المثقف - قراءات نقدية

متى تصبح الصورة الشعرية معيارا لغويا وبلاغيا؟

adnan albaldawiتتهيأ عند الشاعر الموهوب منذ ولادة النص استعدادات متنوعة لاستيعاب ما تقتضيه الصورة الشعرية من مستلزمات الجمال والصياغة والتجسيد، سواء أكان جمال الطبيعة أم جمال الأجناس . وبعد تجاوز مرحلة النضوج وعندما يصبح الأمر طبيعيا دون تكلف أو تصنع، لم يبق إلا توظيف تلك المستلزمات، لكي تؤدي مهامها تجاه أي مظهر من مظاهر ذلك الجمال، ولاشك في أن وراء تنفيذ عملية التوظيف هذه دوافع كثيرة تسهم في خلقها عدة عوامل أهمها المظاهر الطبيعية والأحداث الاجتماعية . ولايعني ذلك ان الموهبة وحدها هي الكفيلة بالتهيئة والإعداد والتنفيذ،مالم تكن هناك عوامل أخرى تعمل لتثوير القدرات، وإيقاظ القابليات الكامنة في تلك المواهب، ولعل أهمها ما في حقيبة الشاعر من رصيد لغوي ومن تجارب مستقاة من الحياة..

صحيح ان مناظر الطبيعة وما فيها من أحداث، سواء كانت في الصحراء او في الجنائن تعد من مستلزمات رسم الصورة الشعرية، ويستطيع كل شاعر متمكن ان يحقق شيئا من هذا، ولكن رغم ذلك تبقى في العمل الأدبي صورتان : الأولى متميزة تتحقق عندما تولد في الجو الطبيعي لذلك المنظر او ذلك الحدث .. أي انها ترسم بالكلمات المناسبة بعد الإحساس المباشر بالمنظر المرئي او التفاعل مع الحدث تفاعلا حقيقيا، والثانية مقبولة ولكنها غير متميزة، وتتحقق عندما يتخيل الشاعر منظرا او يرى حالة ما رؤية قلبية فيكتفي بألفاظ معينة قد تفتقر الى صفة من صفات الإثارة والتشويق المجسد، ومهما تعددت الأجواء واختلفت المناظر، فان المفردات اللغوية تبقى عماد النص، وعليها يتوقف معيار الصورة وتقييم ثقافة الشاعر،هذا مع مراعاة كون العبرة ليست في زيادة عدد المفردات فحسب، وإنما الشأن كما يقول الجاحظ (في إقامة الوزن وتخير اللفظ وسهولة المخرج وفي صحة الطبع وجودة السبك، فإنما الشعر صناعة وضرب من النسيج وجنس من التصوير..) .

إن توجيهات ونصائح النقاد السلف بهذا الخصوص لاينفر منها أي عصر من العصور الأدبية،لعدم إلزامهم الشاعر بمفردات معينة في رسم صورة ما، لذا فما على الشاعر الموهوب إلا أن يراعي أجواء عصره وما تحتاجه الصورة المعاصرة من ألفاظ ومعان كفيلة في تحقيق جمالية اكثر، فنحن حين نقرأ الأبيات الآتية على سبيل المثال لاالحصر، نحس بالمتعة وكأن الصورة قد ولدت الآن خصبة ذات أجواء شاعرية على الرغم من ابتعاد زمانها كقول أبي صخر الهذلي:

أما والذي أبكى واضحك والذي

أمات واحيا والذي أمره الأمر

لقد تركتني احسد الوحش أن أرى

أليفين منها لايروعهما الزجر

عجبت لسعي الدهر بيني وبينها

فلما انقضى مابيننا سكن الدهر

واني لتعروني لذكرك هزة

كما انتفض العصفور بلله القطر

وقول حمدونة الأندلسية:

وقانا لفحة الرمضاء وادٍ

سقاه مضاعف الغيث العميم

نزلنا دوحه فحنا علينا

حنوّ المرضعات على الفطيم

يصدّ الشمس أنى واجهتنا

فيحجبها ويأذن للنسيم

إن سعة أفق الشاعر وقدرته التصويرية قد مكنته دون تكلف أن يخلق صورة ما، ليس في مجموعة أبيات، بل حتى في البيت الواحد كقول الشاعر:

لمست بكفي كفه اطلب الغنى

وما كنت ادري الجود من كفه يعدي

وحين ننتقل الى صور من العصر الحديث نحس بالمتعة نفسها ولكن في جمالية أخرى وصياغة لفظية ملائمة لأجواء العصر وأحواله الاجتماعية والثقافية ومايتبع ذلك من نظرة الشاعر الخاصة الى الحياة، كقول إيليا أبي ماضي مثلا في تصوير لحظة الغروب:

السحب تركض في الفضاء الرحب ركض الخائفين

والشمس تبدو خلفها صفراء عاصبة الجبين

والبحر ساج صامت فيه خشوع الزاهدين

لكنما عيناك باهتتان في الأفق البعيد

سلمى ..! بماذا تفكرين ..؟

سلمى ..! بماذا تحلمين..؟

وقول بدر شاكر السياب من قصيدته ( أنشودة المطر ):

عيناك غابتا نخيل ساعة السحر

او شرفتان راح ينأى عنهما القمر

عيناك حين تبسمان تورق الكروم

وترقص الأضواء كالأقمار في نهر

ان التفات الشاعر الى أساليب البلاغة وفنونها، ومستلزمات تطبيقها، يفتح أمامه طريقا واسعة وميسرة، ليستكمل عناصر الجودة والإبداع في النص، لاسيما التفاتته الى فن التشبيه، الفن الذي وجد فيه أهل البيان والفصاحة خير ملاذ لتحقيق مايهز النفوس ويحلق بالخيال صوب التجسيد الممتع، حتى استحق عندهم اشرف مرتبة من مراتب البيان.

ورغم إشارات النقاد الى أهمية التشبيه في رسم الصورة، فان نسبة توظيفه في نصوص كل عصر من العصور الأدبية، تختلف مدا وجزرا وقوة وضعفا تبعا لمدى قابلية الشاعر ومقدار تواصله مع تراث أمته، وتواصله أيضا مع ما يستجد من تطور، ولما كانت النتيجة الفنية متوقفة بنسبة اكبر على مايبذل الشاعر من جهود تثقيفية، فان هذا الوجه البلاغي الجميل يعد خير معيار لمعرفة نسبة رصيد الشاعر الثقافي، ومدى تجاوب ذلك الرصيد مع موهبته وذوقه الفطري،على ان لايكون الاستخدام اللفظي والمعنوي مستعارا، لرسم صورة مماثلة بدافع التقليد او الإعجاب مثلا، لان الفنان الحق والشاعر الحق كما يقول بودلير(هو الذي لايصور على حسب مايرى وما يشعر، فعليه ان يكون وفيا حقا لطبيعته هو ..) .  

 

عدنان عبد النبي البلداوي

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3423 المصادف: 2016-01-19 01:54:25