المثقف - قراءات نقدية

دراسة نقدية لقصة: طقس عبثي للقاص عبد الكريم الساعدي

''للممارسات الدينية والطقسية دور في إحياء الأصول والعود الأبدي إليها ''

ميرسيا الياد

(الغصن الذهبي )

''الفعل الطقسي لصيق بكلّ الأفعال الاجتماعية ومناسبة لتعبئة الوعي الجمعي بطاقات من المعنى في مجتمعات تتغيّر بسرعة وتعيش أزمة كينونة''

الباحث محمد اسماعيل زاهر

 

فالطقوس على ضوء المقاربة الانثروبلوجية ضرب من الممارسات الرمزية في ارتباط وثيق بأساطير البدء والتكوين وطفولة الكائن البشري عندما كان هذا الكائن يحاول استمالة الآلهة والابتهال في حضرتها وتقديم القرابين حتى تمنحه السلام والانسجام والطمأنينة والأمان ولكن هذا الطقس الممارس في هذا المتن السردي* طقس عبثي*منزاح عن هذه المنابت الأولى مفارق لها إذ اقترن باللاجدوى وأفرغ من معانيه الأصلية وشحن بمعاني جديدة ترشح بطلانا وزيفا.

وهكذا كانت عتبة النصّ الأولى العنوان واقفة في مهبّ دلالات القلق إذ أنّ الفعل الطقسي بلا نجاعة ولا فائدة، ولا شكّ أن لهذا العدول عن وظائف الممارسة الطقسية المعهودة مبرراته وقد يفصح عنها المتن السردي أو حبكته الفنّية.

ينفتح هذا المتن السردي بصيغة مفتاح عادة ما تستهلّ بها النصوص السردية على عادة الرواة ونسجاً على منوالهم ولكنّ هذه الصيغة'' ذات زمن شاحب'' الافتتاحية شذّت كما شذّ الطقس العبثّي عن المعهود إذ كانت متصلة منفصلة في آن في تواشج مع القوالب الموروثة مثل زعموا أنّ / ويحكى أنّ/ ويقال/ بنية وصياغة ولكنّها على غير مثال سابق عمقا ودلالة فالنعت شاحب ينأى بها عن مجرّد التأطير الزماني أو إعلان بدء الحكي لتصبح حاملة لدلالات الشحوب المقترن بعدم وضوح الرؤية والتخبّط والعشوائية و اللامعنى و تتكثّف هذه الدلالات بتواتر أفعال متكررة في رتابة وبلا تجدد . ومن يأتيها تحوّل إلى آلة صمّاء فقدت كلّ إحساس وأضحت مفتقرة إلى طاقة حيويّة حتى وهي تبدأ يوما جديدا ولكنّه مبتذل لرتابته وأضحى بلا سحر البدء أو لذًّه فكانت أفعال هذه الآلة أقرب إلى الانعكاسات الشرطيّة المملّة بلا حسّ أو حياة وكانت اللاءات الآخذ بعضها برقاب بعض معلنة ألاّ تفادي لأوجاع تواجه هذا الفرد المنفرد ومن هذه الأوجاع المؤلمة لا طيف/ ولا أرجوحة /ولا حلوى/ وكلّها رغبات طفوليّة مكبوتة أو مجهضة طالها اللجم أو القمع واكتوى مفتقدها بنار الحرمان منها وهي من لوازم كل طفولة لم يصبها الشحوب وتضمن إذا كانت سويّة تأمين وضع من التوازن المطمئن وإنّها لإحدى إشارات العنوان *الطقس العبثي* أي فقدان الشعور بالحماسة المصاحب للأنشطة الطقسيّة الجماعيّة واضمحلاله فهذا المهمّش المفارق لسربه ولجماعته أصبح غير مبال وهو مستسلم للفراغ وللرتابة وللملل ويتصرّف كمن أصابه الإنهاك ويغرق في هذا الفراغ إذ لا وجود لما يفجّ به قوّة خلاّقة تجعله يتجاوز حدود فرديته. ولا يمكن أن تتجاوز هذه الفردية ووحشتها والرفيق كائن ضعيف فالأمّ ''هرستها الأيام'' وأضحت كيانا هشّا يسهل اختراقه لوهنه وعلله .

وتضيق دائرة الاكراهات والمكبّلات ويضطلع الحيّز المكاني الضيّق ''ركن في غرفة'' بدور الكشف عن جوانب من نفسيّة هذا الصبي المكتهل وهو يشعر بالاختناق لإطباق منغصات عدّة على عنقه فكان بذلك كيانا مأزوما محبطا عبثا يحاول الإفلات من قبضة الشعور بانعدام القدرة على التغيير والتبديل ويقف عاجزا إزاء ما يجري.

وهكذا يتّخذ القاصّ عبد الكريم الساعدي هذه الشخصيّة القلقة بؤرة للحدث والمبئر في آن آلية فنيّة تميل بنا إلى الواقعية المحبطة بكافة مفرداتها وتفصيلاتها وما تعكسه من متناقضات وكأنّ هذا الغلام الوجه الأخر لبطل قصّة المعطف للأديب الروسي ( نيكولاي غوغول) وكأنّ هذا الصبي ممن يحيل عليه ضمير المتكلّم الجمع

''كلّنا خرجنا من معطف غوغول ''

إذ لازمه البؤس منذ الولادة '' وكأنّما ولد معه ختم بالبؤس على جبينه''

إذا فالبؤس المادي والمعنوي من الوشائج الجامعة بين بطل طقس عبثي للقاصّ عبد الكريم الساعدي وبطل المعطف وقد لا نعدم وشائج أخرى ومنها آلية السخرية حكمة المفارقات الإنسانية وابنة المتناقضات والأسئلة المعلّقة على تحبير الباحث محمد إسماعيل زاهر .

