المثقف - قراءات نقدية

تراجيدية أنامل الاحتفاء بالغياب

ahmad alshekhawiفي قصيدة "غراب البعد" للشاعر المغربي المخضرم محمد الزهراوي أبو نوفل، يُوضع المتلقي إزاء صدمة النص العنونة، مع التأكيد على أن اتجاهات الطقس العام للتجربة في سرديتها إنما ترسم ملامحها هواجس الصوفي والذي كلما قطع مسافات في العمر تسارعت روحه في التّشبّب والتوهج، وتـُرجمت معاناته إلى لوحات من البوح النابض بحمولة تماهي الفني مع الإيديولوجي، ملتمسا ــ بسلاسة ــ مسامات النفاذ إلى قلوب عشاق الكلمة المتسربلة بالمعنى الجديد.

أراها بِحاراً

بِرُموشِها الطِّوالِ.

عِنْدَها كُلُّ

شَيْء لِمَنْ أرادَ..

هذا المطلع يجترح من المفارقات الشيء الكثير، للبرهنة على أن الغياب هنا يأخذ ضمن أبعاد فلسفية دلالات الحضور القوي والمكثف، لهذه المُختزَلة في أكثر من تيمة كفنُها السواد ولا لون سواه حين تحاصر المرء مشاعر الاغتراب والمنفى في عقر داره هو.

إنها الغائبة المتجلية بحارا والمتمتّعة بشتى مناقب الكمال، فقط لحظة الإيمان بذلك، إنها مسألة إرادة وتبني قناعة ما قد تخول بعض الفكاك من براثين المأساة.

هِيَ تَعْرِفُني وتَعْرِفُ

ذُنوبِيَ الْكَثيرَةَ'.

وإِلَيْها كَمْ

جُعْتُ يايَدَ الشّعْر.

أُحِبُّ دِيارَها

وهِيَ بِلا بِلاد..ٍ

أُحِبُّها كَامْرأةٍ

لا شَكْلَ لَها..

امْرأةٍ بَعيدَةَ الشّأنِ

كَوْنِيّةَ الْهَوى

والْغِيابِ كَأنْدَلُسٍ.

ضمنيا نلفى مغزى العنونة موزّعا وإن بشكل فوضوي على جسد النص برمّته، بحيث يكاد لا يخلو مقطعا أو وحدة مما يهمس بذلك. هو مناخ استعارات كلية مستوحاة من المقدس، الأروع أن اقتراحها يحدث استنادا إلى قوالب حداثية، و في فرو باعث على الاستئناس بالمعنى المغاير وتقبّله دون أدنى مقاومة.

سابقا، الرؤية / الرموش، والآن، الذنوب الكثيرة، ولاحقا، البروز الخاطف للعنونة/الموت والقبر البعيد.

هذه الكونية التي تستحقّ الهوى كامرأة طيفية بلا أشكال أو حدود، اللهم ما يتسرّب من ذاكرة أمجادها الأندلسية، لينعش الذات الشاعرة ويمنحها نضارة السؤال اللحظي .

بعيدة الشأن هذه، على حدّ تعبير شاعرنا، والذي تعرفه وكأنه سيد كونه لا ينازعه أحد التسامي بمخيلة ما تنفكّ تجود بتوصيفات أسطورية تليق ومنزلتها ومقامها الوجداني، هي كمكتملة وغائبة / حاضرة، وهو كمتهم بالنقص تسجّله عليه كثرة ذنوبه.

 

رَأيْتُها وَحْدي

فيما لا يُرى

كانَ ذلِكَ

ذاتَ نَهارٍ'.

 

هي واحدية يختلقها حلم اليقظة أو واقعية الحلم، لإرباك ذهنية التلقي، والزّج بها في دوامة استفسارات تعالجها القصيدة عبر شذرات رمزية تلغي كل حواجز التظاهر وتقدم مطارحات أكثر عمقا وجرأة وطاقة على خلخلة إشكالية الغياب كما يصوّره الوعي بالحالة الإنسانية إذ تتقاذفها أسئلة الهوية والانتماء.

 

وقَديماً سَمِعْتُها

فيما لا يُسْمعُ.

أحِبُّها مَخْفِيّةً.

إذْ مُغْرَمٌ أنا

وأُحِبُّها تُحِبُّ

التّنَكُّرَ فأغْزُوَها

مِثْلَ مَجْهولٍ.

 

إنا بصدد حالة استثنائية، يتأتى من خلالها احتلال كل الأزمنة، ويرتقى المجال السمعي ويحتدّ غموضه وضبابيته لتغتدي الإيحاءات وقفا وحكرا على نرجسية ذاتية تدين ما هو قائم، يشف لها فرط الهوى والتتيم بالمنبت، حدّ إقحام نوع أو لون من التوأمة بين الفائت والمتجاوز والخفي والمجهول.

 

إنّها نَهْرُ انْزِوائِي

ولا أسْبَحُ

فيهِ إلاّ مَرّةً ؟

 

هو ليس انزواء مرضيا بكل تأكيد، بقدر ما هو أشبه إلى حدّ بعيد، بظاهرة إبداعية مترنّمة بلذة المرة في أبديتها حال يتعلق الأمر بالوطن إذ يمارس زئبقيته على منظومة التوصيفات ويأنف ويأبى إلا أن يعلو على شتى النعوت.

فلا هو، أي الوطن، امرأة ولا نهرا ولا أي من بقية العناصر الطبيعية الموغلة في هذيان شاعرنا.

إنها وبالمختصر المفيد، ذلكم المعادل الأنوي الذي في مقدوره تفجير هذا الزخم الباذخ من البوح كتعويض نسبي على الآثار السلبية اللحظية التي قد تخلّفها أحاسيس المنفى الرمزي والاغتراب إذ يخطّ تهويمات وإرهاصات البعد عن الذات.

ويدفع باتجاه خطاب تراجيدي تشكّل ألوانه وظلال متاهاته، إرادة الشاعر المتمرّس والمتمكن من أدواته، وفانتازياه في الإحتفاء بالحبيبة العجيبة جدا و الغائبة/الحاضرة.

 

أحمد الشيخاوي/شاعر وناقد مغربي

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3396 المصادف: 2015-12-23 01:19:32