المثقف - قراءات نقدية

الشاعرة مريم العطار بين "الوأد" واثبات الذات

wejdan abdulazizلا تخلو مساحات الشعر من متعة ذات لذة لاسعة، لكنها ايضا لاتخلو من كد ذهن وتعب فكري من اجل قطع ولصق بعض الصور الصادمة، عسى ولعلّ الوصول الى معنى مسترد من هذا الشعر او ذلك الشاعر .. وحينما توغلت في قراءاتي لديوان (وأد) للشاعرة مريم العطار، اصطدمت بتلك الذات المتألمة الواهنة باستسلام احيانا، واحيانا ذات ثائرة ملتهبة، و(كان الشعر ـ حسب أ.ي هاوسمان ـ فعالية ذاتية خاصة، فان تعبير الشاعر عن ذاتيته انما يدخل في صميم عمله الشعري، ويؤلف أنموذجا شخصيا فريدا في الكشف عن رؤيا الشاعر الشخصية الفريدة، وهي تتضمن شكله واسلوبه الخاصين. وربما كان من ابرز سمات حداثة الرؤيا الشعرية "ما يمكن تسميته بالذاتية الى حد لحساس الشاعر الحداثي بذاتيته احساسا حادا يكاد يفصله عن الاخر"، على النحو الذي يسمح له بالتوغل في جوهر رؤياه الذاتية والتوصل باكثر مناطق التجربة ثراءا وعمقا وخصبا وشساعة. الا ان حرارة هذه الفعالية وخصوصيتها لاتقفل الكلام الشعري على وضع استغلاقي يطيح بركن القراءة، ويعزل التجربة عزلا نهائيا باقصاء الاخر، اذ مهما تذوتت حول عمود الذات الشعرية وبالغت في لعبتها الانوية لابد من ان تقترح مفاتيح مقنعة لاغواء الاخر/القاريء، واغرائه للاسهام الفعلي في اللعبة. ولابد ايضا من ادراك حقيقة ان "كتابة الشعر من اجل الذات ليست انانية"، بقدر ما هي السبيل الفني الامثل لانجاز قصيدة جديدة تقوم على انفعالية التجربة في شكلها الذاتي الخاص، كما تقوم على تسخير كل امكانات التشكيل المتاحة للارتفاع بحداثة رؤياها المحرضة وتطوير شكلها واسلوبها على دخول منطقة الاخر ونقل حساسية اللعبة اليها)ص51 تمظهرات القصيدة، حيث يبدأ الصراع في ديوان (وأد) بين النزول عن حقوق ذاتية مشرعنة وبين الصعود بهذه الحقوق الى حد الثورة والتمرد، والشاعرة العطار بهذا النشاط الشعري، تلعب لعبتها في ترسيخ وعي ورؤية شعرية، تحاول من خلالها اثبات مبدأ مهاجمة نفي ذاتها الانسانية من قبل الاخر، بيد انها تحاول جاهدة اثباتها امام مواجهة ابداعية جمالية، اذ (تشتغل الذات الابداعية عبر انجاز نوعها الفني بتقديم شهادتها الحضارية المعبرة عن موقف اصيل من العصر، وعن فلسفة مكثفة مركزة نوعية تعيد انتاج جوهر الذات والوانها انتاجا ابداعيا.)ص58 تمظهرات، لتبدأ العطار باستفهام (من أنا؟) في قصيدتها الافتتاحية للديوان وتكون الاجوبة هنا هادئة، تحاول صياغة وجود ذاتي بديهي ويبقى هذا القلق المبرر يرافق رحلة قصائد الديوان باثبات "أنا" في قولها :

(أنا من سلالة الخيول

الارض ما زالت ترفض تصديق وقع خطاي

يدي ما زالت تنتظر ان افلت الطائرة الورقية

من اسرها

وعيناي مازالت تتمنى التحليق

وما زالت فكرة تصديق اشتعال

عود الكبريت في هذه العتمة

مبللة في ذهني)

وهكذا تتصاعد اسئلتها واستفهاماتها المنفعلة، مقابل الاجوبة الهادئة، لتتواصل قصائد الديوان تبحث الذات وعن الاخر الغائب .. لان حضوره لايرضي فضولها، فالغياب هو صياغتها الجديدة بدليل قولها:

(قضيت عمري اخشى تجهم وغرابة الوجوه

قضيت عمري وحيدة في الزحام .. ابحث عنك

منذ الصغر انتظرك ...

