المثقف - قراءات نقدية

منفى العصافير ورواية كوثاريا

wejdan abdulazizالحقيقة التي لامناص منها ان الكاتب نعيم ال مسافر، قد خاض عدة تجارب كتابية، حقق من خلالها نجاحات لفتت له الانظار، وجعلتنا نتطلع له ككاتب يحاول ايجاد مكانة له في الساحة الثقافية، فهو شاعر وقاص، واخيرا خاض تجربة الرواية، هذا العالم السحري المغري والعميق الاغوار، والذي يتطلب شجاعة وحنكة في طرح افكاره واسقاطها على شخصياته.

فالشخصيات الروائية اما أن تكون واقعية من ازمان مختلفة ولها وجود عياني، او شخصيات افتراضية، خلقها الكاتب نفسه وحاول ترويضها من اجل أن تكون حاملة لخلجاته الانسانية وخارطة افكاره، ولا يعني هذا نوع من انواع القسر، أو جعل الشخصيات اسيرة لكاتب الرواية لكن، هذا الامر يتطلب تجربة عميقة للكاتب ومراس في مراقبة هذه الشخصيات وتحريكها وفق خطة معينة بغية الوصول الى عمل ادبي يحمل سمات الواقع وتجلياته وتأثيرها على مجمل حركة الشخوص، بما يجعلها قريبة من معقولية الطرح المغمس بالخيال.

ان أي نص ادبي يحاول ان يحمل سؤال، تتوالد من خلاله اسئلة اخرى، قد يكون كاتب النص غير معني بالجواب الاول وينشغل بالاجوبة التالية، مما يعطي للمتلقي فضولية البحث عن جواب السؤال الاول وهذا يمثل امتداد الحالة التشويقية للعمل الادبي السردي خاصة ..

 

وامامنا رواية (كوثاريا) للكاتب ال مسافر، والتي تدور فكرتها (موضوعها)، حول الانتقام والخيانة والبحث عن الذات، وجملة هذه الأمور تقوم على الصراع، حيث ان الكاتب قد تناص مع القص القرآني بأسئلة متوالدة عن سيرته كراوي والمملوءة بالألم والمعاناة والقلق الحاد والغربة والصراع الباطني مع الذات ومع الاشياء المحيطة ومع الأفكار والرؤى، فـ(ان ما تقدمه الممارسة الفنية من دلائل على التعالق والانفتاح لايمكن الا ان يحطم ذلك الانطباع السائد عن نقاء النوع الفني وان يخلخل نموذجيته المحددة وهويته الخاصة، يصح ان ينتج تلاقح الفنون انماطا من التهجين الاستيقي وانماطا من التناص)1.

كاتب رواية (كوثاريا) اعتمد استعمال ضمير المتكلم في روايته .. يقول الكاتب البرتومورافيا: (ان ضمير المتكلم هو وسيلة تؤدي الى توسيع وتعميق الرواية الى درجة غير محدودة، ففي الوقت الذي يكون فيه من الصعب جدا او مما يبعث السأم ان نجعل الشخص الثالث يقول اكثر مما يسمح مدى افعاله لا بل نجعله يقول ذلك بدون التدخل العفوي من قبل المؤلف، فانه من السهل والمشروع جدا ان يستسلم الشخص المتكلم للافكار والبراهين الناتجة عنها وما الى ذلك)2، فبقي الكاتب ال مسافر يلج الى داخل اذهان اشخاصه او نلاحظ سيادة وجهة نظره المبررة على مجمل احداث الرواية، ومحاولة التعايش مع شخصياته خطوة بخطوة، حيث اختار اسمائهم بعناية، بحيث كانت تعني الكثير كما كانت الكنى والالقاب مختارة اختيار يتلائم مع تدرج احداث الرواية، بحيث درس مخاوفهم السرية وآمالهم ودوافعهم الشريرة والنبيلة.

رسم مسارات باتجاه الحفاظ على حجم معين للرواية، وحاول ان يوائم بين البيئة والشخص والفعل والفكرة والحوار، لتكون هذه العناصر في ايقاع منسجم مع المعنى العام الذي يبتغيه، ورسم ايضا ابعاد شخصياته بطريقة الراوي العليم او المشارك وكان شاهدا على نموها الذاتي، وكأني بالكاتب قد اطلع على علم النفس ودرس شخصياته وتوجهاتهم ونوازع شخصية سمير - خاصة، هذه الشخصية العجيبة الغريبة في مجمل سلوكياتها من حب وكره وانتقام وما شابه ذلك ..

