المثقف - قراءات نقدية

الرومانسية العربية الحديثة بين البحث عن الذات وبين البحث عن الجمال

wejdan abdulazizالرومانسيه هى احد الاحاسيس الناعمه الرقيقه التى نشعر بها عندما يملئنا حب الحياة والاستمتاع بجمال الطبيعة .. ان تتولد لدينا رغبه بالجلوس على شاطئ البحر وتأمل امواجه، وهى تتصارع وتتلاقى ومشاهدة الشمس الدافئه فى الافق، كأنما تسقط بالبحر فنشعر حينها بالسعاده، وقد نتابع النجوم وهى تلمع وتتألق بالسماء الصافيه فتمر فى اذهننا حينها اشرطة من الذكريات السعيدة وعندما نتخيل القمر وكأنه شخص يحادثنا نحكي له عن مشاعرنا واحلامنا .. اذا استطعنا ان نرى كل مايحيط بنا جميلا ونظرنا لايجابيات الامور وتجنبنا السلبيات المحيطه بنا حتما اننا رومانسين، فلنكن جميلين نرى الوجود جميل ان الرومانسيه انصهار فى الطبيعه وامتزاج مع الحياه ببساطه وعفويه، بمقابل هذا نوضح التعبير عنها من خلال اللغة التي يقول عنها ادونيس: (اللغة اكثر من وسيلة للنقل او للتفاهم، انها وسيلة استبطان واكتشاف، ومن غاياتها الاولى ان تثير وتحرك، وتهز الاعماق وتفتح ابواب الاستبطان . انها تهامسنا لكي نصير، اكثر مما تهامسنا لكي نتلقن. انها تيار تحولات يغمرنا بايحائه وايقاعه وبعده. هذه اللغة فعل، نوات حركة، خزّان طاقات والكلمة فيها اكثر من حروفها وموسيقاها، لها وراء حروفها ومقاطعها دم خاص ودورة حياتية خاصة، فهي كيان يكمن جوهره في دمه لا في جلده، وطبيعي ان تكون اللغة هنا ايحاء لا ايضاحا) ص70 كتاب مقدمة للشعر العربي، من هنا عشت رومانسية الشاعر الكبير بول ايلوار، مع رومانسية الشاعر عدنان الفضلي، والشاعرة فاطمة محسن، والشاعرة امان الله الغربي، وكانت رحلة ممتعة للبحث عن الجمال في سمو النفس وتعاليها لتكون سنا حلم، يراودنا ونحن نعيش الواقع بمرارة الغياب والبحث الطويل عن الحضور، وايجاد فسحة الامل التي تدغدغ مسيرة الزمن المستمرة دون انقطاع .. يقول جبران خليل جبران: (اعرف ان لدي شيئا اقوله للعالم يختلف عن أي شيء اخر)، التساؤلات التي تسكنني، هل اجد عما هو مختلف في اشعار كل من عدنان الفضلي وفاطمة محسن وامان الله الغربي، بعدما عشت نشوة الاندهاش مع الشاعر بول ايلوار .. لا ادري ! لربما ! وهذا تجسد لي من خلال قول الشاعر بول ايلوار:

 

(استدارة عينيك تكملان دورة قلبي كحلقة للرقص والعذوبة

حيث للوقت هالته المجيدة ومهده الليلي

واذا كنت لم اعد اعرف كل ما عشته

فلأن عينيك لم تكونا علّي كل الوقت

أنت الصدى المعطر للأسحار

الذي يضطجع على سرير النجوم

وكما النهار متصل بالبراءة

كذلك العالم كله متصل بعينيك

وكل دمي يسيل في نظراتهما)

 

ويقول الشاعر عدنان الفضلي :

 

(في الداخل طيفك

وعلى زاوية الباب قميصين

قدّهما الشوق ..

حتى تمزق اللذان كانا بداخلهما

ممر،،

اليك الخطوة الاولى ..

ولولا المسافات المفترضة

لكنت بلا خطوة

حين التحام ابدي..!!

باب آخر،،

لا مجال لتلصص السماء

فأنا تركت الجدران تحتقن

حتى تمنحنا اللون الاحمر

يبشر بجنون اخضرّت اطرافه السفلى

وصار يركع ..

ابتهالاّ لمطر يبلل يباس روحينا

ويتركنا بتأوه مزدوج)

 

وتقول الشاعرة فاطمة محسن:

 

(أنت حائر تماما

تحتسب نبضي ونبضها

حرفي وحرفها

تصمت قليلا

تكتب كثيرا

تغيب

ولا تراني وأنا أدخل صندوق جدتي كي أخفي روحي المتعبة عنك

بينما أراها تبحث عن صندوق ما

كي تخفي جرحا ما عن ارتباكاتك المتكررة حين تذكر روحي

كلانا على مسافة جنون

وأنت مجنون منذ زمن

لماذا لا تدخل معي في صندوق جدتي؟)

 

وتقول الشاعرة امان الله الغربي:

 

