المثقف - قراءات نقدية

جدلية الحب و الكراهية في رواية "وردة الفجر" للروائي التونسي السيد التوي

841-wardaلم يحض أدب الجريمة، الا باستثناءات قليلة، باهتمام الأدباء العرب، على الرغم من وجود هذا الكم الهائل من الجرائم في عالمنا العربي، ناهيك عما يُتيحه هذا النموذج الفني السردي من امكانيات كبيرة في دراسة النفس البشرية، وكشف دواخلها المعقدة المتناقضة، وإلقاء الضوء على جوانب متعددة من طبيعة السلوك اليومي للناس على مختلف اشكالهم وانتماءاتهم الاجتماعية والدينية.

وإذا كنّا قد تعرفنا في الغرب على أعمال ادبية متنوعة الاشكال تتراوح من رواية المخبر والعميل السري كشارلوك هولمز، آرسين لوبين وجيمس بوند، حتى روايات أدبية خالدة كالجريمة والعقاب لدستوفيسكي وبعض روايات شارلس ديكنز و أجاثا كريستي، دورثي ساير، أنتوني بريكلي، وقصص ادغار الآن بو وجي دي موباسان وغيرهم، التي تلعب فيها فكرة الجريمة وما يتبعها من قضايا الشر والانتقام، ثم الشعور بالذنب وغيرها دورا رئيسيا، فإنّ حصيلة كتاباتنا في هذا المضمار بقيت محدودة جدا، ربما لإن هناك جهل بأهمية هذا الشكل الادبي وقيمته الفنية، أو عدم امتلاك كتابنا صورة واضحة عن طبيعة وجوهر هذا الشكل من الفن السردي، وافتقارهم الى آلياتٍ تمكنهم من الاشتغال على هذا النوع من السرد الادبي.(1)

841-wardaأدب الجريمة لا يقتصر كما يعتقد البعض على كشف أجواء عملية قتل او تحريات شرطة او صراعات فردية تؤدي الى جريمة ما، تدفعها انحرافات في الوعي الانساني وطريقة تفكيره في لحظة عارضة، او خلق حبكة تتطور حولها الاحداث الدرامية، بل إنها اعمق من كل ذلك. إنّها باختصار تتعامل مع عوالم الانسان الداخلية ونوازعه في سياق اجتماعي وسياسي واقتصادي وثقافي، تتطور وتتراكم عبر فترات طويلة من حياته، بل قد تطال كل حياته، وتشمل في احيان كثيرة حلقة واسعة من الناس حوله الذين كان لهم دورا ما، بهذا الشكل او ذاك، في ارتكابه للجريمة. إذن الجريمة ليست عملا فرديا بحتا كما تبدو على السطح، بل انها نتاج لظروف تتشابك مع بعضها لكي تولد لنا محصلة الحدث. كما أن ادبها ليس سردا تقريريا عن حدث او أحداث منفصلة، بل انها شكلا خاصا من أشكال السرد الادبي، تحكمه ضوابط وقوانين للكتابة خاصة به.

لقد جرى الاهتمام بجريمة الادب مجددا في الاوساط الغربية منذ مطلع القرن العشرين و لقي تجاوبا كبيرا بها من قبل النقاد والكتاب والقرّاء على السواء . وفي نهاية الستينات ازدهرت رواية الجريمة وتعددت انماطها الادبية مرة اخرى وتحتل حاليا الصدارة من بين الاصدارات الادبية.

في هذا السياق يمكن قراءة رواية "وردة الفجر" للكاتب التونسي السيّد التوي، التي صدرت عام 2015 عن دار زينب في تونس، باعتبارها محاولة تجريب في هذا الشكل الادبي، لتسجل بذلك خروجا على المعتاد في أدب الرواية عندنا. لكن هل يمكن ادراجها بحق تحت اسم " أدب الجريمة" أو تسميتها، بدقة اكبر، "رواية الجريمة"؟ وهل اكتفت بالبحث عن دوافع الجريمة واحداثها، ام انها توسعت في مشروعها الى ابعد من ذلك؟ هذا ما تسعى هذه المقالة لالقاء الضوء عليه.