كان الحوار في رواية (كوثاريا) حوارا مدروسا يعطي عمقا لها رغم مباشرته احيانا، حيث كان حوارا بعيدا عن العبث بل يدخل في صميم العمل، (في كتابه "الحديقة البرية" يقول انغوس ولسون: "ان الدافع لكتابة رواية ينبع من رؤية متحدة وخاطفة للحياة").

بدأ الكاتب ال مسافر روايته باضاءة كانت الاطار العام للرواية وكما عند الادباء الكبار، يقول فيها: (قرب النهر في قريتنا النائمة بوداعة في مخيلتي كنت اذهب بوجبة الغداء لأبي الذي يعمل مزارعا في أرض مديدة الخضرة . اطلب إليه في كل مرة أن يحدثني عن قصة النبي إبراهيم من بين كل قصص الأنبياء التي يحفظها ويرويها لنا في الطفولة .

كانت هذه القصة تأسرني . استغرب حتى لحظتي أن يعلق إبراهيم الفأس في عنق مردوخ بدلا ً من تحطيمه كما الأصنام الأخرى .

السبب المعروف هو اتهامه بالتحطيم، حتى ُيحرج الكهنة وتتضح الحقيقة للناس المخدوعين بعبادة الأصنام . ما كان هذا السبب المُعلن يرضي فضولي، ولطالما تساءلت عن وجود سبب ٍ آخر جعله يترك هذا الصنم دون أن يحطمه .

ظل هذا السؤال يلاحقني بعد أ انتقلنا إلى مدينة كوثاريا اثر مقتل والدي على الساقية . فلم تسعفني الأجوبة والويل لمن لا تسعفه الأجوبة .)، هذه الاضاءة الزمكانية اصبحت مسرحا لاحداث الرواية، واعطت زخما كبيرا لموضوعها، فبين قصة ابراهيم وبين كوثاريا اثبت الكاتب لحمة الرواية، أي بين قصة الاصنام وبغداد الدائرية اوجد دالة بين الصنمية وتوالدها الدائري في المجتمع العراقي .

يقول الاستاذ الدكتور محمد صابر عبيد: (تخضع افعال النص في انساقها اللغوية ابتداءا الى المنطق الاسلوبي الذي يقوم بتوجيهها توجيها نسقيا بوصفها ظاهرة لغوية في المقام الاول هذه الظاهرة اللغوية التي يصفها ـ بلومفيلد ـ في هذا السياق بانها "سلسلة من المنبهات تتلوها استجابات تتحول هي الاخرى الى استجابات اخرى" في حركة دائرية تواصلية دائبة تنهض بها افعال النص وتقود كوننة النص وتفضئته بوصفه "قيمة نفسية وحدسية شاملة ومستقلة بذاتها")3، فدائرة الرواية تُفتح بسمير وتغلق بالراوي وهكذا ..

في مقطع اخر (أتفحص المكان بفضول شديد، مستغربا ً حصولهم على أثاث ثمين كالذي أرى وجدران بيضاء مطلية بعناية شديدة، نقوش وألوان متناسقة كلوحة فنان بارع وإضاءة جميلة تدل على ذوق رفيع .

ما لفت انتباهي أكثر من كل ما أراه، المكتبة الكبيرة التي تأخذ الركن المقابل وتغص بأنواع الكتب الثمينة المصفوفة بعناية على الرفوف . وهذا ليس أكثر نشازا من فوهات الموت المعدنية الباردة التي تملأ المكان . كل واحد منهم يمسك بواحدة ومجموعة منها قرب المكتبة . إحداها كانت تتكئ بقربي على المكتب، تحسست معدنها البارد عدة مرات أثناء استماعي لما يعرضه سمير علي وربما كانت تسمعني:

ـ يا لك من باردة، هادئة، صامتة، مخادعة، يمكنك تسخين برودتك وقذفي بحمم مميتة، انتزاع ملاءة الهدوء لإغراق كل من في الغرفة بحمم الضجيج والنار والدم خلال ثانية واحدة، تخرجين من صمتك بضغطة سبابة . ليعودوا بعد ذلك لشرب الشاي وإشعال سجائر جديدة وربما الضحك وكأن شيئا لم يكن .

