المثقف - قراءات نقدية

قراءة فى القصة القصيرة: رسائل الموتى للأديب العراقى عبد الكريم الساعدى

mohsin altokiنص القصة: قبل أن يلتهمه شبق الطريق الممتدّ نحو البحر، ويسدل النهار ستار التلاشي، رمقت عيناه غيمة شاردة في اللااتجاه، خطواته التائهة ارتدت مئزر المجهول، خطوات بعثرها الخوف والحيرة، يرافقها صدى صوت منبعث من انكسار طبقة الملح المغطّية وجه الأرض، الأرض قطعة من ملح عالقة بغفوة أطلال منسيّة، مترعة بالوحشة والغياب، عيناه المكحّلتان بالضباب، الأحلام البائسة، تستحمّ بأمل العثورعلى وحدته العسكرية الجديدة، لا ملاذ يرتجي غير خنادق يسكرالموت فيها، كلّ شيء مفزع، وحده الطريق يرافقه والغيمة الشاردة صوب المجهول، أصوات انفجارات ودوي المدافع ليس بعيداً عن مسمعه، أصوات اختلطت بصفير الرياح الموحشة، صفير يشجيه خوفاً خانقاً كلّما أوغل في تفاصيل الاحتمالات، حفر كثيرة وعميقة منتشرة على امتداد المكان، كأنها بثور تشكّلت فوق خدّ صفعه الطاعون، حفرتها القنابل الآتية من شرق الأرض وغربها، حفرتها آلة الحرب والخراب بلا مبالاة، شقوق الأرض الملتصقة بحافة الطريق، تلوذ بأشلاء متناثرة هنا وهناك، تتشكّل جسداً يشهق بأنين الموتى، يفوح بعطر متخم برائحة الدخان والشواء، يصدح بهتاف بلّله العطش، كان الجسد جندياً معمّداً بالموت، تشكّل من أشلاء شتّى، كان طرفه الأيمن يقبع في جيب بسطال أحمر، أقصر بقليل من طرفه الآخر الذي علّق به حذاء أسود، لوّح له بيدين غير متناسقتين، كلتيهما يمين، يخيل إليه أن الجسد جحافل من رفات، تحمل رأساً ذا عيون كثيرة، قابعة في محاجرها، جسد مخيف لا يشبه إلا ظلّه الزاحف سعياً خلفه، أطلق صوتاً محموماً مختنقاً بالجراح، كان الجندي يرعى براري الملح وخوفه من المجهول قبل أن يدركه الصدى، انتفض فزعاً يحتمي بخطواته المرتعشة بالرعب، الطريق يضيق، أكوام الملح تخبط عينيه، الحفر باتت مغارات تتستّر بقناع الفجيعة، كان الصوت موشّى بتمائم النسيان، تقطر منه دموع أطفأت مسامات الخوف وهشّمت الحجب الخفية، تسفح ما تبقى من سنين العمر المعلّقة على هدب، يحمل عويل المسافات، يعبر الجندي أضلع الخوف، يعانق وجه التساؤلات التي أطلقتها جحافل الرفات، المسافة بينهما ساكنة، اختزلت ضباب الضجيج، كان البوح يرتدي نشيج الشوق إلى أحلام معلّقة في الهواء، أحلام معتّقة بالنسيان، مرتبكة بظلال الدخان المتصاعد من حرائق الحسرات والندم، كانت التساؤلات تنتقل من العيون إلى عيني الجندي خبباً، عيون تلعق وجه الأرض، غائرة في زوايا من حجر، تسلّقت مرايا الموت، تؤطرها أقراص معدنية متدلّية من عنق سلسلة فضية، موشاة بقطرات دماء جفّفها ملح أديم الأرض، أقراص تبرق بأسماء أصابها الصدأ بعدما أخذ الجسد شكل الماضي، منفصلاً عن ظلّه، تحمله جحافل من الرفات، تمترس ببقايا وطن معلّق برمش ارتجاف الأرض، وطن يبحث عن رأسه،

- أيّها الجندي، تمهّل، إلى أين؟

كان الصوت مخنوقاً بوجع الهزيمة:

- ارتجي دليلاً إلى وحدتي.

- لاشيء غير الهاوية، بروق الموت تعبث بضفتي النهر.

- لابدّ من الرحيل أو الموت، أنا مدرك أنّ فرقة الإعدام خلفي، لاخيار لي. - تمهّل، إنّك تسير على سطر من الألغام وسطر من الأجداث، الطريق يتناسل موتى ولم يعد لخطواتك معنى، كلّ الخطوات متشابهة عند شجيرات الحنّاء المتيبسة، وبساتين النخل التي أصابها الظمأ.