 

حبكة الرواية وموضوعها:

تقع رواية " وردة الفجر" في 119 صفحة، ويمكن تسميتها قصة طويلة أو رواية قصيرة، تستفيد من الجريمة كفضاء لاضاءة العوالم الاجتماعية والنفسية والاخلاقية لشخوصها. تمتاز بوضوح بُنية نسيجها السردي، وشعرية لغتها وترابط احداثها الى حد ما، كما انها تعرج في ثناياها على التابو والمحرم في العلاقات الانسانية، كما جاء ذلك على لسان احدى شخصيات الرواية " لماذا يا إلهي خلقنا في بيئة يضرب كلّ أفرادها الرغبة واللذة بهراوتهم الرّخامية؟ لماذا تتكسر أجسادنا، تتشظى من الجفاف والقحط والسماء حبلى بالمطر؟" (ص.55).

تدور موضوعة الرواية حول الشخصية الرئيسية طلال، الطالب الجامعي، في سنتة الثالثة، الذي عاش حياة صعبة؛ طفولة تعيسة شهد فيها " مشهد أبي وهو يضرب أمي على رأسها" (ص. 92)، ومراهقة اكثر جفافا، الذي يقوم بارتكاب جريمة قتل حبيبته "سنيا"، التي تعرّف عليها في نفس الجامعة، لانها استبدلت علاقتها به بحب فتاة اخرى "سلمى" التي التقت بها في نفس الكلية. تحاول سنيا لفترة ان تحافظ على هذه العلاقة المزدوجة لكنها في النهاية تختار سلمى، لان سلمى كانت بالنسبة اليها، كما تقول" اصبحت لي. نصفي الثاني عاد اليّ، انا اليوم أنا. "(ص. 34). مع انها تؤكد لطلال" انا لم افضل سلمى عليك، انا اخترت نفسي."(ص28)، موحية بان عشقها لسلمى هو ليست رغبة جسدية ومجرد استبدال جسد بجسد آخر، بمقدار ما هو موقف واختيار وارادة.

أما بالنسبة لطلال فقد كان اختيار سنيا لسلمى بمثابة خيانة، دفعته لارتكاب جريمته وقتلها والتمثيل بجثتها، وهو يردد مع نفسه مشحون بكراهية وأزدراء للضحية " قطعت رأسها لأنها خائنة، والخونة يجب ان يموتوا شرّ ميتة، يجب ان يقتلعوا من الارض" (ص. 10). على خلفية تداعيات هذه الجريمة يصف لنا الكاتب الحياة العادية لطلال والشخصيات الاخرى، بافراحها وتعاساتها، وكيف كان الحب والكراهية يتمازجان فيها.