ضغطة السبابة على الزناد عندهم كضغطة ظفر الإبهام التي كنا نمارسها على أي من خيول السجن البيضاء خلال سني السجن السوداء . لا مشكلة لديهم كلها ضغطات أصابع من نفس اليد والأشياء التي يضغطون عليها متساوية القيمة بالنسبة لهم . فمن تعود على تناول عقار السعادة، عقار مصادرة العقل، يمكنه أن يقوم بأبشع جريمة وعندما يُسأل عن ذلك...) هذه اللوحة اختلطت فيها الوان العذابات حتى تحولت سعادات القائد الضرورة الى عذابات لهم، بل تحولت كوثاريا الى سجن اصلاحي انتج من الاصنام المتحكمة في اقدار الناس ما فاق نتاج اصابع "آزر" وبالتالي فان الوضع المزري، قد زاد من ازدواجية الاصنام البشرية الصغيرة التي خلقها القائد الضرورة، وظهرت صورة اذهلت جميع الناس البسطاء منهم بالخصوص، وبانت صورة مدهشة وغريبة، من خلال ما نقله الراوي لازدواجية نبيل، تلك الشخصية المجرمة والموغلة بالاجرام، وهو يصلي بالاخرين وبخشوع ..

بقي الراوي ينقل لنا صورا اخرى عن سمير ونبيل وباقي شخصياته التي اختارها بعناية ووضع لها اسمائها الدالة والتي تحمل دلالات مغايرة لمعانيها اللغوية المتعارف عليها، ومن خلال الروي تتجرد شخصية سمير من أي معنى انساني وجمالي رغم غرابتها في حب فوزية، (فهو يحاول تقليد القائد الضرورة بكل شيء، مذ كان يشاهده على التلفاز ذو القناة الواحدة في بيت فوزية. كان يدخل في الشاشة يسير معه خلفه أمامه يفعل كل ما يفعله. يتحول إلى ظل له، يزور معه القطعات والقطعان .

الخراف أضاحي له ولضروراته الصغار المسعورين، الشياه جوار ٍ في مرعى الحرمان . يحصد السنابل لأنها مثقلة بالحبوب ومهمته المقدسة تقتضي أن يرفع الحمل عن كاهلها . يقتلع الزهور لأنها متلبسة دوما بجريمة الجمال، فما الفائدة المرجوة من رائحتها وهو يمتلك رائحة التفاح المتعفن. يجفف الأهوار بحجة أنها مليئة بالبعوض، ينفي ملايين العصافير لأنها تعكر مزاجه كل صباح بزقزقتها ؛ فهو يحب أن يستمع لأصوات طبول الموت وأصوات الفوهات المعدنية العملاقة . تخرجه فوزية من شاشة التلفاز بعد أن ينام فيستعيد في حضنها الدافئ كل ما شاهده مع الضرورة على شكل كوابيس .

ألا يمكن التخلص من هذا الضرورة ؟! مضى وبقيت ظلاله في الأرض، وأنى لنا الخلاص)، وظل الراوي يتحين الفرص للخلاص، لكنه بقي يتحول من محنة الى اخرى، وهو يعيش توالد الاصنام امامه، وتوالد الشخصيات المزدوجة، والتي تعاني من امراض مختلفة تتحول الى ارواح مجرمة، لاتعرف أي رحمة وتفهم أي منطق الا منطق القتل والاجرام، وبنصوص بلاغية موحية، كقوله: (ألحت علي أسئلة كثيرة عند تمرير خرزات المسبحة بعد الصلاة خلف نبيل . ركزت النظر عليها وهي تنساب بين أصابعي، أنسبت معها متنقلا بين خرزة وأخرى، سنة وأخرى، سجن وآخر . لكنها ملساء لا يمكن التشبث بها، كآمالي بالخلاص من ورطة التعامل من جديد مع هذه المخلوقات الممسوخة .

اختفت المسبحة التي كنت انساب مع خرزاتها فوقعت ُ في يدي الأخرى . شاهدت نفسي أجلس في راحتها بلا حول ولا قوة فأمرتها بالنهوض:

ـ قومي لمسايرته كما فعلت ِ سابقا ً بانتظار لحظة الخلاص .

لابد من وجود فرصة، في أحلك الظروف توجد فرصة، عندما تغلق جميع الأبواب وتقطع السبل يكون هنالك ضوء في نهاية اليأس . بصيص إن تمسكت به وآمنت أني أراه ستحصل المعجزة وأتخلص من قدر لعين اسمه سمير .).