بدأ يتقبل فكرة الانتظار، تسلّل من بين أنامل خوفه طيفاً، يلوّح له عن بعد بكركرات أطفاله، ظلّ عباءة امرأة هدّها القلق، شبح بيت تحمله أنقاض العوز والحرمان، لم يعد مواصلة الطريق أمراً مألوفاً لديه، فربما يحمله الخطو إلى مساءات مسكونة بالأمن، فيغفو كطفل تحت دثار الحكايات. تسوّرته أيدي الرفات بفرح، ألقت إليه حقائب مملؤة بالجراح، أسمالاً كان الموت معلقاً بها، رسائل توارت خلفها أسرار خفية، بلّلتها دموع الفراق، مطوّقة بالأقراص المعدنية وظلال صور، مزّقت إطارها رصاصات تائهة، تبحث عن مأوى، فكانت هي المأوى. وقبل أن يتدارك موته همست الشفاه بصوت واحد:

- لاتنسَ، إنّا كنّا لعبة الموت، وبين كومة ملح وأخرى كان موتنا، وأنّ أجسادنا مازالت هنا.

وبعد إن يمّمت عيناه النهايات ونطقت خطاه بألم الثّرى وعري البراري، تساءل بدهشة،

" ( كيف يذعن الموت لكلّ هؤلاء القتلى؟ وكيف يمضي الضجيج، بينما يبقى كلّ هذا الألم؟) "*.

ومضى، تسابقه الخطوات، بيد أنّ الأسماء ظلّت هناك، تلوّح بالغياب.

*عبدالعزيز موافي / ديوان شعر ( 1405 )

 

القراءة

تجربة الفقد، واحدة من أقسى التجارب الإنسانية .

التيه .. أن تختلط الاتجاهات، فلا يصير لها معنى ولا دلالة، وتفقد الدليل، والمورد والأمان .

عبد الكريم الساعدى لا يكشف التجربة كاملة، إنما يعطيك ملامحها، ويقودك فى دروبها بإشارات ودلالات تعمق فى وجدانك الأثر المطلوب . هو لا يحكى قصة جندى فرد، ولكنه يسلط الضوء على فعل الحرب وما يتركه من شرخ عميق ليس فى النفس الإنسانية فقط، بلا فى جوهر الحضارة الإنسانية ذاته .

والفقد فى النص لا يقتصر على كونه فقدا ماديا يتعلق بالأمكنة والاتجاهات، لكنه أيضا فقدا نفسيا يتعلق بافتقاد المعنى والأمان . فالجندى الذى يبحث عن وحدته الجديدة يتقدم بوجل مابين (الغيمة الشاردة فى اللاتجاه) على مدى البصر، وبين فرق الإعدام التى تقتفى أثره . وهو محير مابين المراوحة فى المكان فرقا من المجهول، ومابين التقدم فرارا من الخطر المحدق .

ولا تفارق تلك الازدواجية سياق السرد، يظل المتلقى طوال النص يعاين حالة التوتر فى تلك المنطقة بين المطرقة والسندان . وعبد الكريم يجيد مهارة الاحتفاظ بقارئه فى تلك المنطقة الخطرة مهما انتقل فى السرد .

لا ملاذ للجندى فى طريق البحث عن وحدته غير خنادق يسكر فيها الموت، والسكر حالة من حالات النشوة . فما العلاقة بين النشوة وبين معالم الفزع وأصوات الانفجارات ودوى المدافع، وصفير الرياح الموحشة، والأشلاء المتناثرة، والهواء المتخم برائحة الشواء والدخان.

نلمح الموت المتربص فى الجملة الاستهلالية (قبل أن يلتهمه شبق الطريق الممتد نحو البحر) .. فالجندى يسعى إلى حتفه غير المبرر إلا على ضوء الجدلية التى تفترض أنه ليس إلا وقودا لشهوة مستعرة لكائن غير ذى ملامح . اذ هو ليس كائنا ماديا، إنما هو ذلك الميل الانسانى الى تدمير الذات والذى يشكل سمة من سمات الحضارات والتجمعات الإنسانية .. ثنائية (الأيروس / والثاناتوس) المترنحة مابين غريزتى الحياة والموت . فنحن لا ننتبه الى عمليهما طالما كان قاصرا على الداخل، إنما نفطن إليهما حينما تتجهان الى الخارج، فتميل الأولى الى البناء والارتقاء بالجنس، بينما تتحول الثانية الى نزعة تدميرية غالبا مايكون وقودها البسطاء الذين يساقون الى حتفهم دون غاية تمدهم ولو حتى بتعويض نفسى زائف .

لا يصل الجندى إلى البحر أبداً، إنه يخوض فقط فى دروب ومتاهات بطعم الملح، فالغيمة الشاردة فى اللاتجاه ماهى إلا الهزيمة التى تصبغ الوجود بطعم وملمس الملح .

