذا ما اعطينا المرأة ربعا وحياته الذاتية باقيها ..

و كلنا نعلم بان الشعر الجاهلي نبرات شعرية رائعة صادقة مثيرة للانتباه ولا تكاد قصيدة ان تخلو من البرقة اللامعة من خلال وصف او تشبيه او حكمة ..

فكيف نتساءل عن الصور الثلاث وهي ركائز المكان (البادية) وسبب الرعي الذي تقوم به وعليه حياة الجاهلي ..

و الماء روح البدو وعصب حياتهم وهو (سر الحياة والمطر اهم مصدر للماء في الجزيرة العربية)[1]

فعندما يظهر الجفاف وتمحل الارض فيسألون عن الغائب المنقذ وتبقى عيونهم مشدودة للسماء مبحرة في مناظر السحب مراقبة حركة الريح لذا وقف الشعراء بخفقة قلب ونفس منتظرتين ..

فصور البرق والرعد وجلجلة السحاب وما تجود به السيول فمتى ما نزل المطر انبعثت روائح الارض الطيبة فكم اخافهم الجفاف عندما يقترن بريح السموم وحيث تهطل الامطار فلا تدوم الا لايام معدودات وفي مواسم متقاربة وقد صور الكاتب العربي الموسوعي الجاحظ [2]

(اذا تتابعت عليهم الازمات وركد عليهم البلاء واشتد الجدب واحتاجوا الى الاستمطار اجتمعوا وجمعوا ما قدروا عليه من البقر ثم عقدوا بين اذنابها وبين عراقيبها السلع ثم صعدوا الى جبل وعر واشعلوا النيران وضجوا بالدعاء والتضرع وكانوا يرون ذلك من اسباب السقيا)

فهم يطلبون الغيث اينما وقع كقول الاخنس بن شهاب التغلبي:

و نحن اناس لا حجاز بأرضنا   مع الغيث مما نلقى ومن هو غالب[3]

و قد يحكي لنا التاريخ ان نصف مشاكل العرب وقعت بسبب المنافسة والشجار على المراعي والابار والعيون.

و صوت الريح قد الفه العرب قديما وعدوه مبشرا بسقوط المطر حاملا نسيم الاحبة ورائحتهم فما الذي يحدو ميسون الكلبية ان تفضل خيمة تخفق فيها الارواح والرياح وتمر من كل جانب احب اليها من القصر العالي ..

لبيت تخفق الارواح فيه     احب الي من قصر منيف

و اصوات الرياح بكل فج     احب الي من نقر الدفوف

و ربما تصبح الرياح والامطار عوامل سيئة في اندثار الديار وقد نرى بعضهم يصف دياره ولم تغيرها الريح والمطر كقول بن حذام:

لأل هند بجنبي نفف دار   لم يمح جدتها ريح وامطار

و قد يستهل المهلهل بن ربيعة بها الاطلال رغم وقفته القصيرة فيصف دموعه والامه حزينا على كليب:

هل عرفت الغداة من اطلال   رهن ريح وديمة مهطال

و يرى مالك بن الريب في الريح عاملا يغطي جسد الرجال عند موتهم:

بانكما خلفتماني بقفرة   تهب علي الريح فيها السواقيا[4]

و قد يخشى بعضهم ويخاف من الريح والمطر وهو يتحسر على شبابه ويعلن تشاؤمه من الحياة كقول ربيع الفزاري:

والذئب اخشاه ان مررت به   وحدي واخشى الرياح والمطرا

ومنهم من يراها عاملا للخصب والفرح بعدما تسف الرياح والتراب من الديار وينهل المطر فتعشب الارض وتربع بها البقر كقول النابغة الذبياني:

تعاورها السواري والغوادي   وما تذري الرياح من الرمال

تأبد لا ترى الا صوارا         بمرقوم عليه العهد خال [5]

وهكذا تفاعلوا مع تلك الاسماء فكثرت اسماء الريح والبرق والمطر فان الماء عندهم ذو قداسة لا توصف رغم افساده للديار والزروع فعندما يدعو الشاعر بالسقيا لدار الحبيبة استدرك وقال (غير مفسدها) فماذا يحصل لارضهم عندما يشح المطر .. فتحصل هجرتهم من مناطقهم لاجل الماء (ولا يجدون سبيلا للحصول عليه الا من خلال ارضاء القوة المهيمنة على المطر بطقوس الاستسقاء)[6]، فان قسوة الطبيعة في جزيرة العرب هو تحدي امام الانسان فيصبح رد فعلهم هو التشبث بالحياة والمحاولة بصنع رد فعل للبقاء واوله الارتحال والبعد عن الديار لذلك (تعين على العرب معرفة اوقات نزول المطر فيسألون متى يسقط واين كما يسألون عن الغد كيف سيحل)[7]

ولذا اصبح عند بعضهم اعتقاد يقر بان النجوم تمطر الناس بأمر من الله تعالى وقد حدا بعضهم ان تنبأ بالمطر من خلال مهب الريح ومقدار الرطوبة فسموها رياح الجنوب او اللواقح او العقيمة عندما تكون باردة وقد سموا الرياح طباعا اختصت بها مثل الصبا عندما تكون مبعثا للخير والدبور في الشر (والبرق كان علامة يستبشرون به المطر فاذا كان شاميا حسبوه (خلبا) وقد يشم الشاعر البرق ويصنع لوحات للمطر ليبدد الوقت الذي يفصل بينه وبين حبيبته)[8]

فكثرت حاجاتهم وعلا صوتهم بمخاطبة الطبيعة قاسية او معطية وتكررت في قدحات قصائدهم المفردات ...

ب – تسميات الصور الثلاث:

تفسر النظرة الدينية عند العرب كثيرا من تسميات الازمنة والامكنة والسنين المتبعة وطقوس النذور والاستسقاء)[9]

فجاءت الاسماء متنوعة وكثيرة وبما توسعت به اللغة العربية من اشتقاقات للأسماء حتى للشخص الواحد قد يطلقوا تسميتين وللحيوانات والاشجار وصور الريح والبرق والمطر ... ترى ما هي الاسماء التي ورد بها كلمة الريح عند العرب بالإثبات الشعري ...

