المثقف - قراءات نقدية

الشاعرة نعيمة زايد مشروع شعري ممتد عبر فسح الحياة

wejdan abdulazizفي سديم سفوح صفحات الشعر، ارتجى الانتظار ان يمهلني قليلا، ليكون حضورك وحضور الجمال المتخفي في اعماقك هناك .. يقول الشاعر الفرنسي بول ايلوار:

(ليس لليأس اجنحة

ولا للحب ايضا

ليس ثمة من وجه

لا احد يتكلم

أنا لا اتحرك

أنا لا اراهم

أنا لا أكلمهم

لكنني حي أيضا مثل حبي مثل يأسي)

وهذا بمثابة تغريدة في سماء جميلة يستحضرها الشاعر بول، ليراهن ان الحياة، هي الحب ..ثم اني انصت بأمعان للشاعرة نعيمة زايد هامسة في صفحات الشعر:

(قد تكون بابي الحصين

تلج صمتي المترف

ودون رياء الأخطاء

تباهيني أناي فيوض منتصف الروح

سطوتك

لم تكن سليل الهباء

وحين تراقص الريح حلقاتك

تؤشر لروحي مرايا خارج السديم

تطرزني أحلاما زئبقية تعتق المعاني

لتمطر جنانا كأس القصيد

تعال

عرش وبالأرق الأخضر

كما الخروج مني اليك)

فانا كوني متلقيا، عشت عوالم الجمال بين بول ايلوار وبين نعيمة زايد، لاكتشف الخلجات الانسانية تمتزج بالبحث عن الجمال وعن الاخر في كوننا الكبير المضطرب كبحر تفور احشاءه، ليصدق حدسي بان الشعر هو صاحب السطوة في عولمة المشاعر الانسانية الباحثة في مساحات الحب والجمال .. وهذا ما اكده اكثر من مرة الاستاذ الدكتور محمد صابر عبيد من ان: (لغة قصيدة النثر الحديثة لغة حرة وانسيابية وجريئة وخالية من العقد، تستوعب الفضاء اللساني الانساني كاملا، من دون أي اعتبار للثنائية العنصرية المتمثلة في التفريق الطبقي بين المتن اللغوي والهامش اللغوي، تؤسس أنموذج فصاحتها بالمعنى الحيوي الاجرائي والعملي والواقعي للمفهوم الثقافي للفصاحة، اذ يستجيب هنا لصالح قوة التعبير ونقاء التشكيل وثقافية الرؤية ودينامية التداول)2، اضافة الى قدرة التعبير الشعري الحديث على الحوار وادامته في سدى الخلجات الانسانية النازعة، نحو افق التألق والسمو الروحي .. لـ(ان النص الشعري الحديث حوار دائم ودينامي مع الأشياء، حوار ثر مبني على ديالتيك خاص، مشحون بقيم أصيلة تتسم بالتشابك والعمق والتعقيد، يقوم بمهمة تشكيل النسيج الداخلي عن طريق ربط الأجزاء المتوازية والمتقاطعة والمتضادة في النص الشعري، وينعدم في هذا الحوار ذلك التواطؤ التقليدي القائم بين عالم القصيدة، ومساحة الفاعلية الذهنية المستقلة عند المتلقي، والمعتمدة على خاصية الإشباع المحايد لمراكز الانتظار والتوقع فيه لذلك فهي تصدم ذوق المتلقي التقليدي بما ينتظر، بمعنى ان المتلقي سيفقد فيها لذة تعود عليها، وتأسس نمط ذوقه على أساسها . لذلك فانه سوف يحتاج على هذا الأساس نوعا من تطبيع العلاقات مع عوالم النص الشعري الحديث، الذي ينهض بذوق المتلقي ويرتفع به إلى مناطق جمالية طرية وطريفة ومباغتة، تضج بسحر غير قابل للنفاد، فيكبر وعيه نحو استثمار قدرات العقل على نحو اكبر وأفضل وأكثر جذبا ومتعة.)، وبما ان محل دراستي، هي الشاعرة نعيمة زايد، لا اجد بد من التمتع في قراءة اشعارها اولا، ثم اخضاع هذه الاشعار لمحاولات جادة، عساي ان اشاركها في مستردات المعنى .. وانا (امام هذه الشراكة الحداثوية يتوزع المؤلف والمتلقي الى مدرجين: الاول قدرة المؤلف على الابتكار والثاني قابلية القاريء على خلق المعنى او ما نسميه الاسترداد)، ويقول اميل زولا : (نحن ببساطة نرسم الانسانية كما نجدها في الطبيعة، ونحن نقول ليكن كل شيء معروفا من اجل ان يشفى الجميع)، وتساؤلي هل استطاعت شاعرتنا نعيمة زايد في شفاء غليل عملية الاسترداد للمعنى، وهي تلتقي بخلجاتها مع الشاعر الفرنسي الكبير دون وعي منها اكيد، سوى تلك الخلجات المنفعلة التي اطلقتها عبر كلماتها الشعرية، لتكون احدى الشاعرات التي تقول وتصمت، تقول وتضمر في دواخلها المعاني، كي تتجسم رؤاها عبر هدوء الانفعال الانساني المتزايد في اشعارها المنبثة هنا وهناك .. ناقلة صراعها المستديم مع اشياء الكون، ومع الاخر .. اذ تقول:

(ياسيد الغابات

وقد انتبتني قصيدا

ترحلني دوال المحال . !!!!!!!!!!!!!!!!!)

 

وكأن الصراع يحمل سمات الاستمرار في اللاممكن، مادام الشعر هو المشروع الغير مكتمل دوما، باعتباره تيه، لولا فسحة البحث عن مداخل الملاذات الانسانية، كونه المعبر الوحيد الذي يعطي دفق الحلم الممزوج بخيال يحلق حول الكون ..وهكذا تبقى زايد تردد: (وأنا/ تتلبسني الأحلام)، وهنا قد احيل الى قول لامرتين : (ان افكاري تفكر لي)"، أي ان الافكار يوحى بها وتهبط اكثر مما تصنع . وهذه تحيلنا الى محاولة افلاطون في صياغة التفرد وجعل نشاط الشعراء، هو نشاط موحى به من الالهة ونحن اذ نستعرض هذه المقولات والاراء القديمة والحديثة، لندل بما لايدعو الى الشك ان الشعراء ليسوا بالاناس العاديين، بل يمتلكون فرادة خاصة، تعطيهم الميزة في افتراض الحلول .. (وعجيب ذلك الانسان، انه مخلوق لاتقف رغباته عند حد وهو لاينفك يسعى الى التسامي ويهفو الى الافضل والاحسن .. فهو لايقنع بادراك الاشياء ومعرفة الموجودات والاحداث المحيطة به، بل يستشعر في الادراك ذاته لذة ويتذوق المعرفة خالصة عن كل ما يتعلق بها من اهداف عملية، وهو لايكتفي بتذوق احساساته وانطباعاته عن الاشياء، بل يضفي عليها من خباله ما يكسبها كمالا وجمالا تستجيب له نفسه بالرضا والسرور، وعندما تمتلأ نفسه بشعور البهجة يصف كل ما يرضى احساسه وخياله بالجمال) فلسفة الجمال، ويبقى مشروع نعيمة زايد الشعري ممتد، وكثير العطاء أنموذجا قصيدتي (هدير الطوفان) و(وعلى البياض)

 ... قائلة بانفعال:

(آه

لو تعتري جمري

قوافلي

لو يموت الصمت

أوشح جنوني نشيد البدء

أجنحة فيوضك

بين الكلام والكلام )

 

وجدان عبدالعزيز

.......................

مصادر البحث:

كتاب (فلسفة الجمال) د.اميرة حلمي ـ مشروع النشر المشترك ـ دار الشؤون الثقافية العامة بغداد العراق ـ الهيئة المصرية العامة للكتاب القاهرة ص 26

كتاب (تمظهرات القصيدة الجديدة) أ.د.محمد صابر عبيد عالم الكتب الحديث ـ اربد ـ الأردن الطبعة الأولى 2013 م ص9

قصيدتي (هدير الطوفان) و(وعلى البياض)

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3459 المصادف: 2016-02-24 01:50:48