المثقف - قراءات نقدية

رؤية نقدية لنص شماتة ألم للأديب العراقي الأستاذ عبد الرزاق الغالبي

شماتة ألم

تذرف كلماتي دموعاً

وترتدي حروفها السواد

محرم يقيم في الجيوب

آه ....يا وجعي....

الوطن ينزف

ويسند جروحه بيديه

الرؤوس الخشبية

تتشدق بكلمات جوفاء

أكبر من كروشها و أدمغتها

المتخمة بالكبرياء

تحيي سريالية الشعر

وتتقاذف الضحكات

وكؤوس الخمر

وكأن الوطن في يوم عيد

كم نحن مساكين

حين نكتب للفقراء

بلغة القرآن الواضحة

و دماء الأبناء ....؟

هم وحدهم من يفسر

آياته السمحاء

ويداوي جروحه

هم و حدهم

أعمدة في صروحه

و من يقرأ مصحفه

أما أنت أيها الألم

هي فرصتك

أن تشمت

وتنفث مقتك و تصمت

في زحام الأشرعة

و بين آلام المفجوعين

وأحباب الله

الموت يحرس الأبواب

والرياح تتسابق

تغسل أجساد المغدورين

وتودع الهمس و الشوق

وتنشر عبق الخالدين

زهوراً تفوح عطراً

وميقات صلاة وأنين

يقطفها خنجر يقطر سماً

وستكتمل الدائرة حتماً

و تزف الملائكة الزهور للقبور

و الألسن الخادرة تلعنها

من الفنادق والقصور

 

الأستاذ عبد الرزاق عوده الغالبي عراقي الجنسية عربي الأصل يقيم في الناصرية يعمل مدرساً لمادة اللغة الإنجليزية .. له مترجمات عديدة الهدف منها خدمة العلم وطالبيه .. له العديد من المؤلفات فهو أديب متمكن من موهبته الأدبية التي أثقلها بالعديد من الدراسات، من أهم كتبه التي طبعها لخدمة العلم وطالبيه كتابي "أهمية التواصل في تعلم اللغة الإنجليزية، والعبور إلى الضفة الأخرى".

له العديد من الرؤى النقدية والعديد من التناولات النقدية لنصوص وروايات وغيرها من نصوص أدبية .

تنصب معظم كتاباته للدفاع عن فقراء العالم في أي مكان ومنهم نصنا هذا "شماتة ألم".

الفكرة العامة للنص هي رفض المعاملة الظالمة للفقراء ومشاكلهم في وطنه .. وكيفية تناول أصحاب الكراسي لهذه المشاكل التي لا تنصب حلولها إلا في كروشهم، أما الفقير فلا يجد منهم إلا المطالبة بتمسكهم بتعاليم دينهم فهي المخرج لما هم فيه .

الشعر فن ... والفن إن لم يطبق ويوظف لتناول قضايا يظهر فيها نقاط القوة والضعف ويعري الجور والفساد فلن يرتفع ذلك الفن الى مصاف المثل العليا التي تعبر عن محاولة الوصول للكمال وإظهار الجمال ومحاباته من أجل السمو بالبشرية إلى ما يشبه الكمال وما يشبه الجمال، وأرى في قصيدة "شماتة ألم" هذا النوع من الفن الراقي الذي يحاول الرقي بالبشرية للكمال والجمال معا .

القصيدة عمودية حرة من شعر التأسي والتهكم على حال لا يرضاه الشاعر فسلط الضوء عليه كي يظهره ألا وهو الفقير وكيف تتم معاملته والتعاطي مع مشاكله، سخر الشاعر شعره للتعبير عن معاناه الفقير في وطنه سواء معاناته النفسية أو الصحية أو كل ما يخصه .

عنوان النص "شماتة ألم" فيه تشخيص فقد شبه الألم بإنسان عن طريق إلصاق صفة ذميمة للإنسان به ألا وهي الشماتة وهي صفة مذمومة مكروهة وهنا دمج الشاعر شيئان مكروهان معاً وهما الألم الذي لا يحبه البشر وليس هذا فحسب بل إن ارتباط صفة الشماتة به تجعله أكثر كرها وتجعلنا ننفر منه أكثر وأكثر وارتباطهما معا اعطى صفة التعظيم للكره لهما .

استهل الشاعر أبياته بفعل مضارع "تذرف" دلالة على الإستمراية لهذا العمل ... فالعين تدمع ومازالت وستدمع وظهرت الإستمرارية في أفعال المضارع (تذرف- ترتدي- يقيم- ينزف- يسند- تتشدق- تحيي- تتقاذف- نكتب- يفسر- يداوي- يقرأ- تشمت..............)، الأفعال المضارعة هنا أعطت القارئ تأكيد على أن المشكلة كانت ومازالت وستزال قائمة وأن الألم الملم بالفقراء بدأ يشمت فيهم فلا حل ولا رجاء لهم سوى الله عز وجل .