1-   ريح جنوب: كقول امرئ القيس:

فتوضح فالمقراة لم يعف رسمها     لما نسجتها من جنوب وشمال

و قول تميم بن ابي مقبل:

يهززن بالمشي اوصالا منعمة   هز الجنوب ضحى عيدان يبرينا

و قول علقمة بن الفحل:

تخشخشت ابدان الحديد عليهم   كما خشخشت يبس الحصاد جنوب

2-   ريح جوافل: قول امية بن ابي الصلت:

اذعن بها جوافل معصفات   كما تذري الململمة الطحونا

3-   ريح حصباء: قول ابي قيس بن الاسلت:

كأن اطراف ولياتها   في شمأل حصاء زعزاع

4-   ريح حرجف: وهي الرياح الباردة الشديدة قول المتخل الهذلي:

اذا ما الحرجف النكباء ترمي   بيوت الحي بالورق السقاط

5-   ريح خريق: قول زهير بن ابي سلمى:

مكلل بأصول النجم تنسجه     ريح خريق لضاحي مائة حبك

و قول المهلهل بن ربيعة:

ليس لمن لم يعد في بغيه   عداية تخريق ريح خريق

6-   ريح خزامى: قول امرئ القيس:

كأن المدام وصوت الغمام   وريح الخزامى ونشر القطر

و قول النمر بن تولب:

كأن ريح خزامها وحنوتها   بالليل ريح يلنجوج واهضام

و قول القطامي:

تهدي لنا كل ما كانت علاوتنا     ريح الخزامى جرى فيها الندى الخضل[10]

7-   ذاريات – اذيال: وهي اواخر الريتح كقول امية بن ابي الصلت:

و سافرت الرياح بهن عصرا     باذيال يرحن ويغتدينا

8-   ذيول الريح: قول ابي ذؤيب الهذلي:[11]

فعفت ذيول الريح بعد عليهما   والدهر يحصد ريبه ما يزرع

9-   رامسات: هي الرياح التي تدفن الاثر كقول النابغة:

كأن مجر الرامسات ذيولها   عليه حصير نمقته الصوانع

10-                     زعزع: في قول ابي ذؤيب الهذلي:

و يلوذ بالارطى اذا ما شفه   قطر ورائحه بليل زعزع

11- ريح سموم: كقول ابي زبيد الطائي:[12]

كالبلايا رؤوسها في الولايا     ما نحات السموم سفع الخدود

12- ريح شمال: قول تماضر بنت مسعود وهي تحن الى حياة الصحراء:

و صوت شمال زعزعت بعد هدأة   الاء واسباطا وارخى من الجعل

و قول أمرئ القيس:

و هبت له ريح بمختلف الصوا   صبا وشمال في منازل قفال

13- ريح شتاء: في قول محمد بن كعب الغنوي:

و لم يدع فتيانا كراما لميسر اذا اشتد من ريح الشتاء هبوب

14- ريح شفان: وهي الريح الباردة قول النابغة:

باتت له ليلة شهباء تسفعه   بحاجب ذات شفان وامطار

15- ريح صبا: قول أمرئ القيس:

يجول بأفاق البلاد مغربا   وتسحقه ريح الصبا كل مسحق

و قول حاتم الطائي:

كجمر الغضا هبت له بعد هجعة   من الليل ارواح الصبا فتنسما

و قول بشر بن ابي خازم:

لعبت بها ريح الصبا فتنكرت   الا بقية نؤيها المتهدم

16- ريح صيف قول المثقب العبدي في محبوبته فاطم:

فلا تعدي مواعد كاذبات   تمر بها رياح الصيف دوني

17- ريح عجاجة: كقول بشر بن ابي خازم:

فهزمن جمعهم وافلت حاجب   تحت العجاجة في الغبار الاقشم

18- ريح معصفات: قول امية بن ابي الصلت:

اذعن بها جوافل معصفات   كما تذري الململمة الطحونا

19- ريح ناجة: وهي الريح الشديدة ي قول طرفة بن العبد:

اربت بها ناجة تزدهي الحصى   واسحم وكاف العشي هطول

20- ريح هيف هزوج: هي الرياح الحارة التي لها صوت كقول تميم بن ابي مقبل

21- هيف هزوج الضحى بهو مناكبها   يكسونها بالعشيات العثانينا

اما اسماء البرق فهي تسمية واحدة لم ترد بأنواع وقد كانت العرب تشيم البرق فاذا كان وليفا استبشروا وانتظروا المطر واذا كان شاميا حسبوه (خلفا)[13]

و من اسماء البرق وعلاماته:

1-   قول عنترة العبسي:

كيف التقدم والرماح كأنها   برق تلألأ في السحاب الازكم[14]

2-   قول المهلهل بن ربيعة:

ذاك وقد عن لهم عارض   كجنح ليل في سماء بروق

3-   قول القطامي:

المحة من سنا برق رأى بصري   ام وجه عالية اختالت بها الكلل

4-   قول عمرو بن احمر:

ثم استمرت كبرق الليل وانحسرت   عنها الشقائق من تيهان والظفر

5-   قول أمرئ القيس:

اصاح ترى برقا اريك وميضه   كلمع اليدين في حبي مكلل

 

اما المطر: عناية العرب النجوم التي تصنع انواؤها المطر قديمة وان طقوس الاستسقاء قد تلاشت بعد بزوغ فجر الاسلام ..

و للمطر اسماء عديدة قد وردت في قصائد الشعراء كل اسم منها يعبر عن دلالة .. سأستعرض اشهرها حسب الترتيب الابجدي ..

1-   البكر: (المطر في اول الربيع) قول عنترة العبسي:

جادت عليه كل بكر حرة   فتركن كل قرارة كالدرهم .

2-   جعل: وهو السحاب الذي اراق ماءه، قول المسيب بن علس:

و الدهم كالعيدان ازرها   وسط الاشاء ململم جعل

3-   الحبي: السحاب المتجمع بغزارة قول أمرئ القيس:

اعني على برق اراه وميض   يضيء حبيا في شماريخ بيض

4-   ديمة: (الغيمة المحملة) النمر بن تولب:

اذا يجف ثراها بلها ديم   من كوكب بزل بالماء سجام

و قول أمرئ القيس في البيتين:

ديمة هطلا فيها وطف   طبق الارض تحري وتدر

فدمعهما سكب وسح وديمة   ورش وتوكان وتنهملان

5-   ذهاب: اسم المطر القليل، قول متمم بن نديرة:

سقى الله ارضا حلها قبر مالك   ذهاب الغوادي المدجنات فامرعا

6-   ذو برد: قول امرئ القيس:

و للسوط فيها مجال كما     تنزل ذو برد منهمر

7-   رشاش: (المطر الخفيف) قول قيس بن الخطيم:

اتت عصبة للاوس تخطر بالقنا   كمشي الاسود في رشاش الاهاضب

8-   رباب: (الغيمة الغزيرة) قول لبيد:

فافرع في الرباب يقود بلقا   مجوفة تذب عن السخال

و قول امرئ القيس:

يضيء ربابه في المزن حبشا   قياما بالحراب وبالاءلال

و قول عبيد بن الابرص:

سقى الرباب مجلجل   الاكناف لماع برقه

9-   الزحاف: هو السحاب السكوب قول الغنوي:

سقى كل ذكر جارنا من مؤمل   على الناي زحاف السحاب مسكوب

10- سح: قول عنترة:

سحا وتسكابا فكل عشية   يجري عليها الماء لم يتصرم

11- صهباء: تعني السحابة الحمراء قول الشنفرى الازدي:

فلها هباب في الزمام كأنها   صهباء خف مع الجنوب جحامها

12- طل: قول النمر بن تولب:

وحمر تراها بالفناء كأنها   ذرا كثب قد مسها الطل تهطل

و قول عمرو بن احمر:

تطايح الطل عن اردافها صعدا   كما تطايح من مأموسه الشرر

13- عهد: قول ابي زبيد الطائي:

اصلتي تسمو العيون اليه   مستنيرا كالبدر عام العهود

14- عارض ويمان: قول علقمة بن عبده:

سقاك يمان ذو حبي وعارض   تخف به جنح العشي جنوب

15- غمامة: كقول قيس بن الخطيم:

تبدت لنا كالشمس تحت غمامة   بدا حاجب منها وضنت بحاجب

و قول عمرو بن احمر:

يعلوا معدا ويستسقي الغمام به   بدر قضاء لفيه الشمس والقمر

16- غوادي: قول متمم بن نويره:

اذا مت فاعتاري القبور فسلمي   على الرمس اسقيت السحاب الغواديا

17- غيث: (اسم المطر) قول عمرو بن احمر:

حتى تناهى بها غيث ولج بها   بهو تلاقت به الارام والبقر

و قول زهير بن ابي سلمى:

رعى بغيث لادراك مناصفة   من الشتاء فلما شاؤه نقعا

و قول امرئ القيس:

و غيث كالوان الفنا قد هبطته   تعاون فيه كل اوطف جنان

18- غيبة: (دفقة من المطر) قول امرئ القيس:

و بات على ارطأة صف كأنها   اذا الثقتها غيبة بيت معرس

19- القطر: (اسم المطر) عند امرئ القيس:

كأن المدام وصوب الغمام   وريح الخزامى ونشر القطر

20- اقعر: هو السحاب الابيض قول المنخل الهذلي:

تمد له حوالب مشعلات       يجللهن اقعر ذو انعكاط

21- المطر، قول امرئ القيس:

 

و قول ربيع الفزاري:

و الذئب اخشاه ان مررت به   وحدي واخشى الرياح والمطرا

و قول اعشى باهلة:

تنعى امرءا لا تغيب الحي جفنته   اذا الكواكب حوى نوءها المطر

22- الوابل: (اسم المطر) كقول النابغة الذبياني:

و بات ضيفا لارطاة والجأه   مع الظلام اليها وابل سار

و قول امرئ القيس:

و ولى كشؤبوب العشي بوابل   ويخرجن من جعد تراه منصبا

و قول لبيد العامري:

و اردف مزنة الملحين وبلا   سريعا صوبه صوب العزالي

23- وسمي (اسم المطر) قول متمم بن نويره:

و اثر سيل الواديين بديمة   ترشح وسميا من البنت خروعا

و قول امرئ القيس:

و غيث من الوسمي حو تلاعه   تبطنته بشيظم صلتان

24- الهطال: وهو المطر الدائم، قول امرئ القيس:

ديار لسلمى عافيات بذي خال     الح عليها كل اسحم هطال

 

ج- الغرض الذي وردت به الصور:

بعد ان استعرضت انواع الاسماء التي وردت بها صوري الثلاث بشكل موجز لابد ان اعرج على الغرض الذي وردت فيه تلك الاسماء:

أ‌-       محاكاة الحبيبة والدعاء لها بالسقيا:

ان البرق يبعث في الرجاء اصواتا متواصلة كأنها فحل يهدر وحول الشاعر ابل مجتمعة، فيضيء السحاب الكثيف مبشرا بالسقيا التي تنتظرها الحبيبية لتخضر الارض ويزهو الزرع وتبزغ بعد لك الشمس، كقول لبيد العمري:

كأن ثقال المزن بين تضارع     وشامة برك من جذام لبيج

فذلك سقيا ام عمرو فانني     لما بذلت من سيبها لبهيج

و قول الرقش:

الدار قفر والرسوم كما     رقش في ظهر الاديم قلم

ديار اسماء التي تبلت       قلبي فعيني ماؤها يسجم

و النساء عندهم اربع منهن معمع لها شيئها اجمع ونهم تبع تضر ولا تنفع ومنهن صدع تفرق ومنهن غيث لعنع اذا وقع ببلد امرع [15]، فهم يشبهون النساء بالمطر المخصب عند نزوله على اي بلد ..

ب‌-نزول الغيث يثير الشجاعة: حتى قيل انهم اذا اخصبوا هاجت اضغانهم وطلبوا الثأر من اعدائهم وتمنوا ان يتصل الغيث حتى يغيروا على الملوك فيسلبون عروشها وكانت بداية لقتالهم في الخصب لا في الجدب كقول الحارث الايادي:

قوم اذا نبت الربيع لهم     نبتت عداوتهم مع البقل

ج- الصيد في شعر الفتيان: يتكون مشهد الصيد عادة من وصف لمكان اصابة الغيث[16]، فأمرع وراها بالزرع الذي يجتذب الوحش والقسم الاخر من مشهد الحصان، قول امرئ القيس:

و قد اغتدي والطير في وكناتها     لغيث من الوسمي رائده خال

تحاماه اطراف الرماح تخاميا     وجاد عليه كل اسحم هطال

و قول زهير:

و غيث من الوسمي حو تلاعه     اصابت روابيه النجا وهواطله

هبطت بمسود النواشر سابح     ممر اسيل الخد نهد مراكله

و قول لبيد العامري:

و غيث بدكدك يزين وهاده     نبات كوشي العبقري المخلب

اربت عليه كل وطفاء جونة     هتوف متى ينزل لها الوبل تسكب

و قول تميم بن ابي مقبل:

و غيث مريع لم يجدع نباته     ولته اهاليل السماكين معشب

د- وصف الديار: يصف المنازل وطلولها الدوارس فقد تعاورتها الرياح وغمرت معالمها حتى اصبح كالوشم[17]، قول عبد الله الغامدي:

لمن الديار بتولع ويبوس     فبياض ريطة غير ذات انيس

امست بمستن الرياح مفيلة     كالوشم رصع في اليد المكنوس

 

و قول النابغة:

ارسما جديدا من سعاد تجنب   عفت روضة الاجداد منها فيثقب

عفا اية ريح الجنوب مع الصبا     واسحم دان مزنه متصوب

هـ - ربط الصور بالكرام توقد النار في الليل وهب الريح عليها، قول لبيد:

و يكللون اذا الرياح تناوحت     خلجا تمد شوارعا ايتامها[18]

و – تجديد الديار والاطلال باثار الرياح والامطار: وذلك حين تقود السواري ليلا ونهارا حتى تفرغ ما في اسقيتها في اوعية الاطلال، قول لبيد العامري:

رزقت مرابع النجوم وصابها       ودق الرواعد جودها فرهامها

من كل سارية وغاد مدجن   وعشية متجاوب ارزامها

و جلا السيول عن الطلول كأنها     زبر تجد متونها اق65غلامها

ز- التفكير النفسي: يرى في صورها النعيم والعذاب والايجاب والسلب فليس في رتابتها ما يثير وجدان المرء فيجعل الرياح تنقب عن المعالم التي يبحث عنها الشاعر وقد جعلها البدائل عن بعضها فقد تناول امرئ القيس معاول الرياح لتصلح ريح الجنوب ما افسدته ريح الشمال حين سرت على جسد الطلل [19]:

فتوضح فالمقراة لم يعف رسمها     لما نسجتها من جنوب وشمأل

و يلقي لبيد نفسه على الرياح والامطار لكي تحمل معانيه وتجربته .

ح- التفريق بين الصور .. والميل بالمطر والسيول دون الرياح: لان الرياح تزيل الاثر وتعرقل السير للرحلة .. وان هي ازالت غم ودثار الطلل البالي انما في الحقيقة تزيل غم ودثار نفسية الشاعر فهي عوامل تجدد الامل في الحياة .

ط – الرحلة وعدم الاستقرار في المكان: لان الجفاف عندهم يقترن بريح السموم والمطر ينزل في مواسم وليس دائما فزادت حركتهم ورحلتهم بتواصل ولهذا قالوا في المثل (من اجدب جنابه انتجع)[20]، فهم يفتخرون بكثرة التطواف والتجوال لذلك يقول الاخنس التغلبي:

و نحن اناس لا حجاز بارضنا     مع الغيث ما نلقى ومن هو غالب

فهم لا يخافون احدا يتبعون الغيث اينما وقع [21] وربما كان اختيارهم الصحراء وتفضيلها انهم رأوا في المدن والابنية معرة ونقصا فالتحويط والابنية حصر عن التصرف في الارض [22] .

ي- الرثاء: في هذا الغرض تدل دلالة المزن والشتائم والخوف والعمر .. فالمهلهل يستهل الاطلال التي لم يطل الوقوف عندها ولا ذكر رحلة اهلها بالتفصيل وهو يسرع لوصف دموعه والامه التي تسيطر على صدره حزنا على كليب عندما يستذكره راثيا:

هل عرفت الغداة من اطلال   وهن ريح وديمة مهطال

و يقول:

كيف يبكي الطلول من هو رهن     بطعان الانام جيلا فجيلا

ك – الخوف من الصور الثلاث: عندما يسئم الشاعر الحياة ويمل البقاء ... ولا يقوى على حمل السلاح ولا يتحكم في زمام البعير ويخشى الذئاب وترتعد فرائصه من الريح والمطر .. فهذا ربيع بن ضبيع الفزاري يقول:

اصبحت لا احمل السلاح ولا     املك رأس البعير ان نفرا

و الذئب اخشاه ان مررت به     وحدي واخشى الرياح والمطرا

ل – التفاؤل والامل بالخصب والحياة: عندما تسف الرياح وينهمل المطر تعشب الارض وتمرع وتتحول الى مرابع لاسراب البقر فهذا النابغة يصف ذلك:

تعاورها السواري والغوادي       وما تذري الرياح من الرمال

اثبت نبته جعد ثـــــــراه       به عوذ المطاحل والمتالي

م – التشبيه بصور الريح والبرق والمطر: فقد شبهوا التراب الذي ذرته الرياح فوق الاطلال بالطحين المتناثر ومنه من يرى في الاثار البالية التي عفتها الامطار وغيرتها الرياح وكأنها سيف مغلل حده مثل قول طفيل الغنوي:

ترى جل ما ابقى السواري كأنه     بعيد السواقي اثر سيف مفلل

و قول الشاعر بشر بن ابي خازم:

قليلا والشباب سحاب ريح   اذا ولى فليس له ارتجاع

و قول عمرو بن قميئة:

و ما عيش الفتى في الناس الا    كما اشعلت في ريح شهابا

و قول عدي بن زيد:

ثم اضحوا كأنهم ورق     جف فالوت به الصبا والدبور

و قول لبيد العامري:

و انا واخوان لنا قد تتابعوا   لكالمعتدي والرائح المتهجر

و قد شبه امرئ القيس حركة البرق بمصابيح الرهبان ووصف السحاب وهو سيح الماء ووصف غزارته فيصبح سيلا متدفقا يكتسح البيوت ثم يصف جبلا غشاه المطر [23]

ن – صورة الموت مأخوذة من الطبيعة [24]: بعض صور الحياة والموت مأخوذة مباشرة من الطبيعة مثل صورة بطش الحيوان بالموت وتصور الدهر راميا يرمي ويصيد الانسان وتشبيه حياة الانسان العابرة بتألق الشهاب وكذلك الانسان رهينة للدهر .. وتصوير الموت بالماء .

س – تشبيه الدماء التي تسيل في القتال كالمطر عند دريد بن الصمة:

فما توهمت اني خضت معركة   الا تركت الدما تنهل كالمطر

د – العلاقة الجدلية بين الصور:

قد اوجد الشاعر صلة واضحة بين علاقات تلك الصور الثلاث فتكاد تكمل نقص بعضها فهي ترتبط ببعضها فتعمل على تكوين علاقة واحدة ولكن يبقى الخيار منها والغاية مختلفين .. فالريح لها دلالة الخير عندما تحمل رائحة الاحبة من الديار وهي عامل شر عندما تمسح اثرهم والبرق يعطي في برقته بشرى السقوط الغيث الذي يسقي عطش الارض فهو دلالة وعلامة خير ولكنه يتحول الى عامل خوف عندما يثير الناس والاحبة بصوته الشديد وربما يكشف البقرة وصفارها في عين الكلاب والصياد في رحلة الصيد فتكشف مكانها عن طريق الظلام الدامس فهو شر لا مهرب منه .

و المطر ايضا فهو عامل خصب وخير وعطاء ولكن لا ينفع عندما يزيل الاثر والذكرى ويساعد في تهديم الاطلال ..

لقد اوجد الشاعر صلة واضحة بين الفعل عفا ومشتقاته واندفاع المطر باشكاله (الملث – العيث رعدة في موضع والهطال في اخر حتى اصبحت الصورتان متلازمتان في حديثه فيأتي الفعل اولا ثم يعقبه حديث المطر بأشكاله المرسومة وهيأته المندفعة .