كان الكاتب يشتغل حرا في لعبته على الحكاية وكان يغامر كثيرا ويحاول ان يتخفى لولا ان الاحداث التي يرويها كنا قد عشنا تفاصيلها نحن ام اخواننا واصدقائنا، لهذا نراها مباشرة، فكانت عبارة عن مذكرات بحبكة درامية وفعل قصصي رفعها الى مقامات سردية مهمة .. وبالتالي الى شكل روائي حمل بصمات الحداثة.

يقول الفريد هتشكوك: (الدراما تشبه الحياة الواقعية التي ازيلت منها الاجزاء المعتمة)، ويقول الدكتور عبدالله ابراهيم بدراسته المعنونة "مرايا سحلية" لرواية امين تاج السر: (يقتضي الحديث عن السيرة الروائية الى اهمية التجربة الذاتية عبر صوغ فني مخصوص يناسب متطلبات السرد والتخيل، ذلك ان المادة التي نفترض ان تكون حقيقية واصلية، لايمكن ان تحتفظ بذلك، فما ان تصبح موضوعا سرديا الا ويعاد انتاجها طبقا لشروط تختلف عن شروط تكونها قبل ان تندرج في سياق التشكيل الفني، وعليه لايمكن الحديث عن مطابقة بين الوقائع التاريخية المتصلة بسيرة الشخصية الحقيقية والوقائع الفنية المتصلة بسيرة الشخصية الرئيسية في النص)، من هذا نرى الكاتب ال مسافر يحاول المزاوجة، بين الواقعة التاريخية ودلالاتها الواضحة، محاولا الانسحاب منها الى مكونات لحظات سرديته في كوثاريا الرواية، ناقلا لنا الصراعات الداخلية له كمشارك ولشخصياته الاخرى في مقطع "العوق العظيم"، (ما إن يقوم كل منا بتحطيم أصنامه الداخلية حتى تقتضي عدالة كاتب السيناريو أن يُبعث إبراهيم جديد . كنت اسأل نفسي لماذا يعذبني بعوقي المزدوج هذا ؟ عرفت اليوم انه زودني بقوة كبيرة مكنتني من قهر هذا النمرود . لولا عوقي لما هزمت سمير اليوم، وفوت عليه فرصة النيل مني)، ثم يقول الراوي: (كنت اكره القتل فأول قتيل رأيته أبي . لكني في الحرب صرت أرى عددا كبيرا من القتلى ولا يهتز لي طرف . الكثيرين منهم ُيقتلون بيدي ؛ فقدري جعل صنفي في الجيش رامي مدرعة، لم يجعله سائق أو مخابر . بل رامي يموت الكثيرون بضغطة زر من إصبعه .

عندما أتفرس في وجوه الجنود الإيرانيين القتلى، أرى ملامحهم تكلمني، تعاتبني، لماذا تقتلنا؟ هل قتلنا أباك؟ سئمت عارهم فقتلته) .

 

يستمر الكاتب في مسلسل الصراعات رابطا بين الاحداث ربطا متماسكا مستثمرا المدينة المدورة كوثاريا ويقصد بها بغداد وعكسها على حيرته من الاحداث، وهو يصنع وثيقة ادانة لمرحلة الدكتاتورية بين دائرة الحياة ودائرة الموت .. ثم بعد ذلك الارهاب الاشد فتكا، وخروج الارهابيين عن دائرة الدين الحنيف الى دائرة الاجتهاد الجاهل والفتاوي التي ما انزل الله بها من سلطان ففي نص الرواية ما يلي: (ـ لم أرسل في طلبك من اجل مشروع تطهير الكلاب الذي أملاه علي الضرورة .

في احد أحلامي أمرني بتطهير الكلاب فلا يجوز أن تظل هكذا مخلوقات وفية نجسة . لم يبقَ إلا نجاستها وتصبح أفضل من الكثيرين . لابد من وضع حد لذلك، الضرورة متلبس بي وأستطيع أن فعل ما أشاء، سلطاتي مطلقة . يغطس الكلب بالماء الجاري سبع مرات ويصبح طاهرا ً . غسلها وتطهيرها أهون من غسل قلب فوزية وحمود . القطط الجبانة المتملقة طاهرة، تلك التي تسرق أهلها وتهرب بما سرقته وهذه المخلوقات الوفية نجسة؟ أي عدالة هذه؟ وأي قانون ظالم هذا ؟ ويقولون أن زمن الظلم قد ولى ولا رجعة له !