كان الحب بالنسبة لطلال يمثل فرصة لإشباع جسده وتعويض حرمانه من المرأة. فكما يقول كان عمره سبعة وعشرين عاما حين " قبلتها القبلة الاولى التي طبعتها على خدّي المتيبس"(ص.10)، حتى انه رأى في سنيا ملاكا آخرا " كنتُ في حضرة كائن اسطوري" (ص.11)، مما جعله مسكونا بخوف دائم من المرأة، و الاحساس بالعجز عن التعبير عن مشاعره نحوها، و هي نفس المشاعر التي كانت تطغي على صديقه كمال. (ص.55). ولهذا إنتاب طلال خوف واضطراب من هذه العلاقة الجديدة بسينا، وقد عزا ذلك الى الطفولة " الانسان الذي لم يلعب في طفولته لن يعرف قيمة اللعب" (ص.56)، و مثّل اكتشافه لعلاقة سينا بسلمى صدمة لم يكن قادرا على احتمالها، حيث كشفت له حقيقة وضعه، وان حبه لها كان خليطا بين الوهم والحقيقة، طارحا على نفسه سؤالا: "أهو حب أم مجرد إعجاب قلب رجل لم يسبق أن استقر وجهه بين راحتي أمراة قط؟ " (ص.19). من هنا يبدأ إعادة النظر في تجربة حبه من خلال طرح أسئلة مرتابة في محاولة لفهم تلك البواعث الحقيقية التي دفعته لقتلها، من خلالها يصوغ الكاتب ثيمة الرواية؛ ان الحب المبني على الحرمان هو حب مندفع شره مغرم بالجسد، خال من العواطف الحقيقية، انه مجرد حالة اشباع لجوع الجسد، و لهذا يتحول الى غيرة، وخيانة، وكراهية، التي تتحول الى باعث قوي لإرتكاب الجريمة. الحب بالنسبة الى طلال كان انتصارا ذاتيا، لذلك يعيش غربة حين تبدأ سنيا بالابتعاد عنه متحججة باعذار شتى . سنيا كانت مصدر انتصاره المؤقت على ألمه وخواء حياته، لانها منحت جسده معنى، لكن ليس روحه. ولهذا يشعر، حين تتركه، باغتراب في الجامعة ومع نفسه و العالم، وعليه ان يثأر لهذا الجسد الذي تم خذلانه ثانية " ما تبقى لي هو جسدي ؛ جسدي في مواجهة عالم متورط في تضليل العاشقين" (ص.25). وهو لا يريد ان يتخلى عن هذا الانتصار،لأنه لم يكن مهيأ تماما لخذلان جديد بعد ان ذاق لذة الانتصار، ولذا فقد وجد في فكرة قتلها طريقة للحفاظ على هذا الانتصار.

كانت علاقة الحب بين طلال وسنيا تعيش، منذ البداية، حالة شد وجذب، إذ يلاحظ طلال بعد عدد من اللقاءات بينهما ان حب كهذا سرعان ما يبهت، لأن طرفيه غير متعادلين، وشعرت سنيا من جابنها ايضا " ان طلال سيقتلني" (ص.27) لانه حسب رأيها "رجل ومعقد" (ص.27). هي تعتبر نفسها امرأة متحررة، تريد حياة تقنعها وحبا يروي لها جسدها وافكارها وروحها، ولا تريد ان تزيف ذلك رغم محاولاتها المتكررة . و تعلن " انا سحاقية، احسست بهذه الرغبة او بهذه الصبغة منذ فجر مراهقتي، حاولت مواراتها، لكني فشلت" (ص.28). وهي تقول عن نفسها انها متحررة من قيم المجتمع، فقد" اختارتها السماء لتكون امرأة ملعونة تبرّمت منها العائلة، هجرها الرفاق والأصدقاء، اتخذ منها الوعّاظ شاهدا على فساد المجتمع." وكان عليها على هذا الاساس ان تدفع ثمنا باهضا لاختيار حريتها وتحقيق ارادتها، بحيث صارت معزولة، تعيش في مجتمع يقوم على اساس من القيم لا ترى في سلوكها امرا مقبولا. الا ان القاريء لا يعثر على مايريد ان يوحي به الروائي في حياة سنيا. فسنيا واختها نورة كما تخبرنا الرواية فتاتان عاشتا في كنف عائلة مرفهة شيئا ما (ص.43)، وفي فضاء من الحرية النسبية، الى درجة ان أختها نورة تمكنت من فرض زواجها من حبيبها لخليفة رغم رفض عائلتها له (ص.43). كما أن الأب نفسه عاش خيار هذا الحب، فقد سبق له ان هرب مع امها الى المغرب ليتزوجها ولم يعد الى تونس الا بعد فترة طويلة، رغم انه لم يتمكن من تغيير موقف ابيه عنه، بدلا عن ذلك نعثر على افكار وتصورات الكاتب، المحكومة بباعث ايديولوجي، محملة بعبارات تقريرية تنحو لتبرير افكار شخصية سنيا أكثر مما تكشف عن خلفياتها الحقيقية، أي، انه أقحم افكاره ورؤيته عن المجتمع واسقطه بصورة غير مبررة فنيا على موقف وسلوك سينا. ويتكرر هذا الأقحام الايديولوجي في مثال آخر" هؤلاء الحمقى يتجرع الفقراء الموت ولا يحركون ساكنا" (ص.35)، وكذلك في (ص.63).

