المثقف - قراءات نقدية

ديوان (ضباب ليس أبيض) تفريغ لانفعال محبوس بين صراع وقلق

wejdan abdulazizمن خلال القراءات المتعددة للشعر العراقي، المكتوب بلغة الضاد نجده يتغير من حال الى حال، رغم خطواته الثابتة من ناحية اللغة الفصحى والحفاظ على انظمتها النحوية والصرفية والصوتية، الا انه يتقدم من خلال قصيدة النثر بلباسها الحديث الذي كان غير مرغوب فيه في عصر مضى، اما الان فاخذت حيزها وبدأت تؤسس قدرة على التميز واستيعاب الثوابت واستثمار المتغيرات، سواء في الشكل او المعنى، وخلال الشهرين الماضين قرأت الكثير من الدواوين لشعراء معروفين بالانتاج والتجربة اولا ومنهم من كان الاصدار الاول لهم ثانيا، ورغم اختلاف التجارب الشعرية، الا اني وجدت اللغة الفصحى الثابتة ومتغيرات الفنية التي اعطت معاني قصدية، اشرت لها في ديواني عارف الساعدي وعمر السراي في قراءتين منفصلتين، ورغم هذه القصدية توجد هناك معاني متخفية، ابدعا فيها الشاعرين، وكذلك وجدت معاني قد اشتغل عليها الشاعر حسن البصام في ديوانه الصادر حديثا، والان اتناول ديوان (ضباب ليس ابيض) للشاعرة غرام الربيعي، فوجدت فيه مباحث جمالية ايضا، الا انها امتازت بالخجل والوقوف الحذر .. فهي تقف بجمال امام ريشة الرسم وتتصوف في مهرجان الالوان، وتعطي اكثر بحرية، وحينما تقف امام الكلمة، تقف باجلال جمالي ايضا، ولكنها بتوصيف الحذر كما اسلفت، ولا اغالي حينما اقول انها ابدعت في جعل ديوانها يمتطي قصيدة الومضة الشعرية روحا وخصال المقطعية الشعرية شكلا، واني وجدتها قالت اشياء .. وصمتت عن الاكثر .. (من هذه المداخل نصل الى موضوع "الحداثة"لنقدم صورتها على انها معادلة ابداعية بين الثابت والمتغير، أي بين الزماني والوقتي، فهي تسعى دوما الى صقل الموروث، لتفرز الجوهري منه فترفعه الى الزماني، بعد ان تزيح كل ماهو وقتي، لانه متغير ومرحلي، وهو ضرورة ظرفية تزول بزوال ظرفها، وتصبح طورا يسهم في نمو الموروث، لكنه لايكبل الموروث او يقيده، وفي مقابل هذا الوقتي المزاح تأتي الحداثة لتقدم ـ مرحليا ـ معطيات تتفق مع علاقة المرحلة بالجوهري، فالحداثة ـ اذن ـ هي رؤية واعية لاقامة علاقات دائمة التجدد، بين الظرف الانساني، وبين الجوهري الموروث، وذلك من اجل استمرار العلاقة الابداعية للانسان مع لغته التي سيكون صانعا لها من خلال ما يضيفه اليها بديلا عن المتغيرات المنقرضة، كما ان اللغة صانعة له من خلال هيمنتها عليه بواسطة الثوابت الجوهرية)1، ومن منطلق الحداثة ومقارنتها في الوضع الاجتماعي للمبدع، وجدت نفسي تلقائيا امام مكتشفات علم النفس في دراستي لديوان الربيعي حيث (يذهب فرويد الى "ان الصراع هو منشأ عملية الابداع والقوى اللاشعورية التي تؤدي الى الحل الابداعي توازي القوى اللاشعورية التي تؤدي الى الاصابة بالعصاب، وبتعبير فرويد : "ان القوى الدافعة للفنان هي نفس الصراعات التي تدفع اشخاصا اخرين الى العصاب" وان الوظيفة النفسية للسلوك الابداعي ونتيجته هو تفريغ الانفعال المحبوس الناتج عن الصراع حتى يصل الى مستوى يمكن احتماله، ويستمد التفكير المبدع مادته من الاوهام المتقنة والمثل التي تنطلق بكل حرية والافكار المرتبطة باحلام اليقظة والعاب الطفولة، ويتقبل الشخص المبدع هذه الافكار المنطلقة بحرية، اما الشخص غير المبدع فانه يقمعها ويكبتها، ان الاثر الفني ـ عند فرويد ـ مثل الحلم يحمل معنيين احداهما ظاهر وثانيهما كامن، وهذا الاخير لايمكن كشفه الا باستخدام طريقة "التحليل النفسي" القائمة على التداعي الحر، ان الحلم تعبير رمزي عن رغبة لم تشبع في عالم الواقع، ومثله النشاط الفني"ومنه الادبي" .. هو"تعبير عن رغبة، وهذه الرغبة لم تجد تلبية لها في عالم الاشياء المحسوسة فانصرفت عنه الى عالم الوهم والخيال .. الفن، اذن، هو استبدال الغرض الواقعي الذي عجز عنه الفنان بغرض خيالي. ان تفسير فرويد طبيعة الصراع المؤدي الى العبقرية والابداع لايمكن فهمه واضحا الا في اطار نظريته العامة في تفسير السلوك)2، اذن اعتماد الشاعرة على القصيدة الومضة، جاء نتيجة للصراع الذي تعيشه مع الذات ومع الذات الشاعرة، وتبدأ بتكوين رؤيتها الخاصة .. تقول غرام الربيعي:

 

           1

(الاشجار باتجاه الريح

تشير الى اضغاث قصيدة

لاتدري على اية وجهة تنوح)

            2

(قصيدة نثر مصابة

بحمى الهذيان

تئن على أضغاث ورق)

        3

(انا المتمرسة بقلبك

أعلن

ان حبك ..