استعمل الشاعر بعض التراكيب اللغوية والكلمات التي أعطت انطباع الكآبة والمعاناة الصادرة عن رفضه لظلم الفقير هكذا، هذه الكلمات أعطت للنص موسيقى حزينة أشارت بقوة على مدى الألم الذي يشعر به الفقير في بلده دون أي إهتمام

وجاء التهكم على الأوضاع ليزيد من توضيح المعاناة ووجود بعض الكلمات بحروفها مثل ترتدي فحرف الدال المكسور هنا زاد من شجية الحزن على تلك الأوضاع ساعدتها على ذلك تلك الآهة التي صحبتها ياء النداء على الوجع التي بينت عظم الألم وفجاعة الوجع .

من الكلمات التي بينت مدى المعاناة (دموعا- السواد- محرم- يا وجعي – ينزف – جروحه – مساكين- دماء – آلام – المفجوعين – الموت – المغدورين – أنين – للقبور ).

الموسيقى الداخلية كان منبعها الأصوات المفردة والكلمات والعبارات والتشبيهات والجناس والمقابلات كل هذا أعطى النص ايقاعا مناسبا طبيعيا لموضوع النص وظهر ذلك في ...

تشبيه الكلمات بالإنسان يذرف الدمع حزنا.

تشبيه الحروف بإنسان يرتدي السواد.

محرم يقيم في الجيوب دلالة على عدم رؤيته واندساسه بمكان يصعب على الجميع رؤيته فيه.

تشبيه الوطن بإنسان جريح ينزف.

تشبيه الوطن بجريح يضمد جراحه بنفسه بيديه.

تشبيه أصحاب الكراسي الذين لا يسمعون إلا أنفسهم بأن رؤوسهم خشبية كناية عن انعدام حاسة السمع والبصر عندهم والفهم أيضا.

تتقاذف الضحكات تشبيه الضحكات بأنها شيء صلب يتم قذفه دلالة وكناية على اصطناعية الضحكة وأنها ليست من القلب .

تشبيه دماء الأبناء بالحبر الذي نكتب به ... دلالة على عظم ما يقترفوه في حق الفقير.

 

مما يلفت النظر بالنص استعمال حروف الجر( من - في – و)، دل حرف "في" على الظرفية الزمكانية فقد وظفت للتعبير عن عالم الشاعر الذي يتحدث عنه، وحرف "من" يدل على التبعيض وكان بينه وبين باقي الكلمات انسجاما واضحا، حرف "و" يدل على الموصولية لشيء ليس معلوم بل هو مجهول حتى نهاية القصيدة وهو الحل لمشاكل الفقير .

ضمير المخاطب الذي حدث به الألم وشخصه دل الشاعر بهذا الضمير على انتصار الألم واستمراره للنهاية وأن حتى الآن لا حل ولا يوجد سوى ألم يشمت بقلة حيلة الفقير، تشخيص الألم ووصفه بالشامت باعد بين الفقير ووجود أي حل من الممكن تواجده .

بذلك وفر الشاعر بيئة مناسبة لموضوعه ونصه الشعري حيث جمع بين اليأس بفقدان الأمل والتشاؤم موفرا حقلا موسيقيا مناسبا للدلالة على ذلك واختار انهاء القصيدة بالإسلوب التهكمي فاقد الأمل .

تبدو في النص الرمزية ويمكن لقارئ النص الوصول إليها بسهولة ويسر هناك بعض الدلالات على الألفاظ التي استعملها الشاعر مثل ...

السواد ........الحزن

الجيوب ........... التخفي

بيديه ............... لا رفيق ولا مساعد

خشبية ................. لا عقل لها

جوفاء .................. جهل

كؤوس الخمر ..............لا دين

أعمدة في صروحه ............. تدين شديد

زحام الأشرعة ............. غياب التخصص

الموت يحرس الأبواب .......... كثرة القتلى

المغدورين ..................... خيانات

خنجرا يقطر سما ............ خيانة

ستكتمل الدائرة ........... على الباغي تدور الدوائر

الخالدين .............. الشهداء

الألسن الخادرة تلعنها ........... عديمي التمييز

من الفنادق والقصور ...زيادة حجم الفجوة بين طبقات المجتمع

استعمال الشاعر أسلوب الأمر عند التحدث مع الألم فيه تمني ألا يفعل وهذا يدل على أن الأمل ما زال قابع بنفسه في تغير الأحوال .

نجح الشاعر في توصيل هدفه ومقصديته من كتابة القصيدة ببراعة عن طريق دقته في اختيار عناصره الصوتية والدلالية واختيار لغته وحركاته ورؤيته التي يطرحها فظهرت جميعها متشابكة كنسيج واحد تفاعلت ألفاظه مع المناخ العام للقصيدة مع تصويره وأسلوبه .

أتمنى أن أكون قد وفقت في رؤيتي مع مقصدية الشاعر الأستاذ عبد الرزاق الغالبي .

 

كتبتها هالة محمود

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3535 المصادف: 2016-05-10 08:15:12