المثقف - قراءات نقدية

دجلة والفرات ودلالتهما في الشعر العراقي

sadam alasadiاجد من نافلة القول ان اعرف النهرين بدلالتهما اللغوية، فدجلة يجوز تأنيثه على اللفظ وتذكيره على نية النهر وربما دخلته (أل) فيقال الدجلة وسمي بذلك لأنه غطى الارض بمائه حين فاض، اما الفرات هو الماء العذب جدا ً يقال ماء فرات ومياه فرات، والفراتان تعني دجلة والفرات، وقد ورد ذكر الفرات في القرآن الكريم في المرسلات (وجعلنا فيها رواسي شامخات واسقيناكم ماءً فراتا) ومنذ العصر الجاهلي احتل الرافدان مساحة في الشعر العربي وشغلا حيزا في قصائد الشعراء في مختلف الاغراض الشعرية فهذا الشاعر عدي العبادي يتوسل بالنعمان ليطلق سراحه:

منحتهم الفرات وجانبيه     وتسقينا الاواجن والملاحا

وقال في دجلة:

واخو الحضر اذ بناه واذ     دجلة تجبى اليه والخابور

والمعلوم ان الخابور نهران بهذا الاسم والمقصود في بيت الشاعر الخابور الأكبر ويعني رافدا ً من نهر الفرات، وفي العصر العباسي قال الشاعر العباس بن الاحنف في دجلة مقترنا ً عطر نسيمها بعطر فرز:

وجد الناس ساطع المسك من

دجلة قد اوسع المسارب طيبا

وقال البحتري واصفا ً انعكاس ضوء القمر على دجلة:

واذا دجلة مدت شاؤها     وجرت جري اللجين المنسك ِ

وقال مهلهل بن يموت واصفا دجلة:

لم انس دجلة والدجى متصرم       والبدر في افق السماء مغرب ُ

وهكذا وصل لنا فيض من وصف تقليدي حتى العصر الحديث تغيرت ملامح الرؤيا للنهرين العظيمين مع تلك الصورة التقليدية التي ابتدأ بها الكاظمي قائلا ً:

ويحسبني بماء النيل اروى     وبي ظمأ لدجلة والفرات

ومثله قال الشبيبي:

قتلى بدجلة منها دجلة امتلأ     ت والنهروان والانقاض والدررُ

وقال الدكتور البصير:

سلام على دجلة في البكور   وان طاب لي كل اوقاتيه

فثمة دلالات تولدت في رؤيا الشعراء منها:

 

1-      دلالات العطاء الدائم والخصب والسلام:

قال الدكتور عبد الكريم راضي جعفر مشيرا ً الى الارتباط القومي والتوحد العربي

يا ايها الشامخ المستقيم الذي عانقته

عذوق المحبين وان الشأم

يرتمي متعبا فوق عشب الفرات

وعندما يريد دلالة عاطفية يصف عيني حبيبته قائلا ً:

لعينيك طعم الفرات     وصوتك كالشعر في العرب الاولين

ولم يفت السياب ذكر الرافدين، ومشاهدته (دجلة الغضب) قال فيها شاكيا ً مما تلاقيه من جور وظلم

علموا دجلة الظلامات والغدر   فعادت ولا تفي عهد جار

وللشاعر علي جعفر العلاق دلالة قومية عربية:

ومضيت اصغي     مهرة مصرية   يصل الفرات انينها بالنيل

وللشاعر عبد الرزاق عبد الواحد شواهد كثيرة بتلك الدلالة:

يقيم الرافدان مناؤ ماء ٍ   يلوذ به مدى الزمن الضماء

وقوله:

اصبح الماء في لرافدين اشهى

صار اندى حتى هجير الرمال

 

وقوله:

الا لأن الرافدين كليهما

كانا شعاع الكون في ظلمائه

 

2-      دلالات التحدي والاصرار على تحمل المصاعب

قال عدنان الراوي:

وكم على دجلة السمراء لهم         سما ليل حسبنا هم شياطينا

وقال رشدي العامل:

ايهذا الوطن

كيف ترخي عيونك

والنهر يغلي دما ً والعناق

بين نهريك دجلة تأتي اليك ويأتي الفرات

وقال ايضا ً:

ها ذبلنا واذبل الفرات الشجيرات

ما عاد في الغضن ورد

وفي النخل عذق

حتى يصرخ مستغيثا ً بالرافدين:

ما زالت فوق مدامع النهرين اصرخ في بكايا

وحينا ً يعاتب رشدي الفرات قائلا:

هل صنعت من الجذور السمر فرشاة

ومن طلع النخيل زيتا ومن سعفاته ورقا

ومن زبد الفرات وطينه ماء نحيل

 

3-      دلالات اهل الرافدين وقيمهم وحبهم للسلام

قال عبد الرزاق عبد الواحد:

صقور الرافدين ولست ادعو   لمذبحة يعم بها الفناء

واشار الى نصر العراق وزغردة نسوته:

وما هلهلت بين الفراتين حرة     وما ماج موج في شواطئنا الخضرا

واشار الى اصالة النهرين وقدمهما قدم التاريخ

والرافدان هنا والشمس مذ طلعت

والراسيان عليها الثلج والغرب

 

4-      الدلالة الجماعية بحمل الهم للدفاع عن الرافدين

قال عبد الرزاق عبد الواحد

ونحن على مجرى الفراتين غابة       يعانقها مجرى الفراتين لاعبا

بلى ابصرت وجه الفراتين داميا ً   وما ابصرت وجه الفراتين شاحبا

ولكن للنخل العظيم اذا انتخى     هلاهل تذكي الرافدين حرائبا

ثم يتساءل متهكما ً بالاعداء الذين يتطاولون بعنجهيتهم على العراق:

والف عام مياه الرافدين كبت

وكل انهارها جفت مساربها

وقد وضع الشاعر حدا ً فاصلا لا مناص فيه:

وللفرات وزهدي من غواربه    ملاحم قط لم يغمض بها مقله

وكذا اطلقوا عدة تسميات على الرافدين، قال منذر الجبوري (الفرات الذي هجرته العروبة) وقال المرحوم كاظم التميمي (يا ايها الفارس المستحيل ) .

وبهذا الايجاز رأينا كيف نال النهران حظا ً وافرا ً من الانهار والتقديس فهما مرتل الخير والرزق والعطاء والنمو والراحة في نظرة جمالية دالة على الاستقرار وكذلك هما مصدران لفخر الشاعر بماضيه العريق وحضارته الخالدة وهما رمزان للتحدي ومن اجلهما تسيل دماء العراقيين انهارا ً، وهما يمثلان للشعراء موقفا ً من القوى المختلفة التي يتعامل كل شاعر معهما في اطار واقعة، كانت تلكح القوى مطلقة انسانية، كونية، تكشف عن اسرار تفاعله معها وتحرس ابداعه في بذورهما !! وبعد هل الرافدين بسمه محددة !! نعم انها البصرة الفيحاء في قول الشاعرة عاتكة الخزرجي

افيحاء يابسمة الرافدين   لقد هجت في الروح حنانها

 

الاستاذ الدكتور صدام فهد الاسدي

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3367 المصادف: 2015-11-24 00:34:36