تتناهب طلال قبل وقوع الجريمة مشاعر نفسية متناقضة، فرغم اصراره على قتل سنيا، الا انه لم ينسَ في تلك اللحظات المفزعة ان يعبر عن اهتمامه بحياته العادية اليومية (ص.89-99 )، ربما في مسعى لإشغال نفسه عن ذلك الفزع الداخلي، الذي اشار اليه الفيلسوف الدانماركي سورن كيرككورد في كتابه "مفهوم الفزع.(2)، و الذي كان يتغلب على الانسان غالبا، وهو ينوي القيام بعمل آخر. ولهذا فهو يشعر براحة تامة عندما يقوم بتنفيذ الجريمة وتدمير الضحية، "يجعلنا الانتقام اجمل يحررنا من كل القيود ." (ص.116)، الى درجة انه يشعر، ان ذلك سيمثل عونا له لتحمل شدة السجن القادمة. (ص.116). كما نعثر ايضا على وجه آخر من شخصية طلال، حين يتذكر امه وقت حدوث الجريمة " " أنا لا أبالي بما سيقوله الناس، ما يؤلمني هو دمع أمي، المسكينة لا تعرف أن وحشا يختبيء في داخلي، لن تصدق ما حدث، لكنها حتما ستستغفر لي، وستطلب لي النصرة من أوليائها الصالحين" (ص.10) . هو إذن رغم لا اباليته إزاء ذنبه، يبحث في داخله ولو بصورة مواربة عن استغفار، يبرره بالعطف على أمه ودموعها و تعاطفه معها لانها ستصاب بمفاجأة اكتشاف وحشية ابنها.

 

لغة السرد

لا تقتصر اللغة على التعبير ونقل الافكار والتصورات، بل انها تتعدى ذلك الى توجيه فعل الانسان وسلوكه . اننا "بمساعدة اللغة نخلق تصورات عن الواقع، الذي لا يكون ابدا مجرد واقع قائم - فالتصورات لها دور في خلق هذا الواقع" (3). فاللغة ليست مجموعة من الجمل والالفاظ التي تنتظر فكها او تجميعها فقط. انها اداة ايصال تساعدنا للتعامل مع الاخرين لفعل الاشياء وعملها، وتقوم ايضا بتوجيهنا وارشادنا لعمل منا. ولان " الجريمة تتعلق بالمشاعر والافكار الانسانية" (4)، كما يشير الى ذلك الاميركي ريمون شاندلر، احد كتاب رواية الجريمة،، ويكون لها دورا فاعلا في توجيه افعالنا وتصرفاتنا، فقد تدفقت مشاعر شخصياته مصاغة في لغة تتدفق منها الاحاسيس المفعمة بالانفعال، التي تتناسب مع اجواء الجريمة المشدودة في الرواية. وهكذا فاللغة المستخدمة هنا لا تكتفي بوصف الحالة بل تغور فيها وتضيف بعدا آخر للحدث وتهيأ لكشفه.

ولهذا نرى ان الروائي سعيد التوي نجح الى حد ما في الاستخدام الشعري للغة عبر جمل مكتوبة بعبارات قصيرة مكثفة، او ما يمكن تسميته بالجملة او العبارة البرقية، وهي لغة تتناسب مع الفضاء العام للجريمة التي تقوم على تصورات القاتل التخيلية و تهيأ للحدث وتسوغه، رغم انها تتعثر في بعض المواضع بحيث تغلب عليها تقريرية وعظية، خاصة حين يسعى الكاتب ان يُنطق الشخصيات افكاره الخاصة به، بدلا من ان يترك لها حرية التعبير النابعة من اصل الموقف والحدث ودوافع الشخصيات ذاتها. إذ نعثر احيانا على عبارات مقحمة واحيانا زائدة لا تضيف الى الحدث او ثيمة الرواية شيئا، بل ثتقل بنيتها وتضعف جمالية السرد.

