المثقف - قراءات نقدية

هوشنك أوسي من ارتجالات الأزرق إلى قلائد النّارالضّالة!!

rasheed alahmadصدرت مؤخّراً عن دار "فضاءات"  2016 في المملكة الأردنيّة  للسّوريّ "الكُرديّ" هوشنك أوسي" صاحب (ارتجالات الأزرق) و(الكلام الشّهيد) مجموعة جديدة بعنوان (قلائدُ النّار الضَّال في مديح القرابين ) حوالي 176 صفحة من القطع المتوسّط ، منطوية على ثلاث عشرة قصيدة متنوّعة بالتساوي في كلّ قصيدة، ممزوجة بين العشق، الوطن، السوداويّة، الغَبن، الخيانة إلى حد الاستماتة، الحرب والمجزرة وسفك الدّماء، الأسطورة، وربّما عالم الجن...

هذه المجموعةٍ الشعريّة ذات سقفٍ مقبَّب تتدلّى منها صورٌ مؤطّرة قديمة غير واضحة للقارئ العادي، عملٌ خارج عن المألوف المتداول، المحكي، يضعنا أمام إشكالياتٍ معقّدة، ولغةٍ صعبة للقارئ الذي اعتاد لغة «التواصل الاجتماعيّ» بمفهومها الحديث، أصحاب الوجبات السّريعة.

نحنُ هنا أمام مفهوم «أوركسترا» إيقاع معزوفة قد تستهج بها، بينما تحتاج إلى ضَليع في اللغة كي يلقنكَ اللغة التي تتحدّث بها النصوص الشّعريّة، نحنُ هنا أمام بركات وسليم، في آنينٍ معاً، أمام «أدونيس» الشّاعر، و«علي إسبر» الغامض، والمختلف، أمام عقدةٍ كلاسيكيّةٍ إن جاز التعبير...

أمام مُجازفةٍ في ساحة الشّعر المحكي، البسيط، الذي لا يطلب من القارئ أيّة لغة، سوى مذيعة تلفزيونيّة أنيقة، تلقي على القارئ، صوراً بيانيّة، تشبيهات بليغة، ترافقها عزفٌ حزين...

الأمر هُنا مختلفٌ تماماً، بعيدٌ كل البُعد عن مفهوم «الماغوط» النثريّ، هُنا اجتياحاتٌ لغويّة، واختزالاتٌ مربكة جدّاً، هنا ليس كلاماً كُتِب على يافطة تهتف للثورة، بل تحتاج إلى أدوات لغويّة، وخبرات عالية- عالية- حتّى تتمكّن في الخوض في هذه المعركة التي تبدأ من العنوان المعقّد، الذي قد يصدم به القارئ لما يحمل في طياته احتمالاتً مُتشابكة من «خوفٍ، قلقٍ، انصياعٍ، إرباك...»، لكن الإهداء الذي أهداه الشّاعر «هوشنك أوسي» لحبيبته «نسرين» قد يخفّ من وقع الصّدمة- على القارئ المُرتبك، ويشجّعه على المتابعة، وهول تلك الصّدمة، وهو يقول: «إلى من تفيض من عينيها، حقولُ عبّاد الشّمس، وظلالُ الغابات».

تجنّب "أوسي" في مجموعته الشعرية هذه، السّهولة، والبساطة، عمداً، واختار الطّريق الصّعب، الحذاقة في اختيار المفردات، الصقل والتّرصّع اللغويّ، والتّواشج في إيقاع المفردات، الاعتماد على تشكيل الصّور، والكنايات، والتشبيهات اللغويّة في الكلمة نفسها، والجملة كَكل، الأمر الذي يضعنا أمام تلكَ الإشكاليات آنفة الذكر، عن هذا العمل اللغوي الذي أقل ما يمكن وصفه بالوجبة اللغوية الدّسمة، وهي حرب الاستمتاع واللّعب بالمفردات، حربٌ أعلنها الشّاعر على نفسه أولاً ثم على جمهور الشّعر والنقّاد، والأدباء، وعلماء الطبوغرافيا، والجيولوجيا، والتاريخ ثانياً، لكن ليس باستطاعته أن ينهيها، اختار جمهوره بعناية، ورفض التّصفيق بيدٍ واحدة، قالها علناً لقارئ العناوين، والمقدّمات الجميلة "كش ملك" أنت هُنا في قلبِ معركة "شطرنج" مات فيها جميع الحُرّاس، والجنود، ولم يبقَ سوى أمراء حرب، ورُتب عليا، وملوك، وجبابرة لغة، وقرابين لأبناء النّار الضّالة.