قضاء وقدر)

 

وهكذا في قصيدة (الغيمة الاولى والثانية)، حيث كانت المقاطع حبلى بالكثير ادمنت خلالها الوطن والحبيب .. وجاءت باخصر الكلمات، اما في الغيمة الثالثة وفي "مخاضات" تقول:

(هكذا نبضي يرتمي بين ملامح الزيتون

لاولد اكثر من مرة

تعلن امي جزعها

فتحررني .. بعد اقامة جبرية

أكتفي بصرخة واحدة

أعلن رفضي

فأستسلم

لجغرافية الوجود)

 

اذن منذ الولادة ، هي تعيش صراعا، وبقي يتصاعد هذا الصراع في الوعي، ليكون ابداعها رديفا لهذا الصراع ومن ثم تفريغ الانفعال المحبوس الناتج عن الصراع من خلال اللغة شعريا .. يقول ادونيس : (الشكل الشعري حركة وتغير : ولادة مستمرة .. الشكل الشعري الحي هو الذي يظل في تشكل دائم)، ونبحث هنا في شكل قصيدة الومضة، وممكن تعريفها انها (قصيدة الدفقة الشعورية الواحدة التي تقوم على فكرة واحدة أو حالة واحدة يقوم عليها النص, تتكون من مفردات قليلة, و تتسم بالاختزالية, و لا يتعدى طول هذه القصيدة الجمل القليلة التي تتشكل بطريقة لمّاحة واضحة سريعة)، ومن سماتها الاختزال الحكائي العالي واحكام التشكيل الشعري، ثم انها ترتكز على التكثيف والحذف والاعتماد على ما قل ودل من الكلام، الغاية من هذا اللون الشعري .. التعبير عن الذات الباحثة في هذا الكون المتلاطم في بحر من المتناقضات، الكتابة الشعرية الذاتية ليست انانية بقدر تمثيلها لخلجات الشاعر الانسانية وتشكيل قصيدة جديدة فيها اشكاليات القلق والصراع الذي ينتاب الشاعرة غرام الربيعي بقولها : (انتظاري واقفا/ علّ قلقي/ينزل من احدى العربات)، ورغم هذا القلق تبقى مسكونة بالحب كرؤية جمالية، وتتناص مع الكلام المقدس بقولها : (اينما أوليّ قلبي/فثمّة حبك)، والتناص يُعكس كصفة ثقافية على شخصية المبدع، وظلت الشاعرة تعبر عن قلقها الشعري من خلال صور حسية متحركة مثيرة بذلك بعض من اسئلة وجودية، فـ(الشعر ينحو منحى تأويليا فائضا)، اكثر منه منحى حقيقي ضمن الممكن ..وتعمد الشاعرة الى انسنة الاشياء لتخلق حوارا معها محملا بالكثير .. تقول:

(ينبض بالصراخ

قميص خاوي الجسد

أرواح تعزف في الهواء الطلق

نوافذهم تلهث وراء الضوء

سقوف احلامهم بالية

لاتجيد ارتداء الليل

يلتصقون بحواري

اقدامهم كحجر الخفاف

افخر عطورهم الباريسية الحناء)

   او

(الماء يتسكع

في جوف العروش

من سكنت محياهم الشمس)

 

وبالتالي فان النص الشعري الحديث يمثل حوارا دائما مع الاشياء، ويحمل قيما اصيلة متشابكة مع حركة الكون والحياة .. ليخلق اطرا تجتذب المتلقي وتبقيه متصلا مع النص، كخلق خصب .. فـ(اللّغةُ أكثرُ مِن وسيلةٍ للنّقلِ أو للتّفاهمِ، إنّها وسيلةُ استبطانٍ واكتشافٍ، ومِن غاياتِها الأولى أن تُثيرَ وتُحرّكَ، وتَهزَّ الأعماقَ، وتفتحَ أبوابَ الاستبطان. إنّها تُهامسُنا لكي نصيرَ أكثرَ ممّا تهامسْنا لكي نتلقّن. إنّها تيّارُ تحوُّلاتٍ، يَغمرُنا بإيحائِهِ وإيقاعِهِ وبُعدِهِ. هذه اللّغةُ فعلٌ، نواةُ حركةٍ، خزّانُ طاقاتٍ، والكلمةُ فيها أكثرُ مِن حروفِها وموسيقاها، لها وراء حروفِها ومقاطعِها دمٌ خاصٌّ، ودورةٌ حياتيّةٌ خاصّة، فهي كيانٌ يَكمُنُ جوهرُهُ في دمِهِ لا في جلدِهِ، وطبيعيٌّ أن تكونَ اللّغةُ هنا إيحاءٌ لا إيضاحًا)3، كما يقول ادونيس ..

 

وجدان عبدالعزيز

........................

مصادر البحث:

1 ـ كتاب (تشريح النص) عبدالله الغذامي / المركز الثقافي العربي الطبعة الثانية 2006م ص13ـ14

2 ـ كتاب (البحث النفسي في ابداع الشعر) ثامر حسن جاسم /دار الشؤون الثقافية العامة / الموسوعة الصغيرة رقم 222 بغداد 1986م ص35ـ36

3 ـ كتاب (مقدمة للشعر العربي) ادونيس /دار الساقي طبعة منقحة 2009م بيروت ـ لبنان ص70

 

4ـ ديوان (ضباب ليس ابيض) للشاعرة غرام الربيعي /دار ومكتبة عدنان /شارع المتنبي ـ بغداد ـ الطبعة الاولى 2013

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3398 المصادف: 2015-12-25 01:25:08