 

آلية القص:

اذا كان ضبط اللغة يلعب دورا مهما في السرد الروائي فان هناك آليات اخرى تمتلك ذات الاهمية، واقصد بها آلية القص.

تنمو حبكة رواية الجريمة وتتطور تدريجيا، حتى تبلغ فيها الاحداث والمفاجاءات ذروتها، لكن الروائي السيّد التوي لا يترك متسعا أمام القاريء للبحث عن المجرم، بل يأخذه من أول سطر في الرواية ليقول له انه في عالم جريمة، فمجرد ان نبدأ قراءة هذا السطرحتى نتعرف على القاتل "أتحمل مسؤوليتي كاملة، لقد قطعتُ رأسها بضربة واحدة، وقذفت برجلي الغليضة جمجمتها على الجدار" (ص.9). على هذا النحو فان الروائي لا يتركنا إزاء مجهولية الحدث، بل انه يستخدم هذا المفتتح لمنح النص سمة الجريمة عبر اثارته الفضول منذ البداية في نفس القاريء ؛ فنحن لا نعرف كثيرا عن صاحب الجريمة ومن هي الضحية، وأين وقعت الجريمة، وما هي الادوات التي نفذت بها الجريمة، وهل كان وحده كما يوحي فعل الجريمة، أم أن أحدا آخرا كان مساهما فيها او شاهدا عليها، و اخيرا ما هو زمن الجريمة؟

صاغ الروائي نسيج النص للإجابة على تلك الاسئلة في ثلاثة اصوات او مستويات، كلها تنطق بصوت المتكلم، الأنا؛ طلال، سينا، كمال، ثم السجّان، ثم تتفرع من هذه المستويات مشاهد اخرى هدفت الى إضاءة خلفيات شخصيات الرواية الاجتماعية والفكرية والنفسية. تشكل الاصوات بمجموعها نسيج النص الروائي، الذي سعى الى تقديم لوحة كاملة تتعلق بجريمة قتل طلال لسنيا، كما انها القت الضوء على جدلية الحب والكراهية على مستويات مختلفة. لكن يمكن طرح سؤال: الى أي مدى أفادت بعض الاصوات في دعم حبكة الرواية وخدمت عقدتها الرئيسية؟ فعلاقة سينا الجنسية المؤقتة بميساء عند زيارتها الى اختها نورة في القرية، كان برأيي مقحما ولم ينفع الرواية فنيا، رغم ان الكاتب حاول أن يكشف التشوه الاجتماعي الذي أصاب المجتمع التونسي وحقيقة التغيير الحداثي فيه من خلال زيارة سينا الى غرفة ميساء واكتشافها لعالم مغاير؛ عالم غزته الحداثة، نجوم الهاردروك ومجلات إباحية، في الوقت الذي تعيش فيه ميساء في عائلة متزمتة، حيث كاد والدها ان يقتلها، وكان اخوها الجامعي يجلدها حتى الموت، حتى ان سنيا رأت آثار الجَلد على رقبتها (ص.46)، مع أن هذه العائلة رضخت أمام إصرار ميساء، شريطة ان تبقى الامور سريّة (ص.47)، أيّ كشف علاقات اجتماعية زائفة.

هناك سؤال آخر يخطر على بال القاريء ايضا: لماذا اختار الكاتب ان يكون حب سينا لفتاة -"سلمى"- باعثا لقتل سينا؟ هل هو سعي من الكاتب لتعميق إحساس طلال بدونيته الشخصية، لانها أحبت امرأة ولم تختره كرجل، فمن المعتاد أن يكون هذا الصراع في المجتمع الشرقي حول المرأة هو صراع " بين رجل ورجل"، كما يشير عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو في مكان ما، طالما ان هدف طلال كان في أساسه إمتلاك جسد سنيا، أم انها محاولة لإضفاء نوع من الإثارة الى السرد عبرعلاقة جنسية محرمة في السياق الاجتماعي العربي؟