لا أعرف إذا ما كانت قراءتي للنصوص التي احترتُ في تأويلها، كانت مقاربة نوعاً ما،"أوسي" الشّاعر  يسرد لنا قصصه، يضعُكَ أمام كلّ الاحتمالات، ويجعلك تختار رؤيتك، وحاجاتك الشّخصيّة، ما ينقصكَ، ويقول لكَ: احمل حقيبتكَ اللغويّة، وأفسح المجال لغيرك "إنْ شئْتَ أو لم تشأ سأُسيّجكَ بالعثماتِ الصّخرِ في مساراته، والماءِ المنبجسِ، من عظامكَ.. سأدلقُ عليكَ قليلاً من السّماءِ العاشرةِ.." ينسى هذا الكُرديّ الضّال المجروح، أنّه يتكلّم بلغة المنافي، لغته الثّانيّة، وكأنّه يريد أن يُثبت للجميع تعلّقه وعشقه لهذه اللغة، يتحدّى الجميع في هذه العلاقة الحميميّة.

لا يجوز للقارئ أن يقرأ لـ"أوسي" وهو يُفكّر في أمرٍ آخر، سيصعب عليه العودة إلى النصّ من جديد، وربّما يفقد الرّعشة المثقّلة بالدّهشة، والحلول الرّياضيّة، أنت أمام تفاعلات، كيميائيّة، معادلات حسابيّة، أيّ سهوٍ سيجعل من الرقم واحد مليوناً بعشر أصفار.

الأمر الثاني هو، قبل أن تنتهي من حلّ المعادلة، يضعكَ أمام بابٍ آخر، باب العشق، والغزل، فيها قصّة المرأة- ليس الأنوثة المعتادة لدى الشّعراء- وهل يصحّ لهذا الكُرديّ ألا يجعلكَ تنصدم بجدرانٍ من الطّين؟! بنساء الشّمال، اللاتي يحملْنَ في جيوبهنَّ النهر، والمنجل، وأغاني، وعويل وحقول القمح وهنَّ ضائعات عندما يقول: يا عذارى الزيتونِ أفِقْنَ ..ثيبٌ أغانيكنّ ..قفروٌ مراميكنّ ..كذبٌ بشاراتكنّ ..عويلٌ خوابيكنّ ..أفقْنَ من دمكنَّ الدّائخِ في حضرةِ صائغ الضّالات ..هذا الوعلُ يودُّ الاختلالَ بأدغالِ عاناتكنّ".

استخدم الشاعر المواربة، والتّماهي الملوّن في استعمال الشّهوات في مقاطع نصوصه، بالفصحى، كما هُنا أيضاً" حيثُ أنتابك احتلاماً ..هذا قدُّكِ أنضدهُ بالعثماتي وألمي ..هذا شَعرُكِ أتشمّمهُ قصيدةً ..دوَّنها شيطانٌ عاشق ..ها هما نهداكِ أتوسَّلهما كطفلاٍ يتيم .. الشاعر يلج عوالم من مسقطِ رأسه، بسياق تعبيري، وعلى منسوب متفاوت بين المرأة كقضيّة، والوطن كضحيّة، والجلاد، والولوج التدريجي في أقبيته الضّالة، بين خطوط طول كل قصيدة، وخطوط عرض القرابين، يلج في عوالم تلك القرابين خطوةً كلمة.. وهناك مشاهد في نصوصه ينقلنا إليها "أوسي" هي عنوانات قصّة حكايته، بين الحقل والمنجل، وقصّة المنفى والمدينة...

 

راشد الأحمد - كاتب وإعلاميّ سوريّ

مقيم في النرويج

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (2)

This comment was minimized by the moderator on the site

قراءة جميلة ،ونقد أدبي جميل جدا

This comment was minimized by the moderator on the site

جميل ..

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3551 المصادف: 2016-05-26 02:17:17