المثقف - قراءات نقدية

جدلية الحياة والموت من خلال قصيدة: الموت على الأبواب للشاعر المغربي محمد الخمار الكنوني نموذجا

abdulrazaq istatowتستمد قصائد ديوان "رماد هسبريس" للشاعر المغربي الخمار الكنوني جماليتها الفنية والرؤيوية، من غنى تجربة الشاعر وثقافته الشعرية والإنسانية؛ وذلك بانحيازه، كباقي الشعراء المغاربة أمثال الشاعرعبدالكريم الطبال، والشاعرمحمد السرغيني،والشاعرأحمد المعداوي، لشعر الرؤيا،ولمضامينه الإنسانية، والصوفية،عن طريق الكشف، والمكاشفة،والتوحد، والحلول في الطبيعة، بلغة صوفية أحيانا، ورمزيةأسطورية أحيانا أخرى، هي في حاجة لإدراكها إلى عين رائية، وروح هائمة، ومعرفة عميقة، وبصيرة متيقظة، قادرة على التأويل .لأن معناها مرواغ، منفلت، ما بين منطقتي المعنى، واللامعنى يتجدد، ويتلون.هذا المعنى الذي هو جوهر القصائد المنتجة، والمتجددة بتجدد قراءتها، وقرائها،لغناها الرمزي، والإيحائي، والأسطوري، ولتناصها العميق مع النصوص الغائبة، حد الذوبان، والتوحد.

وقصيدة" الموت على الأبواب" المقتطفة من ديوان "رماد هسبريسّ للشاعر الخمار الكنوني؛ واحدة من هذه القصائد العميقة في معناها، ومبناها، وفي رؤيتها، ورؤياها. بدءا من من عنوانها، حتى آخر سطر من جملها الشعرية .

بيد أن الموت في هذه القصيدة له رمزية خاصة، ودلالة أسطورية، وتجلى في موت الفرح الذي رمز له الشاعر الخمار" بحداء"أي غناء راعي الإبل في ليل بهيم،الذي ماهو إلا غناء وفرح الشاعر الخمار الكنوني القائل

في هذا الليل تغيب رؤى ويموت حداء

هذه الدلالة تحيلنا على صراع الحياة ضد الموت، أثناء البحث عن الأمل المفقود، والحلم المشتهى، عبر التناص مع أسطورة أوليس، وهي سمة من سمات قصائد ديوان رماد هسبريس، حيث صراع الشاعر ورفاقه وهم على السفينة التي ترمز للحياة،القريبة من الميناء الذي يرمز للأمل، ضد الموت الذي يرمز إليه الشاعر بالليل، والبحر، والظلماء، والأسفار، والأمواج، وهوصراع شبيه بصراع أوليس على سفينته ضد موج البحر، وإغراء أغاني الحوريات "عرائس البحر"وهذا ما عبر عنه الشاعر بقوله

فما إن كان لنا في الشر قرار

عن لحن حواري الأبحر سددنا الأذن

لكن الشاعر الخمار الكنوني، بخلاف أوليس استمال قلوب عرائس البحر، وعوض أن يلتهمنه ضاجعهن

ضاجعت حواري البحر

غير أن استمتاعه بغناء عرائس البحر، وجمالهن دونا عن رفاقه، ولد في نفسه شعورا بالذنب، تجاه رفاقه، وربما تجاه أسطورة أوليس نفسهاالتي خان نهايتها

في السر شربت وأنتم عطشى

ارتحت وأنتم شغالون

فحاول أن يبرر لنفسه ولرفاقه هذا الجنوح "إثم الخيانة"

بأنهم واحد، وفي ذلك توظيف للبعد الرؤيوي الصوفي والإنساني، فالشاعر والآخر(المجتمع) واحد في صراعهم ضد الموت، الذي هو على الأبواب.

لكن من أنتم

أنا انتم

فالشاعرورفاقه على ظهر السفينة التي ترمز للحياة في صراعها ضد الموت في بحث دائم عن الممكن بدل الكائن، قيما كان هذا الحلم،أو حرية،أو عدلا، أو أهلا، مهموما بنجاة رفاقه، وحياتهم معترفابذنبه، وخيانته التي كانت وراءها لعنة تطارده .

بباب الرب، رمتني اللعنة فارموني

وقد استثمرالشاعر الخمار الكنوني، وهو يتماهى حد التوحد مع أسطورة أوليس مكونات السرد القصصي"استعارة الحدث والحركة عبر الإسقاط الفني"لإكمال البناء العام للقصيدة، وكل ذلك لم يسقطها في النثرية، أغناها بانزياح حداثي هو من سمات الشعر الحديث. ينضاف إلى ذلك انزياح حداثي آخر تجلى في اعتماد السطر الشعري باستخدام تفعيلة بحر المتدارك"فاعلن"وتقنية التدوير،وإغناء هذا الإيقاع الخارجي، بإيقاع داخلي ترجمه التكرار بمظاهره المختلفة، المرتبطة عند تشكيله بالحالة النفسية، والإنفعال الداخلي للشاعر.