رأيتني اقبض عليك مرة في كف يدي

البصارة لمحتك ورتت على كتفي :

سيكون في تاريخه هلاكك

* * *

هن حلقن في فضاء شعرك، ربما

ولن يصلن الى روحك بعد

يا احتضاري البطيء

قدني الى توابيت الليل

* * *      

أنا انثى ملأت مسامعها صلوات فقهاء

واستغفار ذنوب لم ارتكبها بعد

أنا انثى ملأت جيوب جسدها خذلانا ورصاصا

*   *   *  

اعرف ان قصيدتي

هي خطوة واحدة

تأخذني الى الفردوس

وربما الى الجحيم

في زمن واحد ساختار القطبين

لعليّ اهجر الرتابة

لعلي أتذوق شهد عينيك)

(من هنا، كان الشعر اعمق انهماكات الانسان واكثرها اصالة، لانه اكثرها براءة وفطرية والتصاقا بدخائل النفس، ومن هنا كان الشعر وسيلة حوار اولى بين الانا والاخر، فهو لانغراسه في اعماق الانسان، فعّال وملزم، انه حميا تسري في الانسان وتسري من ثم عبر سلوكه ومواقفه وافكاره ومشاعره في الحياة والواقع)ص92 مقدمة للشعر العربي، وتعطي العطار في قصيدة (شارب بلاستيكي) ملامح ثورة من اجل انوثتها المستلبة، لتقول:

(احلم بشارب بلاستيكي

أعلق عباءتي فوق حبال القيم

تعانق عباءتي ثوبك الناصع البياض

تحمل شجرة التين وتقطر نبيذا شهيا

يتابع الأحداث بوم عجوز)

وتكرر كلمة "أنا" بتركيز على انها ذات قائمة لها ما للذوات الاخرى، حيث تكثف وجود "أنا" عبر كل قصائد الديوان .. فـ" التكرار" هي ظاهرة موسيقية ومعنوية تقتضي الاتيان بلفظ متعلق بمعنى، ثم اعادة اللفظ مع معنى اخر في نفس الكلام. ان ظاهرة التكرار ظاهرة لغوية عرفتها العربية في اقدم نصوصها التي وصلت الينا، نعني بذلك الشعر الجاهلي، ثم استعملها القرآن الكريم، ووردت في الحديث النبوي الشريف وكلام العرب وشعره ونثره ... وفي العربية نجد تكرارا للحروف والجمل الاسمية والفعلية، ونجد كذلك ألوانا تكرارية إيقاعية يقصد بها إلى أحداث نوع من الموسيقى اللفظية المؤثرة. وبالحقيقة، ان التكرار ظاهرة حيوية عامة، إنها موجودة في الحياة في صور متعددة، وبما ان اللغة صورة المجتمع، فأنها تحتوي على صور مما موجود فيه، فظاهرة كالترادف قد نجد لها شبها في تشابه شخصين من البشر تشابها تاما يصعب معه التميز بينهما، وظاهرة التضاد نجد لها شبها فيما بين الأسود والأبيض من تضاد ... ، ونحن في أفعالنا وأقوالنا نكرر كثيرا وبالتالي فان العطار كررت الانا لمحاولة ترسيخها في ذهن المتلقي وتكرر تساؤلاتها الضمنية او الظاهرة، كما في قولها :

(أسمع صوتا

يشبه الفرح

هم يحتفلون بعيدا عن هذه الغرفة

ويتطاير شرر حفلتهم النارية

       فوق جسدي

لمَ لاتمنحني الفرح يارب

أنا في سرّي اعرف قيمته

الحزن القديم سخيّ معي

يفتح ازرار قميصه

كل ليلة ليتمدد في سريري

هو في كمين دائم

متعبة أنا هذه الليلة

سأوقف الجدران

وكل من يشهد هذا الاحتراق

سأوقفهم

لأقص لهم من قصص الظلم)

نحن نجد ثيمة اخرى فيما تقصده المرأة وهي تتحدث عن جسدها أو تُعَرّيهِ أو تكشف عَوْراتِهِ. فالأمرُ يتعلَّقُ بأشياءَ أخرى لا ، كون المرأة تَكْتُبُ أدبا جنسيّاً أو إيروتيكيا ؛ ولا أساس لكل هذا من الصحة.. لأنَّ العُرْيَ كمدادٍ وكلماتٍ لهذه الكتابة لا يُفْهَمُ على أنه هدفٌ في حَدِّ ذاته، بقدر ما إنَّ الأمر يتعلق بوسيلة من وسائل الإبلاغ والشرح والتفسير، كانت المرأة الكاتبة في أمسِّ الحاجة إليها بُغْيَةَ الوصول إلى قلب القارئ وعقله. فالمرأة مُتَّهَمَةٌ أو ظَلَّتْ مُتَّهمةً طوال سنوات الصمت التي فرضها منطق الرجل وزمن سلطته الخليعة؛ الشيء الذي أنْهَضَها للدفاع عن نفسها وإثبات براءة هذا الجسد الملعون ، كما كان يُشاعُ، من كل التُّهَمِ التي أُلْصِقَتْ به. من هنا راحت الأنثى تستعيد جسدها في أوضاع مختلفة؛ وتنفض حالة الظلم .. (الظلم اختناق/بين الصواب والخطأ/الظلم بكاء مراهقة / وأنين حزنها الصبي / أن تكبر وتكبر)(ولا احد يسمع صوت اختناقه فجر كل يوم ..)، ثم تقول :

 

(آه يا جسدي / خوذة السلحفاة

ما اجديت نفعا

كوكب مشع

وراء قفص الصدر

لاينتمي الا لك ..)