لقد وجد الشعراء في هذه الصور الثلاث ملازمة واحدة صاخبة اسهمت فيها المظاهر الطبيعية اتفاقا فنيا مقبولا وعملا شعريا متلازما اتحدت فيه اندفاعات المطر وهي تقع فوق الربع .

هل كانت الامطار وحدها كافية لتصفية الاثر ؟ لا ولهذا كانت الريح تعاونها في النحت وتقف معها في ازالة المعالم لذا استملوا الافعال (لعبت – ارب – تعاور) وكثيرا ما يحاول الشعراء ان يجعلوا للريح اصواتا كأصوات الحنين لتسهم في ايجاد الصورة المجسدة وايضاح الابعاد[25] الموحية في جعل الصورة متحركة من جهة وملونة صارخة من جهة اخرى ولاجل ان اثبت العلاقة الجدلية بين هذه الصور اخترت صورة لامريء القيس في ديوانه:

ديمة هطلاء فيها وطف   طبق الارض تجري وتدور

تخرج الودق اذا ما اشحذت     وتواريه اذا ما تشتكر

ساعة ثم انتامها وابل     ساقط الاكناف واه منهمر

راح تمريه الصبا ثم انتحى     فيه شؤبوب جنوب منفجر

لقد اجتمعت الصور ثلاثتها فكان الشاعر فرحا بها تلك الفرحة التي تزينت بها الاشجار وتوالت الامطار فما رد الفعل من الشاعر الا ان ينطلق بفرسه يمتع البصر والفؤاد بالطبيعة الرائعة، وهل يفضل الشاعر واحدة منها .. نعم ان المطر خير عطاء لابد منه ولكن هل يأتي دون الريح والبرق ؟

 

هــ - ما وسيلة الشاعر لاستخدام الصور ومناقضتها:

1-   ان الشاعر حين يستوحي الانواء لا يجعل منه مجرد مراة تعكس الظاهرة بما فيها من نشاط وحركة واضطراب فهو ليس مجرد شاعر وصاف وانما هو شاعر يعبر عن حياة كاملة لصنف خاص من الناس لهم لونهم المعين .. لذلك يبقى يتغنى بالمطر وان وصف السحاب هو احتفال بالحياة القادمة .

2-   في البرق خفقان لقلب الشاعر وفي الغيث سقي لعطشه وصوت الرعد صوت لاهدار ابله لهذا شبه ذلك احد الهذليين:

يجشن رعدا كهدر الفحل تتبعه   ادم تعطف حول الفحل ضحصماح

3-   لم يجعل الشاعر حديث المطر موضوعا منفردا بما قبله وانما يتصل بالصورتين الباقيتين ويبقى يتابع مشهد لوحته يقظا لا مرثيا الالفاظ لاجلها بل هو احساس بالطبيعة العليا والسفلى فما يأتي من السماء تلتقي به مكملات الارض فيتكلم عن الطير والظباء وربما الضفادع وهو يجمع شمل الطبيعة المتفرقة، مثل قول ابي ذؤيب الهذلي:

امنك برق ابيت الليل ارقبه   كأنه في عراض الشام مصباح

رأيت واهلي بوادي الرجيع   في ارض قيلة برقا مليحا[26]

4-   هذه التناقضات في اوقات سقوط المطر وهبوب الريح (ريح السموم – ريح الصبا) قد لا تدوم الا لايام معدودات ولا تهطل الامطار الا في مواسم معدودة .. هذه الوسائل تزيد الجاهلي حركة ورحلة من مكانه .

5-   رد الفعل الذي يملكه في صراعه مع الطبيعة بما يمتلك من وسائل عندما يبرق البرق ويبعث اصواتا من الرعد ترهب نفسه بقوة اعظم من قوتها فيخرج متحديا هذه الظواهر بالناقة التعبة والفرس الجامح والكلاب الهاجمة .. لانها متيسرات في حياته لتحدي الطبيعة .

 

الباب الثاني:

أ‌-       علاقة الصور الثلاث بالحيوان:

اذا وجد المطر وحركته الريح واثبته البرق فهل تخلو الارض من المستفيد الاول منه .. الانسان والحيوان، فقد ارى ان الانسان له كل شيء في الحياة فاترك علاقته مع الصور لأنها علاقة معقدة وطويلة واختار الحيوان .

1-   التلاحم بين الشاعر والناقة والمطر والناقة لقد اخرجها الشاعر وهي ترعى نشوانة مع ولدها بعد استقرار المطر وبزوغ الشمس وخصب الارض واخرجها بصورة اخرى تبتعد عن ولدها في شتات الرعي ووضع في نفس الوقت من يترصد حركاتها ثم يصور عقدتها في ظلمة حالكة بدخول الليل عليها وتساقط الامطار فقضت ليلها المظلم وسط هطول الامطار وهي تستظل باغصان الشجر اتقاء البرد والمطر، قول الاعشى:

يعلو طريقة متنها متواتر   في ليلة كفر النجوم غمامها

تجتاف اصلا قالصا قنيذا     بعجوب اتقاء يميل هيامها

و يحاول ان يدلل من خلال تلك العلاقة باجتماع ضياع ولدها وظلمة الليل وشدة المطر وتكالب الاعداء .

2-   الظليم والنعامة: فالظليم هو ذكر النعامة وقد يصف الشاعر صورة مع ما يرتبط مهما من علاقة ففي قصته عنهما يصف الطبيعة الخصبة وخروج النعامة للرعي ويوشك النهار على الرحيل ويدخل المساء فتغرم على العودة، كما في وصف علقمة الفحل:

حتى تذكر بيضات وهيجه       يوم رذاذ عليه الريح مغيوم

3-   يصور امرئ القيس حصانه مباريا للريح اطراف الجهات:

يجول بافاق البلاد مغربا وتسحقه ريح الصبا كل مسحق

و قول المرار بن منقذ:

و اذا نحن حمصنا بدنه     وعصرناه فعقب وخصر

يؤلف الشد على الشد كما     حفش الوابل غيث مبكر

 

4-   وهناك تشبيهات جديرة بالذكر تركز على علاقة الصور بالحيوان منها:

أ‌-       تشبيه السحاب بالابل واختيار البارك منها في قول ابي ذؤيب:

كأن ثقال المزن بين تضارع     وسامة برك من جذام السبيج

سقى ام عمرو كل اخر ليلة     حناتم سود ماؤهن شجيج

ب‌-تشبيه الرعد بالفحل .. قول ابي ذؤيب:

يجيش رعدا كهدر الفحل تتبعه     ادم تعطف حول الفحل فخصاح

ج- وصف السرب مع الغيمة كقول لبيد:

فافرع في الرباب يقود بلقا     مجوفة تذب عن السخال

د- علاقة الرباب بالحبش (الحمير) في قول امرئ القيس:

يضيء ربابه في المزن حبشا     قياما بالحراب وبالاءلال

هـ - وصف وثبات وحوافر الناقة بالسحاب عند امرئ القيس:

لها وثبات كصوب السحاب     فؤاد خطاء رواد مطر

و – اعطاء صفة الانوثة الى الغيمة قول عنترة:

جارت عليه كل بكر حرة     فتركن كل قرارة كالدرهم

ز – اعطاء بعض صور وجه المرأة الى السحابة قول قيس بن الحظيم:

تبدت لنا كالشمس تحت غمامة     بدا حاجب منها وضنت بحاجب

ح – تشبيه مشي الاسد برشاش المطر عند قيس بن الحظيم:

اتت عصبة للاوس تخطر بالقنا   كمشي الاسود في رشاش الاهاضب

ط – سرعة مشي الناقة بالريح عند ابي قيس بن الاسلت:

كأن اطراف ولياتها     في شمأل حصاء زعزاع

ي – وصف ذيل الحيوان واستعارة من الريح في قول ابي ذؤيب الهذلي:

فعنت ذيول الريح بعد عليهما   والدهر يحصد ريبه ما يزرع

ك – استعارة زحف الحيوان الى السحاب كقول محمد بن كعب الغنوي:

سقى كل ذكر جاءنا من مؤمل     على النأي زحاف السحاب مسكوب

ل – تشبيه حركة البقرة بالبرق الليلي البارز بين ظلمه كقول عمرو بن احمر:

ثم استمرت كبرق الليل وانحسرت   عنها الشقائق من تيهان والظفر

م – اعطاء الريح مناكب كأنها بقرة عند تميم بن ابي مقبل:

هيف هزوج الضحا سهو مناكبها   يكسونها بالعشيات العثانينا

ن – اعطاء الرامسات من الريح ذيلا عند النابغة:

كأن مجر الرامسات ذيولها   عليه حصير نمقته الصوانع

و مثله يفعل عبد الله بن سلمة:

و كأنما جر الروامس ذيلها    في صحنها المعفو ذيل عروس

مما تقدم قد رأينا الشاعر الجاهلي يربط علاقات الصور الثلاث الريح، البرق، المطر بحركة الجزء المكمل لها الحيوان فالعلاقة ليست جدلية بين الصور لوحدها وحسب بل بينها ايضا وبين الحيوان ..

 

صورة امرئ القيس ..

من خلال رحلتي مع ديوان امرئ القيس المتكون من 34 قصيدة والمتكون من 637 بيت من الشعر فقد وجدت فقط تسعة وعشرين بيتا في وصف الريح والبرق والمطر وقد تخلو بعض القصائد من تلك الصور وربما ضاعت تلك الابيات التي تحملها ..

و اذا شئنا الدقة والتحليل والتعليل فان الطبيعة المصدر الاول الثابت امام الشاعر اذا ما تغيرت المصادر الاخرى كالمرأة والناقة والدار ووجد البديل عنها .

يلجأ الشاعر الى الطبيعة وهو يحمل الخوف والحزن والفرح ويزاوج بينها بعد التأمل وبث الاحزان والاشجان فيصبح مفتونا بها ويستعمل لغتها ويصفها حية لما عليها من حيوان ونبات وكل جزء منها يعطيه قيمة كبيرة فالحيوان يكنيه، كالأسد (ابا الحارث) والثعلب (ابا الحصين) والفرس (ابا مضاء) والنعامة (ام وئام) والصور يعطيها تسمياتها ودرجات قوتها وشدة لحظاتها كما رأينا تسميات الريح العديدة ومثلها المطر .

و السؤال الذي نسأله هل افرد الشاعر الجاهلي في وصف الطبيعة قصائد خاصة ؟ والجواب لا بالتأكيد لانه عرض تلك الصور في ثنايا قصائده فقد يرعد الرعد ويبرق البرق وتهمي السماء وتغضب الريح فيصف هذه اللوحات المباشرة التي الهمته ايحاءا رائعا جادت معه قريحته فوصف حتى عدد البرقات فكأنه متهيء لحسابها فيقول رباب – وابل وقطر مع اللحظة المناسبة في ولادة قصيدته فلماذا ما كانت الكلمة واحدة ولماذا الريح السموم – الشمال – الصبا – الصيف ... ؟

ان هذه الصور اوحت لامرؤ القيس بالشعور بالعنف والقسوة فلعله يفجر السحابة المثقلة ويطش بها جفاف الارض (فيأتي المطر غامرا في بلاد عريضة وارض اريضته)[27]

و امرئ القيس وصاف الطبيعة الاول في الشعر الجاهلي ! كيف تعامل مع هذه الصور وكيف نظر اليها – فهناك عشرات الآراء قيلت تختلف في كل رأي منها في تفاعله الذاتي مع الصور واستطيع ان اذكر في هذا البحث دقة تفاعله معها:

1-   الغيث: جعله كريما قويا نبيلا يناصر الضعفاء ويهدد الاقوياء ويبطش بالفاتكين فقد لف الجبل واغرق الوحش ..

راح تمريه الصبا ثم انتحى   فيه شؤبوب جنوب منفجر

2-   صورة لهو وعلامة ترف عند الشاعر في مشاريع صيده وفروسيته فهو يبحث عن متحد قوي يناصره على غلبته من قتله ابيه، فقد سيطرت الطبيعة عليه تماما ولو لا غزله الفاحش ولهوه ووصفه لسميناه شاعر الطبيعة .

3-   لم يستعمل الطبيعة وسيلة للمديح مثل زهير بن ابي سلمى وقد يؤكد حسين عطوان (ان الشعر الجاهلي يزخر بقطع يصف فيها الشعراء مناظر الصيد ومن ابدعها واروعها صور امرئ القيس)[28]

4-   لم يصف الطبيعة بشكل تجريدي كما اشار الدكتور شوقي ضيف (اجاد بوصف الطبيعة المتحركة بما فيها من خيل وحش والطبيعة الصامتة بما فيها من امطار وسيول)[29]

اذن برزت عند الشاعر طبيعتان الجامدة والمتحركة ولم يقصد الشاعر بوصف الطبيعة بقدر ما ارادها وسيلة يشرح من خلالها قضيته من خلال التلاعب باشكال تلك الصور فيعمل على تضخيم السحاب بالكثافة وتشبيه برقة السماء بخطفة الاعداء الذين برقوا على قومه فخطفوا الابصار بسرعتهم ووصف حبائل الامطار التي فاض بها المكان .