(بليلة على

تلال الغرام كان موعدنا

قال السهر على

رمال البحر يفتقدنا

دعوات العشق

لكافة الجسد وزعنا

كل الطبيعة انحنت

لجنوننا ولا الوقت منعنا

تسامرنا مع

النجوم والقمر حضرنا

يتسابق الحساد

غيرة لاحتلال أماكننا

خصلة من شعري

وانسدلت ظفائرنا

حطت الورود على خدي

وخده وهللت بشائرنا

عباءة هيام لجسدي)

 

وهنا اقف مندهشا امام ما تناثر من خلجات انسانية تتعذب بالشوق وتتلذذ بالحب وارى العالم متصل بعيني حبيبة الشاعربول ايلوار، ويدخل طيف الشاعر الفضلي ونبض الشاعرة فاطمة ودعوات عشق الشاعرة امان الله (وعجيب ذلك الانسان، انه مخلوق لاتقف رغباته عند حد وهو لاينفك يسعى الى التسامي ويهفو الى الافضل والاحسن .. فهو لايقنع بادراك الاشياء ومعرفة الموجودات والاحداث المحيطة به، بل يستشعر في الادراك ذاته لذة ويتذوق المعرفة خالصة عن كل ما يتعلق بها من اهداف عملية، وهو لايكتفي بتذوق احساساته وانطباعاته عن الاشياء، بل يضفي عليها من خباله ما يكسبها كمالا وجمالا تستجيب له نفسه بالرضا والسرور، وعندما تمتلأ نفسه بشعور البهجة يصف كل ما يرضى احساسه وخياله بالجمال)، يعرف شتاين الابداع بانه "عملية ينتج عنها عمل جديد يرضي جماعة ما، او تقبله على انه مفيد، ويعرفه سيمبسون بانه "المبادرة التي يبديها الشخص بقدرته على الانشقاق من التسلسل العادي في التفكير الى مخالف كلية" ويعرفه كلوبفر بانه "استعداد الفرد لتكامل القيم والحوافز الاولية بداخل تنظيم الذات والقيم الشعورية، وكذلك تكامل الخبرة الداخلية مع الواقع الخارجي ومتطلباته، ويتفق تورانس وجماعته على تعريف الابداعية بانها عملية يصبح الفرد بها حساسا للمشكلات والنواقص والفجوات في المعرفة والعناصر المفقودة وغيرها، ووجدت الشاعر الفضلي يحاول الزحف ليملأ فجواته، باستحضار الحبيبة، وكذلك مجسات الشاعرة فاطمة محسن الباحثة في عوالم الغياب، تلتقي مع الشاعرة امان الله من جهة وتلتقي مع الشاعر الفضلي بنفس الجهة، لاجد قصائدهم ترسم لوحة باحثة، لاتخضع الا للجمال والبحث عن النقاء بترجمة حية للقيم الشعورية المتعانقة مع التجربة الحية في الحياة والشعراء الثلاثة مزجوا بين الجنون والبحث عن ما يرثي الروح وقد التقوا مع الشاعر الفرنسي بهدوء منفعل كما يفعل الرومانسيين مما يتبدى لنا ان الرومانسية ليست مذهب او منهج يبلى انما هي روح تسكن ذات المبدع، فيهرب للطبيعة والتغني بالحب، ليجد نفسه، وبالتالي يوضع رؤيته الخاصة، فهناك اتجهان يحكمان أي شاعر، وهما البراءة التي تتمثل في الطفولة والحلم والطهر، والاتجاه الاخر هو المحيط او العالم أي الواقع، حيث يكمن الشر وبقى الشعراء على مر الازمان يؤمنون ان الانسان في هذا العالم ضحية للشر، وان قوة الشر ظاهرية قشورية، وان القوة الحقيقية كامنة في جوهر الانسان واعماقه، ومن هنا يبدأ قلقه وتوتره ونزوعه نحو الخلاص، وتكون مادته في التعبير عن قلقه هي اللغة التي يستشعر انه بها يخرج من عوالم الشر والقبح الى عوالم الخير والجمال، لهذا كانت الرومانسية وستبقى احدى الثورات الشعرية المتجددة التي يهرب من خلالها الشعراء الى الحلم والطفولة والطبيعة، مستعيرل جناح اللغة للطيران والتحليق نحو لقاء سعيد بنشوة الجمال، مع الانطلاق في اجواء الحرية (من هنا كان الشعر اعمق انهماكات الانسان واكثرها اصالة، لانه اكثرها براءة وفطرية والتصاقا بدخائل النفس . ومن هنا كان الشعر وسيلة حوار اولي بين الانا والاخر، ووسيلة ايصال اولي، فهو لانغراسه في اعماق الانسان، فعال وملزم، انه حميّا تسري في الانسان وتسري، من ثم عبر سلوكه ومواقفه وافكاره ومشاعره في الحياة والواقع)ص92 كتاب مقدمة للشعر العربي، وتبقى الشعرية العربية مسكونة في مساحات البحث عن الذات والجمال ..

 

وجدان عبد العزيز

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3431 المصادف: 2016-01-26 23:34:56