أمر الجميع اعتبار هذا العام، عام تطهير الكلاب وإطلاق حملة لذلك . وكانت فتاوى نبيل جاهزة ورهن الإشارة لاعتبار الكلاب طاهرة شرعا، مع تحدي بالمناظرة لكل من يعترض عليها أو يدعي بطلانها . لديه أدلة وبراهين قاطعة تؤيد فتواه وقام بتكليف حازم وسلام للقيام بالحملة)، وهذه شكلت اكبر صرخة ساخرة من الفتاوي التي يفتي بها مجرمي الارهاب، لكن الكاتب دل على بقاء روح المقاومة داخل الانسان في زمن الكفر الواضح المعالم وفي زمن الايمان المنافق، هذا الصراع جعل الكاتب يرنو الى بذور الخير داخل الانسان وكيف الشر يزحف بقوة الى فراغات كامنة ممكن استيقاظها لتكون اضاءات خير لفطرته الاصلية، وهي فطرة خلقه الاولى .. وهنا كشف عن محاولات خارج الدين الاسلامي لهدمه من الداخل ومحاولة انهاء اخر دين سماوي في الارض بجراثيم فكرية يمجها الفكر الانساني البسيط، فكيف لفكر الانسان الان وهو يعيش النور، نور الحياة بكامل تفاصيلها، ان يقتنع بهكذا فتاوي مجرمة وغير اخلاقية ولاتمت للضمير الانساني باي صلة.

هناك جملة افكار ورؤى حملتها الرواية وتستحق مساحات كبيرة من القراءة والتحليل، فهي التي ادانت الدكتاتورية وما تلاها من ارهاب وسلوكيات سياسية مزدوجة، كلها تمت بمعالجات لغوية وصلت في بعضها الى حد الجمالية في سردها، واظهرت ثقافة الكاتب، وما اختزنته ذاكرته من قصص وحكايات ولاسيما القصص القرآنية، وما استفاده من علوم كثيرة، وما استفاده من مراحل تاريخية جاءت في الرواية ضمنا كالحرب العراقية الايرانية بين 1980 الى 1988 واجتياح الكويت الغير مبرر 1990 والعدوان الاميركي 1991 والحصار الجائر من عام 1991 الى 2003 وما تلاه من ارهاب وطائفية ومحاصصة، فهي تعتبر بحق وثيقة ادانة لكل هذه المراحل .. وعاش الكاتب فيها حالة اغتراب معقدة لم تقتصر على البعد الاقتصادي او الاجتماعي او النفسي انما تعدتها الى تفاعل هذه الاغترابات في اطار غياب العدالة، مما جعله يبحث عن الملاذ، بل والخلاص والعيش في منطقة الجمال الادبي.

حاول الكاتب ال مسافر الخروج على الواقع وعلى السرد في ان معا، حيث بنى لنا وهما روائيا، كان خليطا بفعل الظروف القاسية التي تحركت في اطارها رواية (كوثاريا).. ويبقى التساؤل المر هل يستطيع الكاتب تحطيم اول مردوخ يلتقيه في كوثاريا المدينة .. والجواب على هذا، هو اعادة قراءة الرواية من جديد ومرات تلو اخرى ...

 

وجدان عبد العزيز

...........................

مصادر البحث:

1 ـ كتاب (كتاب المربد) خلدون الشمعة واخرون /دار الشؤون الثقافية العامة /بغداد / الطبعة الاولى سنة 1987م ص88

2ـ كتاب (فن كتابة الرواية) ديان دوات فيان ـ ت: د.عبدالستار جواد دار الشؤون الثقافية بغداد ط1 1988م ص16 ـ 21

3 ـ كتاب (تأويل متاهة الحكي في تمظهرات الشكل السردي) الاستاذ الدكتور محمد صابر عبيد، عالم الكتب الحديث، الاردن ـ عمان الطبعة الاولى 2011م ص5

4 ـ رواية (كوثاريا) للكاتب نعيم ال مسافر

الفائزة بالمركز الثالث لمسابقة محمد الحمراني2012.

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3413 المصادف: 2016-01-08 23:55:00