الى جانب ذلك لجأ الكاتب الى استخدام آلية الافكار و المواقف المتضادة لكي يعمق من عقدة الرواية وحبكتها، فاذا كان الحب بالنسبة لطلال يعني ارواء الجسد العطشان، فانه عند سنيا ليس الجسد بل صراخه، اي مشاعره والتهابه، الجسد لديها اكتشاف للذات" هانذا" (ص.32)، تحديد كينونته والاعلان عن جغرافيته الملموسة، وحريق لا يكمن اخماده: " الكون يشتعل ياطلال. الحب الحقيقي نار لا تنطفيء"( ص.32)، وقد وجدته لدى سلمى، بينما لم تعثر في طلال على ما كانت تبحث عنه.

واذا كان الانتقام الذي ولده الحب العنيف قد ادى بطلال الى قتل حبيبته سنيا، فان هذا الحب يفضي على العكس من ذلك الى تضحية كمال بنفسه، بشنق نفسه على شجرة رغم معرفته بخيانة وصال له، اما السجّان فيذعن الى خيانة زوجته ويقبل به امرا واقعا رغم أمتعاضه منها وغضبه عليها.

على هذا النحو أراد المؤلف أن يكشف لنا عوالم بشر يختلفون في نواياهم ودوافعهم و تصرفاتهم والمصائر التي تنتظرهم، رغم تقارب حيثيات الاحداث وخلفياتها. الا اننا نعرف عن طلال اكثر مما نعرفه عن الاخرين، حيث يقدم لنا الروائي بعض المعلومات عن طفولته وعائلته ومستواه الفكري واهتماماته، دون ان نعرف الكثير عن بعض الشخصيات الأخرى.

 

الخاتمة

يمكن القول ان رواية وردة الفجر، باسثناء تفاصيل مشهد قتل الضحية والتمثيل بها، هي رواية واقعية اجتماعية، تنطوي على بعض ملامح "رواية الجريمة"، لان باعثها شخصي، او كما يشير جوليان سايمور الناقد ومؤرخ أدب الجريمة، انه " تم الاتفاق على ان تكون البواعث لكل الجرائم شخصية (...) ينبغي ان لا ترتكب لإسباب باسم الدولة او لمباديء نظرية أو عن طريق شخص مجنون محض" (5).

الجريمة لم تكن عموما هي الهدف او الأداة في الرواية يُراد منها التشويق أوالمفاجأة لشدّ القاريء وكسبه الى جانبها، كما ينحو اليه معظم أدب الجريمة، بل كانت ثيمة تنحو الى أبعد من ذلك، اراد بها الكاتب السّيد التوي كشف عوالم اخرى؛ النفسية والاجتماعية والثقافية؛ القمع في الطفولة، الحرمان الجنسي أيام الشباب، القمع العائلي، العلاقات المرتبكة بين المرأة والرجل، الحرية الجنسية، ثنائية الحداثة التقليد، مفهوم الخيانة، الانتقام،تعويض الذات المجروحة وغيرها من القضايا الانسانية. إنها رواية تستفيد من فضاء الجريمة و موضوعها لتعالج واحدة من القضايا التي شغلت الانسانية منذ فجرها، أعني بها، جدلية الحب والكراهية. وهدفها إثارة اسئلة اخلاقية ونفسية عن بشاعة تحول الحب الى كراهية مطلقة، تنتهي بصورة الدم والموت، ثم مساءلة الخلفيات و البواعث الحقيقية لهذا التحول.

 

ملاحظة: جميع الارقام بين القوسين المشار اليها في الدراسة تعود الى مصدر الرواية التالي: السيد التوي، وردة الفجر، تونس، دار زينب، 2015

 

قحطان جاسم

......................

المصادر

1) اعتمدت من كتابة مدخل المقالة على الكتاب التالي :

Julian Symons, Bloody Murder. from the detective story to the crime novel, Viking, 1985

2) Søren Kierkegaard, Begrebet angst, Samlede værker, København, Gyldendalske boghandels forlag, 1902, bind IV.

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3447 المصادف: 2016-02-12 01:24:41