و قد تحمل كل واحدة منها دلالة وترتبط بعلاقة جدلية مع بعضها فمثلما تقف نسمة الريح مغيرة للمناخ ومسببة حركة الارض ونزول الغيث فقد تنعكس ضدها قيم المدح والفخر والكرم لانها ثابتة لا تتغير في السراء والضراء ..

ان هذه الصور تضغط على الشاعر بدون انفراد وهي انماط تصويرية تعطي ايحاءات فلسفية مدركها ان الانسان البدائي نتاج مباشر للظواهر تلك جسما وروحا بل ان الطبيعة مصدر الوعي وينبوعه وللايضاح بدقة نقول ان الطبيعة مهما صغرت لا قوة لتغييرها بيد الانسان فهل وقف المناخ العربي مع الصحراء المجدبة نقيضا والقحط يهلك الحرث والنسل وتساقط الامطار بشكل كثيف يهلكها ايضا ... ولهذا انفردت الصفات لكل منها فصفة التراكم للسحاب والغزارة للمطر والقوة للريح .[30]

5-   شبه امريء القيس حركة البرق بمصابيح الرهبان ..

اصاح ترى برقا اريك وميضه     كلمع اليدين في حبي مكلل

يضيء سناه او مصابيح راهب     امال السبيط بالذبال المفتل

6-   شبه امرئ القيس نزول المطر بنزول التاجر اليماني وشبه ضروب النبات الناشئة من المطر بصنوف الثياب التي نشرها التاجر ..[31]

و القى بصحراء الغبيط بعاعة     نزول اليماني ذي العياب المحمل

7-   شبه امرئ القيس من المطر رجلا كبيرا سيد اناس قد تلفف بكساء مخطط ..

كأن ثبيرا في عرانين وبله     كبير اناس في بجاد مزمل

8-   كان من الشعراء الذين عنوا عناية فائقة بالصور الثلاث وصورها تصويرا بارعا، ومن هذه الابداعات:

1-   ارقت لبرق بليل اهل   يضيء سناه باعلى الجبل

2-   اصاح ترى برقا كأن ومضه   كلمع اليدين في حبي مكلل

3-   كأن ابانا في افانين ودقه   كبير اناس في بجاد مزمل

4-   راح تمريه الصبا ثم انتحى   فيه شؤبوب جنوب منفجر

9-   ابرز ما في وصف امرئ القيس الحصان والصور الثلاث، فقد اعطى للحصان العربي صفات ثبتت مع القصيدة طوال حياتها وللمطاردة والصيد جزءا من هذا الوصف، والوصف الثاني وصف الامطار وان وصف للامطار ليس عن البعد لانه يخرج الى الصيد [32]، ويريد بهذه العلاقة ان يربط بين المطر والحصان:

- وغيث من الوسمي حو تلاعه   تبطنته بشيظم صلتان

- وقد اغتدي والطير في وكناتها   لغيث من الوسمي رائده خال

- تحاماه اطراف الرياح تحاميا     وجاد عليه كل اسحم هطال

- وغيث كالوان الفنا قد هبطته   تعاور فيه كل اسحم حنان

و هو يرى بتفسير تلك العلاقة بين الفرس والصيد والمطر صلة واحدة)[33]

10- الالوان التي ركز فيها امرئ القيس وصف الصور وعلاقتها فقد كان السحاب اسحما مثل:

ديار لسلمى عافيات بذي خال   الح عليها كل اسحم هطال

و غيث كالوان الفنا قد هبطته     تعاون فيه كل اوطف حنان

11- صورة التناقض واحدة عند امرئ القيس مهب الريح والنار الشديدة:

و هبت له ريح بمختلف الصوا   حبا وشمأل في منازل قفال

12- اخذ المطر جسرا للاختفاء والوصول الى الهدف:

و بيت عذارى يوم رجف ولجته   يطفن بجباء المرافق مكسال

13- يجعل الريح متكلمة ويعطيها الصورة الادمية:

اذا ما جرى شأوين وابتل عطفه     تقول هزيز الريح مرت بأشاب

14- وصف حركة الحصان بحركة دفقة المطر:

و ولى كشؤبوب العشي بوابل   ويخرجن من جعد تراه منصبا

15- من يقدر ان يصف حركات السحاب والمطر غيره مما يشف عن نفس مثقلة بالأعباء بحث عن سعادة لا تجدها[34]

16- المطر عند امرئ القيس يكون رفيقا وليس مدمرا .. ويتفاءل معه بفرحته وهو ينطلق على فرسه:

فلما اجزنا ساحة الحي وانتحى     بنا بطن ضعف ذي ركام عقنقل

اذا التفتت نحوي تضوع ريحها   نسيم الصبا جاءت بريا القرنفل

17- اي شاعر يجمع انواع المطر في بيت واحد غيره ؟

فمدمعها سكب وسح وديمة   ورش وتوكاف وتنهملان

فالديمة المطر الدائم والتوكاف القليل من المطر .

18- من يجمع بين البروق والمزن غيره ؟

تشيم بروق المزن اين مصابه   ولا شيء يشفي منك يا ابنة غزرا

19- يضيف الماء الى السحاب:

بماء سحاب زل عن متن صخرة   الى بطن اخرى طيب ماؤها خصر

20- ان المطر تلاقح مع الارض والمرأة هي الارض والرجل هو المطر[35] وهذا ما اراه في شعر امرئ القيس .

 

صورة عبيد بن الابرص ...

يسمونه استاذ امرئ القيس وتلميذه ولا اكاد اجد فرقا بينهما في محاكاة الطبيعة فقد عنى بها كلاهما واضافا لها موسيقى عذبة وحيوية رائعة فهما بحق يستحقان لقبي وصافي الطبيعة وشاعري الريح والبرق والمطر .

و مما يزيد هذه السطور تأكيدا قول الدكتور اياد عبد المجيد عندما اخترت مع امرئ القيس الشاعر علقمة الفحل فامرني ان اتركه واختار عبيد بن الابرص وكان اختياره صادقا .

و مما يؤيد هذا اكثر قول الدكتور سيد حنفي حسين: (لا يستطيع من ينظر في ديوان عبيد بن الابرص نظرة فاحصة محققة ان يعتقد ان كل ما جاء بهذا الديوان هو لعبيد)[36] .

فهناك علاقة فنية واضحة بين الشاعرين وليس هذا من العجب فكلاهما ولدا البيئة العربية والصحراء الواسعة والمجتمع الواخد .