(الجسد في الشعر"ارض اخرى تحط فيها القصيدة" وتحقق انتماءا اشكاليا لجوهر الفكرة فيها على النحو الذي يصير فيه الجسد المكان الوحيد وسط المجهول المشرع على الاحتمالات، حيث تشتغل عليه القصيدة وتتفاعل شبكة دوالها مع اشاراته وعلاماته) ص115تمظهرات، وبهذا تحاول الشاعرة العزف على نغمة الجسد، الا انها تهرب عنه .. (أنا مدينة لتربة حديقتنا أكثر من مساحة صدرك ../ كلما توهمت أنّنا التقينا / اهرب مسرعة الى البيت / لأقتلك على الورق)، وهروبها مبرر، كونها ضمن تابو لايسمح لها الا بالحلم السري، وحينما تنفعل تلجأ الى مساحات الشعر .. لتكون في مأمن من حالات الواقع المرّ .. وكما اسلفت لديها صور شعرية صادمة ومميزة، وما يخص دراستي هنا هي الظاهرة الشعرية (فإننا نلاحظ أن الشعر يقوم على كل منها وبقدر ما تكون جدلية الحضور والغياب قوية بقدر ما يكون النص الشعري قوياً ومعبراً. وإذا أردنا أن نُنَزّل المصطلحين مدار الشعر فإننا نلاحظ أن الحضور يمثّل التشكيل والغياب يمثل الدّلالة. وعلى مدار هذه الثنائية يدور الكلام الشعري باعتباره احتراماً للقاعدة وخرقاً لها في نفس الوقت. فالتشكيل الشعري هو خرق لقاعدة اللغة، والقاعدة هي ذلك النمط المرجعي الذي يحترمه كل متداول للغة معينة حتى يضمن لكلامه سهولة التواصل وممارسة تأثير معين. وبقدر ما يكون التشكيل حاضراً بقوة فإن القاعدة تمثل غياباً." وعندما تصاغ هذه القضية اللغوية في إطار جمالي نقدي فإنه يترتب عليها التمييز بين نوعيين من العلاقات التي يمكن ملاحظتها في العمل الأدبي ، علاقات تقوم بها العناصر الحاضرة وأخرى تقوم بينها وبين العناصر الغائبة". وقد نبّه سوسير Saussure في أكثر من مرة إلى هذه القضية واعتبر أن الدّال يمثل حضوراً (حضور مادي) وأن المدلول يمثل غياباً (غياب مادي ولكنه حضور معنوي). وإلى هذه الفكرة أيضاً يذهب ميشال فوكو في كتابه الشهير "أركبولوجيا المعرفة"، عندما يقول: " أريد أن أبيّن أن الخطابات كَمَا نَفْهَمُهَا في حياتنا الفكرية المعاصرة كما يمكن أن نقرأها في شكل نصوص ليس من السهولة بمكان اعتبارها مجرد تقاطع بين الأشياء والكلمات" وهنا ينحو بالقضية منحى فلسفياً، ويحيل إلى إتمامه للمشروع الفلسفي الذي ابتدأه في كتابه "الكلمات والأشياء". وفي هذا المنطق يحاول ميشال فوكو تأسيس فلسفة للعلوم الإنسانية.وإلى هذه الفكرة تقريباً يذهب تدوروف مع تغيّرٍ في الحساسية الثقافية فعندما يقول: "هناك عناصر غائبة من النص، لكنها إلى حدٍّ كبير حاضرة في الذاكرة الجماعية لقرّاء فترة معينة، وهذا ما يمثل بطبيعة الحال علاقات الحضور وفي مقابل ذلك نجد بعض المقاطع من كتاب –بما فيه الكفاية من الطول- تكون على مسافة معتبرة من البعد عن بعضها البعض وتكون علاقتها غير مخالفة لعلاقة الغياب)، وبعد تبلور معنى الحضور والغياب، ابحث مساقط هذا المفهوم على المعنى المسترد من ديوان الشاعرة مريم العطار ..

 

وجدان عبد العزيز

.................................

مصادر البحث

1 ـ كتاب (تمظهرات القصيدة الجديدة) أ.د.محمد صابر عبيد عالم الكتب الحديث ـ اربد ـ الاردن الطبعة الاولى 2013 م ص51 و58 و115

2 ـ كتاب (مقدمة للشعر العربي) ادونيس /دار الساقي طبعة منقحة 2009م بيروت ـ لبنان ص92

3 ـ ديوان (وأد) للشاعرة مريم العطار/الدار العربية للعلوم ناشرون الطبعة الاولى 2013م

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3419 المصادف: 2016-01-15 00:28:41