المثقف - قراءات نقدية

أسئلة الرواية الاماراتية.. دراسة لخمس روايات اماراتية (4)

1- أميرة حي الجبل... لعلي احمد الحميري

2- إمرأة استثنائية .. لعلي ابو الريش

3- لعله انت .. لباسمة يونس

4- بين حين واخر .. للميس فارس المرزوقي

5- ريحانة .. ميسون صقر القاسمي

 

4/12 امرأة إستثنائية .. لعلي أبو الريش

واسلوب السرد لدى علي أبو الريش، شفافا، يقترب من عتبة قصيدة النثر التي يكتبها .. في الصفحة الاولى يبدأ الروائي استهلاله السردي فيقول :عند شقة الجبال الشاهقة، ولسان الماء المنحدر من أتون التواريخ الغابرة، تلج مدينة الرمس أسطورة الحنين، ويباب السماء، المتفجرة بالسحابات الفضية ..

وجوعان بن ناصر، بطل الرواية، يقف مرة متمردا، أقرب الى حمدان القرمطي (الصفحة 9) وهذاالقرب لابد من الوقوف عنده لأنه دلالة وضعها المؤلف بقصدية اعطاء وصف بابعاد نفسية وربما سياسية، فهل اراد المؤلف ان يعرض التشابه الدلالي بنهاية حمدان القرمطي وفشله في ان يؤسس نظاما يتسم بالبقاء، ونهاية جوعان بن ناصر وقد صرعه المرض في أحد مستشفيات أبوظبي دون أن يحقق أي من احلامه في هزيمة سلطان المجرن أو حبه لعفراء أو علاقته بالمرأة (خلف الستارة) في الجوار المقابل أو في علاقته مع سعاد!!!!

والرمزية في توظيف التاريخ في الرواية، تتضمن شحن خيال المتلقي ودفعه الى التفكير بشخصية البطل

الرواية، أوأي جنس أدبي، دلالة قبل أن يكون بنية سردية او وصفا لمظاهر اجتماعية، وهذه السمة بقيت ملازمةلها منذ انطلاقتها الاولى

جوعان يكره سلطان بن مجرن، ليس فقط لأنه قوي ومن أصحاب النفوذ، بل لأنه حشرة طفيلية نمت على اكتاف الاخرين (صفحة 16) كان هذا شعور حمدان القرمطي، من هنا داخل جوعان شعور يقيني أن الاستيلاءعلى قارب سلطان بن مجرن سيحرمه مصدر قوته، فملكية وسائل الانتاج هي المصدر الحقيقي للسلطة، وهذه علامة دلالالية، فقارب الصيد الذي يملكه سلطان المجرن هو مصدر رزق للصيادين من مدينة الرمس، وهو ايضا السبب في ان يعاملهم المالك بالكثير من التعسف والاذلال .ولكن لابد من الاشارة الى ان حمدان القرمطي كان يحمل مفاهيما في السياسة والمجتمع وكان يحمل ايضا تنظيرا لشكل الحكم الذي كان يسعى لإقامته، حيث انشأ نوعا من الحكم الثوري المحلي يتسم بالحرية و المساواة بين أبناء ذلك المجتمع الذي أقامه، ساد فيه التعاون المنتج بين الفلاحين أنفسهم وبينهم وبين الصناع والحرفيين وأسماه (نظام الالفه)، في حين أن جوعان لم يك يحمل الا همومه الشخصية، وطوال عملية السرد لم يساهم في اية نشاطات فكرية او حتى فعاليات اجتماعية .

جوعان يبحر بالقارب، يندفع، يأخذ شهيقا عميقا ويضغط براحتيه على مقبض المجدافين .. يرفع صدره شاهقا على سطح الماء .. تمر من حوله سفينة ضخمة، فتطيح بسكون الماء، وينهض الموج العارم يضرب بخشب القارب بعنف، فيدوي هدير .. يصرخ جوعان مزمجرا :لعنة الله عليكم ياأوغاد، تسرقون كل شيء حتى لحظات الفرح تستكثرونها على غيركم، هذا السائل اللزج الذي يقطن في أحشاء سفينتكم هو ليس لكم (صفحة 19)

هذا المقطع مشحون بالدلالات يتناسب ومزاج جوعان المتمرد، فالقارب هنا، هو مكان لانفراد جوعان بنفسه، وحيث يتماهى مع الفضاء الكبير في عرض البحر .

ان بنيةالنص السردي في رواية علي ابو الريش (امرأ ة استثنائية ) ليس لها محددات للبنية الخطابية، فهي متعددة و مليئة بالدلالات التي تقود كل منها الى تأويل، ربما، مختلف، جوعان يقف وحده يحارب العالم الخارجي، دون ان يعي موقعه الاجتماعي، أو يتسلح بفكر ووعي يسمحان له بدخول هذه الحرب.

وجوعان الذي بدأ حريصا على سلب إبن مجرن سلطته بالإستيلاء على القارب، ليمارس هو سلطته وليشعر بالقوة ويستمتع برهبة الاخرين منه، يعود ليعلن :

- لا أريد أن أكون سلطان بن مجرن آخر (صفحة 139 )

جوعان شخصية مترددة، تعاني من اضطراب في التفكير ومن قلق وجودي، كما عرضها علي ابو الريش، ويمكننا القول ان رواية(امرأة استثنائية ) من نتاج وعي المؤلف وخياله المعرفي، فهو ابن رأس الخيمة وقد عاش التحولات الاجتماعية وهو على دراية بحركة الشخصيات في مكان الرواية، وبأنماط العلاقات وانزياحاتها، وجاءت شخصية جوعان المترددة عن معرفة واعية بتأثير مرحلة انتقالية، من المجتمع العشائري حيث تسود الإرادة الشخصية، الى مجتمع الدولة المدنية حيث يسود حكم القانون، وأرجع سيكموند فرويد، الشخصية ذات الطبيعة المترددة الى طغيان شعورها بالقلق وعدم التوازن النفسي، فكل شخصية قلقة تقع تحت تاثير نفس قلقة .