والمشهد المضمخ بالأسى والفجيعة الذى يطالع المتلقى منذ أن يلتقى الجندى بالجسد المشوه على جانب الطريق هو مشهد يعبر عن مواجهة الذات، فالجندى التائه يلتقى بذاته بلا رتوش ولا أكاذيب، وحينها يتوقف خوفه، إذ تنبسط أمام عينيه حقيقة الأمر وجوهره .

فالجسد المشوه لجندى معمد بالموت لا يعبر عن شخص بذاته بقدر مايعبر عن النوع . فهو يبدو فى النص جحافلا من رفات شتى، يحمل رأسا ذى عيون كثيرة، هى رفات غائرة فى زوايا من حجر، تسلقت مرايا الموت، تؤطرها أقراص معدنية متدلية من عنق سلسلة فضية، إنها هويات كل الجنود الذين قتلوا لغير ذى سبب أو غاية، وما حصدوا إلا الهزيمة والهوان، يحركهم دافع مجنون يسكن وطن بلا رأس . والجسد المشوه معمد بالموت، فإن كان التعميد بالماء يقود الى الملكوت، فإلى أين يقود التعميد بالموت (كانت التساؤلات تنتقل من العيون الى عين الجندى خببا) .. تأتى اإجابة على لسان الجندى المشوه

لاشيء غير الهاوية، بروق الموت تعبث بضفتي النهر.

إنّك تسير على سطر من الألغام وسطر من الأجداث، الطريق يتناسل موتى ولم يعد لخطواتك معنى، كلّ الخطوات متشابهة عند شجيرات الحنّاء المتيبسة، وبساتين النخل التي أصابها الظمأ.

الإشارة إلى النهر، وبساتين النخل توحى بالمكان المضمر، فالكاتب يعزف فى الحقيقة على مواجع وطن، وهو فى سبيل رفع مستوى التجربة الى مستوى كونى شامل يغفل الأسماء والصفات، لكنه يمدنا بالعلامات التى تشى بمكمن وجعه الخاص .

يلتقى الجندى التائه إذن بذاته وقد تكشفت الحقائق . والحوار القصير الدال هو حوار بين الجندى وذاته التى تماهت مع مشاهد الخراب والضياع، والأشلاء التى تناثرت على طول الطريق لقتلى الحرب الدائرة . تنكشف للجندى ملامح القبضة العاتية التى تمسك بخناقه مابين أفق مجهول، وخطر محدق، تحت غيمة قوامها التيه والهزيمة .

وتقبل فترة الانتظار لا يعبر عن الوصول الى هدف، بقدر ماهو تسليم بواقع لا فكاك منه . فالحركة تساوى السكون، كلاهما محفوف بالمخاطر . إنه الانتظار الذى يتساوى مع العدم، فلا شىء سوف يأتى سوى المصير المحتوم . وهو مايشير إليه طقس التعميد بالموت . ويكون آخر ما يراوده هو خيالات وأطياف من وهم الوجود المعلق بخيوط الفناء . كركرات أطفاله، وظل امرأته التى هدها القلق، وشبح بيت تحمله أنقاض العوز والحرمان .

وقبل أن يتدارك موته همست الشفاة بصوت واحد : لا تنس أنا كنا لعبة الموت .

(وأننا جميعاً سوف نرحل)

بينما يبقى كل هذا الألم .

لا شىء سيبقى سوى الألم .

نص جميل بلغة سردية تراوح مابين وضوح الفكرة الذى يميز النثر، وبين تحليق الشعر الذى يحشد فى اتجاه تكثيف دفقة شعورية . فالمتلقى الى جانب استيعاب التجربة الشخصية المريرة لجندى يساق الى حتفه محروما من الدعم المادى أو النفسى، منقوع فى الأسى لشعوره بالضياع وعدم الفهم كونه يساق الى المذبح بلا قضية، يشعر ذلك المتلقى بما يشبه طعم الملح . فالملح مرتبط بالجفاف واليبس . وازدهار الحياة البيولوجية يتناسب عكسيا مع ازدياد نسبة الملح . فالملح فى النص هو المعادل لانسحاب الحياة، ونذير بالموت والفناء . وحرص الكاتب على توظيف لفظ الملح يشى برؤيته المتشائمة التى تصبغ التجربة . فنراه يورد اللفظ فى ستة جمل على مدار السرد . يجعل من الأخيرة جملة الختام (وبين كومة ملح وأخرى كان موتنا) .

نص جميل ثرى، لا تكفيه ككل نصوص عبد الكريم الساعدى قراة عابرة .

تحياتى لصديقى المبدع الرائع .

 

الناقد: محسن الطوخي

مصر

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3363 المصادف: 2015-11-19 23:53:54