فلو وصلنا من شعر عبيد شيء اكثر مما سجله الرواة لكان من المحتمل ان نكشف عن الاثر الذي تركه عبيد ونشعر ايضا بان الصور التي عبر بها عبيد من احاسيسه كانت مصدر الهام لأمرئ القيس مثل صورة وصف البرق التي يقول فيها عبيد:

صاح ترى برقا بت ارقبه     ذات العشاء في غمائم غر

و امرئ القيس يقول:

اصاح ترى برقا كأن وميضه   كلمع اليدين في حبي مكلل

و قد نجد عند الشاعرين مغامرات اخذت هذه الصور بتركيبها العميق ولكن امرئ القيس يوهب الصور ابداعا ودقة في التصوير فقد يصف عبيد السحب البيضاء الممطرة كأنها مصباح النبيط[37]، وامرئ القيس وصفها مصابيح الرهبان:

يضيء سناه او مصابيح راهب     اهان السليط في الذبال المفتل

و قد صدق ابن سلام عندما وصف عبيد بن الابرص: (من اقدم الفحول وقديم الذكر عظيم الشهرة يصف الهوادج بالوانها المزركشة وثيابها الفضفاضة المختلفة الانواع)[38] .

و لو اخذنا لاميته الرائعة التي يزجر بها نفسه عن البكاء في ديار حبيبته التي درست اثارها ولم يبق منها سوى نؤى بال ويعدد ما بدلها من رياح وسحب ومطر .. فهو كسير النفس ذاهب العقل [39]:

قد جرت الرياح بها ذيلها     عاما وجون مسبل هطال

حتى عفاها صيت رعده       راني النواصي مسبل وابل

فالجون سحاب متراكب والصيت هو الرعد والوابل المطر الشديد وقد نلحظ ان عبيد يهتم بالتقاليد التي نجدها عند امرئ القيس فهو يحصي في مقدمته الديار وما حدث بها من تغيير ويعطي للرياح صوتا حين تنحرف يقرأها في اسراب النعام فهو يشارك امرئ القيس في رسم المقدمة الطللية وبأجزائها ثم يعقب على بداية الرحلة:

امن منزل عاف ومن رسم اطلال   بكت وهل يبكي الشوق اقبالي

ديارهم اذ هم جميع فاصبحت     يسايس الا الوحش في البلد الخالي

و قد يقف عبيد مع وصف الثور ايضا ويسميه الشبب ولكنه يصفه اضعف من الريح في قوله:

او شبب يحفر الرخامي     تلفه شمأل وهبوب

و رغم ان صور الريح والبرق والمطر قليلة في البائية التي اشتهر بها فهو يذكر تلك الصور في قصائد اخرى بعمق ودلالة .

 

مقارنة بين الصورتين:

1-   صور امرئ القيس اقدر من غيرها على اختزان الشحنات العاطفية وبثها في روح المتلقي لانه يوظف لها الاحساس والخيال والعاطفة فتكتمل صورتها اكثر من عبيد .

2-   صورة امرئ القيس كانت تأتي مع ومضة المعنى لهذا كانت متينة في صرح القصيدة لهذا يقول يوسف خليف: (ان صوره طبيعية بسيطة غير معقدة) [40] اما صورة عبيد فاقل منها شأنا .

3-   عند الشاعرين اطلق الجدب جناحه في الطلل فطار بمراحل الطبيعة وصورها وهذا الانطفاء عندهما انهدام حضاري [41] .

4-   سيطرة الطبيعة على الشاعرين وان اخترنا ابا لها فهو امرئ القيس ومن بعده عبيد .

5-   كلاهما يعزفان من خلال الريح والبرق والمطر على اغاني الروح وترانيم الاسى .

6-   مغامرات امرئ القيس اكثر مما لعبيد فنراه قد ربط المشاهد مع حركته الكثيرة ولابد من خبرة المعايشة من ابداع .

7-   كلاهما يصوران وتبقى الدقة والتشخيص والابداع لأمرئ القيس اكثر من صاحبه .

8-   ان امرئ القيس شب في ديار بني اسد بالقرب من تيماء وان عبيد بن الابرص كان يعاصره [42] وقد اشتهر كل منهما بوصف المطر واحسانهما فيه .

 

الاستاذ الدكتور صدام فهد الاسدي

.......................

[1]- الزمن عند الشعراء العرب قبل الاسلام، ص39 .

[2]- الحيوان، ج4، ص466 .

[3]- المفضليات،ص206 .

[4]- المفضليات، ص206 .

[5]- العهد: اسم من اسماء المطر .

[6]- الزمن عند الشعراء العرب قبل الاسلام، ص41 .

[7]- شعر الهذليين في العصرين، ص363 .

[8]- نفس المصدر، ص364 .

[9]- الزمن عند الشعراء، ص16 .

[10]- الجمهرة، ص845 .

[11]- شعر الهذليين في العصرين، ص .

[12]- الجمهرة، ص741 .

[13]- مر ذكره في شعر الهذليين، ص363.

[14]- الجمهرة، ص462 وما بعده .

[15]- الزمن عند الشعراء، ص218 .

[16]- الحياة والموت في الشعر الجاهلي، ص218 .

[17]- خصوبة القصيدة الجاهلية، ص85 .

[18]- ديوان لبيد، ص178، والمعلقات السبع للزوزني، ص248 .

[19]- خصوبة القصيدة الجاهلية، ص209 .

[20]- مقدمة القصيدة العربية، ص47 .

[21]- مقدمة القصيدة العربية، ص48 .

[22]- نفس المصدر .

[23]- ديوان امرئ القيس، ص24-25 .

[24]- الحياة والموت في الشعر الجاهلي، ص354 .

[25]- في الادب الجاهلي، ص150 .

[26]- شعر الهذليين، ص343 .

[27]- الاصول الفنية في الشعر الجاهلي، ص245 .

[28]- مقدمة القصيدة الجاهلية، ص179 .

[29]- العصر الجاهلي، ص256 .

[30]- الفروسية في الشعر الجاهلي، ص42 .

[31]- شرح المعلقات السبع، الزوزني، ص46-48 .

[32]- في الادب الجاهلي، ص257 .

[33]- نفس المصدر، ص258 .

[34]- الاصول الفنية في الشعر الجاهلي، ص224 .

[35]- رأي رائع طرحه الدكتور اياد عبد المجيد في المحاضرة 23/11/1993م .

[36]- الشعر الجاهلي مراحله واتجاهاته الفنية، ص53 .

[37]- النبيط: اولئك القوم الذين عرفهم الجاهليون يسكنون فلسطين وغالبا ما كانوا من المسيحيين .

[38]- طبقات فحول الشعراء، ص23 .

[39]- مقدمة القصيدة العربية، ص86 .

[40]- مقالات في الشعر الجاهلي، ص132 .

[41]- نفس المصدر .

[42]- العصر الجاهلي، ص248 .

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3354 المصادف: 2015-11-11 09:13:46