وقدجاءت الصور التخييلية لقصيدة "الموت على الأبواب" كفسيفساء أندلسية مشكلة من المجاز، والإستعارة، بما فيها الرموز، والأسطورة "كاستعارة"، حيث يعمل الرمز كمكون جمالي على إخراج الكلمات من تداولها المألوف، وملئها بدلالات عميقة غير مألوفة، تحتاج إلى قارئ رائي، قادرعلى تأويلها، انطلاقا من ثقافته الكونية، والشمولية العارفة بالرموز الشعرية في ارتباطها بالمعنى، وباللامعنى الشعري، حيث تتوزع البنية الدلالية، وتتشتت في هذه القصيدة بين جمل شعرية متناقضة لغويا، وعميقة إيحائيا، والشاعر الخمارالكنوني إضافة إلى حسن توظيفه للرموز، والأساطير في ديوانه "رماد هسبريس " وفي قصيدته "الموت على الأبواب" عمل على إغنائها دلاليا، وتلميعها بحيث صارت أشبه باللآلئ المتخفية في محارات قابعة في الأعماق، تحرسها عرائس البحر .

ويمكن تقسيم الرموز الموظفة في بناء هذه القصيدة فنيا، ودلاليا إلى رموز لغوية حيث يسقط الشاعر الخمار الكنوني على عناصر الطبيعة حالات روحية تأملية،(رؤيوية)حدالتماهي، والحلول الصوفي، والرومانسي، كتوظيفه "الليل" كرمز يحيل على الكآبة، والسوداوية، والحزن، واليأس .و"البحر "بموجه، وأنوائه، وتيهه، ومينائه " كرمزيختزل الروح في جزرها، ومدها، وعمقها، وأسرارها، و"المركب" كرمز يدل على الحياة في صراعها ضد الموت،و"الحواري" أي عرائس البحر كرمز لفتنة الحياة وإغراءاتها (أسطورة أوليس) ورموز ثراثية"المعراج، الإسراء، بضاعتنا،تنادوا..) وهي رموز كتناص، مع القصص القرآني، إضافة إلى الرموز الثقافية (رؤى جمع رؤيا) بمعنى رؤيا الشاعر وإشراقه الروحي والشعري الذي يغيب في هذا الليل البهيم "حداء "كرمز ثقافي (معادل موضوعي) لموت غناء، وفرح الشاعر بحلول الليل. والشعور بوطأة الليل، وغربته يسري في أكثر من قصيدة في ديوان "رماد هسبريس" وقول الشاعر "كشفنا، أنا أنتم، ورؤى" كرموز تشيرإلى الثقافة الصوفية،إلى جانب، توظيفه للأسطورة ليس فقط في بناء الصور الشعرية، وإنما كذلك في توسيعها، وإغنائها باستعارة حداثية، ودلالة رؤيوية، بغية تعميق المعنى، وذلك بتوظيفه لأسطورتي الفنيق وأوليس،الأولى بشكل أعمق، والثانية بشكل عميق، ليس فقط كمكونين فنيين، وإنما كدال في غياب المعنى التقليدي، إضافة إلى هذا التناص الأسطوري مع أسطورة أوليس، فهناك تناص آخر مع أسطورة الفنيق بقوله "متنا وحيينا "دلالة على انتصارإرادة الحياة على الموت،أوكما سماها الناقد أحمد المعداوي في كتابه "ظاهرة الشعر الحديث" بتجربة "الموت والحياة " وأسطورة الفنيق حاضرة بقوة على مدار ديوان رماد هسبريس بدءا بالعنوان" رماد" الذي يختزل معنى احتراق الفنيق وبعثه من جديد، "وهسبريس" التي تحيلك على الحدائق الأسطورية "حدائق هسبريس" التي اجتاحها البحر.

فالرمز بما فيه الأسطورة، يعمل بلاغيا على تعميق المعنى الشعري، وهي من السمات الأساسية لشعر الرؤيا، الذي ساد الثقافة الشعرية المغربية، منتصف الستينيات.

هذه الرموز كمكونات فنية حديثة، جاءت في سياق أساليب لغوية، ودلالية تجمع ما بين الأساليب التعبيرية، والأساليب التجريدية، والإشراقية، التي تعمل على زيادة معدلات الإنحراف، وتغليب الإيحاء، والإشارة على التصريح، حيث تعطي في هذه القصيدة إشارات فقط لا غير، يبقى على المتلقي تأويلها، إن أرادالقبض على معناها المستتر .

ذلك أن جوهر الشعر في قصيدة "الموت على الأبواب "هو حقيقة عميقة، مستترة، يعبر عنها بعناصر شعرية انزياحية غيرمألوفة، ومن هذه العناصر متحت، ونبعت قصائد الشاعر المغربي الخمار الكنوني الذي يعد واحدا من رواد الشعر الحديث بالمغرب.

 

عبد الرزاق اسطيطو

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3435 المصادف: 2016-01-31 11:42:51