يقول جوعان بعد عجزه عن التحدث مع المرأة (في الجوار المقابل) والتي حزم أمره وتابعها حتى محطة وقوف السيارات (الصفحة 155):

لآ أحد يستطيع أن يمنحني الحرية اذا لم افكر فيها وادافع عنها، وعجزي عن التحدث مع المرأة، أفصح عن قدرات كامنة كان لابد من تهيئتها وتشجيعها قبل الشروع في تنفيذ الخطة، أشعر اني اضعف من تلك المرأة، ومن وداعتها .

جوعان يقرر اولا انه يملك قدرات كامنة، ثم لايلبث أن يتراجع ليعلن أنه أضعف من المرأة، وفي ذات الصفحة يواصل منولوجه الداخلي :

ألست أنا الان مخادعا، الست كاذبا متناقضا، أحب عفراء وأركض وراء امرأة غريبة لا أعرفها .

ان قدرة الروائي علي ابو الريش ومهارته في بناء معماره الروائي ومعرفته في دراسة الشخصية المركبة لبطله، تجعله يبتعد عن المباشرة أو التقريرية، وعلى المتلقي ان يبحث عن الدلالة في السلوك أو مناجاة البطل لنفسه، ليلتقط الدلالة متفاعلا مع النص، وهكذا يقدم دراسة نفسية ضمن بنية السرد الروائي ومتخيلاته، واعتقد أن دراسة ابو الريش لعلم النفس ساعدته على هذا

الشخصية الرئيسة الثانية (سعاد)، المحررة في المجلة والتي ارتاحت لشخصية جوعان، منذ أول لقاء بينهما وعملت على خلق علاقة متميزة معه، لم تتوانى عن دعوته الى الخروج سوية، وقد قبل دعوتها على مضض (الصفحة 256)، واستجاب لرغبتها، وها هو الان يجلس الى جوارها، وأحينا تلتطم ركبته بركبتها، وهي لا تحاول أن تزيح جسدها بعيدا، وبينما هي تشرد في ذهول الخيال البعيد، جوعان يأخذ الامر عاديا !!!!!!!

سعاد اكبر منه واكثر تجربة فهي ترد على جوعان: لأنني طرت كثيرا واتعبت جناحي، ولما شعرت بعدم قدرتهما على مواصلة الطيران قصصتهما .

يضحك جوعان: أهذه نكتة .. أم خيال امراة جامحة؟

ترد سعاد :بل هي حقيقة .. المرأة .. عندما تقف على حافة الخطر تشعر بانها بلا

جناحين، وانا كذلك الان .(صفحة 259 )

نخمن (الصفحة 335) بان سعاد من لبنان او الاقل، يعيش اهلها في بيروت، وذلك حينما تخبر جوعان بأنها مضطرة للسفر الى بيروت لوفاة أخيها عادل بحادث سيارة

من هنا نفهم السلوك المغاير لسعاد، السلوك الجريء واحيانا المباشر، فالبيئة المغايرة تنتج سلوكا مغايرا، ينسجم وطبيعة العلاقات الاجتماعية

حينما تتسلم سعاد رسالة جوعان، التي سلمها لها خليفة، والتي كتبها جوعان قبل وفاته، تقول :لا يقهر المرء إلا الحب، أجل إنه المرض الحقيقي الذي يستبيح الشخصية ويستولي على مكوناتها، فتستحيل الى طاقة هامدة، أسيرة الوهم .(الصفحة 428)

وفي النهاية تتساءل سعاد :وجوعان، من هو جوعان ؟ماذافعل جوعان وماذا أنجز، لقد قا ل لي أنه جاء لقهر القهر، ليقضي على رجل يدعى سلطان بن مجرن , ولكنه لم يفعل من ذلك شيئا .. جوعان انهزم .. جوعان ذهب .. الى من حيث أتى، لكنه ذهب جثة هامدة

وبعد صمت، تنطق سعاد .. سأغادر ولن أعود .. الحب حيلة مخادعة هزيلة .(الصفحة428)

هل قالت سعاد كل ذلك فعلا، أم أن الروائي علي ابو الريش، هو من توصل الى هذا الاستنتاج ليختم به روايته، وما هي مقاصد المؤلف،

ام انها طبيعة النص المفتوح للرواية، الذي شىكل بنية الرواية وليدفع الروائي بالمتلقي للمشاركة في الحدث .

بمعنى آخر ماهو سؤال السرد في رواية (امرأة استثنائية) في ظل سلوك البطل، حيث يظل جوعان المحور - الذي تدور ألأحداث السرديَّة حوله - أو من خلاله، يَظلُّ أيضًا بابًا مفتوحًا لتعاطي مختلف التفسيرات والتحليلات لشخصيَّته، واستثارة جُملة من الاستفسارات حوله؛ على مستوى المقاربة بين حقيقته وصورته التخيُّلية كما جاءَت في الرواية.

 

ذياب فهد الطائي

............................

كريم ناصر، مجلة أحداق، العددالاول تموز 2003 ص154

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3464 المصادف: 2016-02-29 01:28:06