وحتّى تتجلّى هذه المفارقات عمد القاصّ إلى أسلوب التقديم والتأخير والى تصرّف فنّي بالبنية الزمنية بالتلاعب بالمشاهد عبر فنّية الاسترجاع بالالتفات إلى الماضي في محاولة '' هرب من فزع اللحظة ''و متناقضاتها ولكنّ المحاولة باءت بالفشل وما الابتسام المرَ القلق إلا علامة من علامات استواء الأضداد فليس الأمس بأفضل من اليوم فيستحضر الصبي تذكّراً صورة ''أب مسجّى'' مستسلم للغياب فليس ما كان بأقل عبثية ممًا هو كائن بل إنّ الحاضر أشدّ عنفا وقهرا وقد تبدّى في صورة الأمّ المنتحبة وهي تشكو الفاقة والعجز '' لا وقود لدينا '' ومنطوقها هذا اختزل لحظة الأزمة وقد بلغت أوجها وذروتها و إنّها للحظة فاجعة والصبي المكتهل يجلد بسوط من نار الشعور بالعجز والاستسلام للواقع المأزوم العبثي، ولمّا كانت القصة القصيرة تحشد كلّ ثقلها في اتجاه النهاية لتكون كالقنبلة التي تلقى من طائرة ويكون هدفها الأساسي المسارعة بإصابة الهدف بكلّ طاقتها الانفجارية فقد كانت للصبي ومن ورائه القاصّ قنبلته الموقوتة وفي لحظة الكشف وفي النهاية و بطاقة تفجيرية هائلة أقدم هذا القلق حدّ الجنون على إحراق كتبه حتى يمنح أمّه دفئاً كما منحته من قبل عند تخلّقه جنيناً رحماً اكتنفه في حنوّ وحضناً أمومياً لن تظفر بما هو أدفأ منه.

وتعكس هذه النهاية غير المنتظرة والمفاجئة والمخاتلة للمتلقي منحى ثوريا تجلّى في كتابات المرحلة الراهنة بكل تناقضاتها في واقع بلغ منتهى تداعياته الرهيبة. ومن المتون السردية المنخرطة في هذا الاتّجاه ''الأشجار واغتيال مرزوق'' لعبد الرحمن منيف فبطل الرواية منصور عبد السلام لم يجد من وسيلة ليحقق ثورته الفارغة من كلّ مفهوم سوى الرفض والرغبة في تحطيم كل شيء يقول هذا البطل المأزوم '' ماذا أفعل إذا كانوا يريدون لنا أن نظلّ إلى الأبد في المزابل وتحت الأحذيّة ...يجب أن يدمّر نهائياً لعلّ عالماً جديداً يقوم على أنقاضه، لعلّ بشراً من نوع جديد يأتون من صلب عالم آخر لكي يطهّر هذه الأرض التي تعلوها طبقة سميكة من القذارة والتفاهة ''

والقاص عبد الكريم الساعدي انخرط في سياق الترجي والتمني وفي لحظة التنوير في قصته القصيرة طقس عبثي تجلّت أدوات تستعمل إمّا تمنيّاً أو ترجّياً ''لعلّ أمّي تحظى ببعض الدفء'' والسياق والرابط العاطفي المقدّس يرشّح لعلّ هذه لتكون ترجّياً ورغبة ممكنة الوقوع وأمّا ''علّني أجد ظلّي'' وقد ختمت بها القصّة قصّة الطقس العبثي فلن تكون إلاّ للدلالة على تمنّ مشرب حسرة إذ أن الواقع المريض والمرير لا يرتجى منه إلا أن ينسل أماني مجهضة.

 

طقس عبثي

ذات زمنٍ شاحب، تراني أستيقظ من نومٍ طويل، متعثراً بالنعاس، أفرك عينيَّ، لا أثرَ لطيف، أتطلّع إلى السماء، غيوم داكنة، أحدّق عبر النافذة، لا أرجوحة، لا قطعة حلوى. الصباح معتلّ بعزلة خانقة، أصحو على سعال أمّي التي هرستها الأيام، تربض قرب الباب، ترتجف من شدة البرد، أنزوي في ركن الغرفة، خيبة وغربة عن المكان والزمان؛ هكذا أنا، طفولة تتأرجح في غياهب المجهول رغم أنفي، أحاول أن أتسلّق ذاكرتي هرباً من فزع اللحظة، أبتسم هازئاً، لا شيء غير أب مسجّى دون ملامح. في تلك اللحظة، وقبل ذهابي إلى المدرسة، سقطتْ دمعة من عين أمّي، لم تكن دمعة، كانت طوفاناً من الوجع والانكسار, تحدّجني بنظرة محاطة بالغموض، تتلو أزمنة الفجيعة، تعتذر:

- لا وقودَ لدينا.

يخذلني الحياء، يلفّني الجزع والحرمان، كلّ شيء فقد ملامحه. أتساءل،

" هل خرجت من معطف الحماقة أم هي أقدارنا؟ ".

أشمّ عبق معلمي الأول، أعتذر لمدرستي الطينية، أحرق كتبي؛ لعلّ أمّي تحظى ببعض الدفء، أرقص فزعاً، أستنفر دموعي، أتشكّل طقساً عبثياً؛ فأهرب صوب اللاأين، علّني أجد ظلّي.

 

بقلم الناقدة عزة الخزرجي / تونس

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3514 المصادف: 2016-04-19 07:56:38