المثقف - قراءات نقدية

رواية (الفئران) تصوير فانتازيا الرعب

goma abdulahادب السجون، او روايات السجون، يطول الحديث عنه، ومهما كتب عن رعب السجون، فأنه لايشفي الغليل، بالهول الكبير بحالات من صور الانسلاخ والرعب والانتهاك البشع للقيمة الانسانية ، التي يتعرض لها سجناء الرأي من المعارضين السياسيين، الذين ينتهي بهم الحال  خلف القضبان، انها معاناة انسانية مريرة، من القمع والاضطهاد في دهاليز السجون، في حياة مغلقة ومظلمة منفصلة عن العالم تماماً . حيث يمارس بحقهم  ابشع انواع  الاساليب الرهيبة، من اسلوب التعذيب الوحشي، والحرب النفسية والمحاصرة الخانقة، في سبيل اسقاط السجين سياسياً، وانتزاع انسانيته وقيمه ومبادئه، بأن يصبح انسان مدجن هجين  بهرمون الصمم والبكم والعمى، هذا مصير من يتجاسر او يتذمر على السلطة الاستبدادية الطاغية، والسجون العراقية والعربية، في زمن الحكام الطغاة، مليئة بالصور والاحداث المرعبة من الاساليب الوحشية من الانتهاك . في سبيل الترويض والتدجين السجين  بالذل والمهانة والاذلال . ان عالم السجون عالم مظلم فضيع وبشع، في الخيالات العقليات  المريضة من المشرفين على السجون في تطبيق الاساليبهم المرعبة. وقد برزت الكثير من الرويات التي تكشف هذا العالم المرعب، الذي يقبع خلف القضبان وفي سراديب العذاب والموت، التي يواجهها سجناء الرأي، والتي توثق هذه الاحداث، حتى لا تكون طي الكتمان . نشرت عنه الكثير من الروايات . مثلاً روايات عبدالرحمن منيف في جزئي رواية (شرق المتوسط) . صنع الله ابراهيم في رواية (شرف) . مصطفى خليفة في رواية (القوقعة) . احمد المرزوق في رواية (تزمميمات) . الطاهر بن جلون في رواية (تلك العتمة الباهرة) عبدالمجيد الربيعي في رواية (الوشم) . فاضل العزاوي في رواية (القلعة الخامسة) . مارينا نعمت في رواية (السجينة) . وتطول قائمة الرويات العراقية والعربية، التي تصور وتصف، وتتوغل في ثنايا سجون التهلكة والمهالك، من نهج الممارسات التي تصاحب المعتقل السياسي، منذ اللحظة الاولى لدخوله بوابة السجن، بأن يكون تحت مجهر الاختبار والتجربة للقمع والتعذيب والمهانة، بحيث ينسى انه من فصيلة الانسان،  وله كرامة وحرمة، امام العقليات  الوحشية، التي تشرف على التحقيق، في الايقاع المزيد من  ابشع الوان الاذلال  والمهانة والرعب، بأن يتحول جسد المعتقل، لتفريغ الوحشي المريض، حتى يتحول الى جسد مشوه تعصف به الامراض، او يكون هيكل عظمي يئن من العذاب القاهر، من آلة التعذيب السادية، باحقر واقذر الاساليب بما فيها الاغتصاب الجنسي، بالحقد والانتقام من الضحية، التي هي بين ايديهم وتحت اقدامهم، ان هذه الممارسات الوحشية المرعبة، هي الخوف من الحرية . الخوف من كشف العورات النظام ، الخوف من الرأي الاخر، الخوف من تزعزع الكرسي والسلطة والنفوذ، ان هوس الغطرسة بجلوسهم على دفة الحكم والسلطة، يعتقدون بأنهم قادرون على تدجين البشر بالذل والمهانة ، حتى يكون يخاف من خياله ومن هواجسه، بأن يتحول الى مواطن لا شيء، سوى الطاعة العمياء، مواطن منتزع الارادة والرجولة . وحقاً وصفت زنازين الانظمة القمعية الظالمة، بأنها زنازين وسراديب الموت والجحيم . الذي يصطدم بها السجين السياسي . اضافة ما يعانية من الامراض والجوع والعذابات النفسية، التي تتحطم وتتكسر داخله، بالضياع والذل . ومحمد الماغوط يكتب عن تجربته في السجن فيقول (عندما دخلت السجن . احسست أن بداخلي شيء تحطم، ولم تنفع كتاباتي في المسرح والشعر والسينما والصحافة، على ترميم هذا الكسر) وكذلك تكتب مليكة محمد اوفقير، عن تجربتها في السجن عقدين من الزمان هي وعائلتها بجريرة ابيها الذي قام بانقلاب فاشل ضد الملك الحسن في المغرب، تذكر في روايتها (السجينة) (كم كنت اتوق الى الموت واشتهيهه،بأن ذكره يؤنسنني، وصرت اقضي الليل بأكمله . اناجيه) وما تعلمت بعد خروجها من السجن (علمني السجن، ان الانسان اقوى من الظلم والقهر والطغيان والحرمان والتعذيب والمستحيل) . ان فواجع السجن الفادحة، هي  شباب ممتلئين بالعنفوان والطموح والامال، لكنهم يغادرون السجن، تلوح عليهم الخيبة والضياع والاذلال، اذا نجوا من محرقة السجن، في جحيمه وعذابه، الذي يفوق طاقة التحمل البشر  ... ورواية (الفئران) للشاعر والروائي العراقي (حميد العقابي) بأنها تصور  الفانتازيا الرعب البعثي، بكوابيسها السوداء،   بأن كل مواطن يحمل معاملة وينتظر دوره (الحياة معاملات، وكل واحد ينتظر معاملته) وتدور احداث رواية (الفئران) باسلوبها الساخرواللاذع بالكوميدية السوداء . داخل احدى سراديب السجن تحت الارض، في زمن مجيء  البعث في انقلابهم العسكري وسطوع حظوظ (قائد الضرورة الملهم) ليحول العراق الى مختبر للجحيم والموت . فكان ثيمة الاعتقال والسجن لادنى شبهة، فيكون على الضحية ، بأن ينسى الحياة وبما فيها، فقد هبت جراوي البعث والامن  تتصيد المواطنين، في اماكن العمل . في الشارع . في غرفة النوم بين احضان زوجته، وصراخ ورعب اطفاله، فقد كانت كلمة (معارضة) محذوفة من قاموس البعث، لان كل عراقي يجب ان يكون خادم وعبد ذليل تحت اقدام (قائد الضرورة الملهم)، حتى تتكامل مقومات  الانصياع والطاعة العمياء، الى نوازع وجنون (القائد حفظه الله) . وحين تسلم قيادة الدولة والحزب، لم يسلم من جنونه حتى قيادة حزبه، الذي مارس بشاعة الموت بما يعرف (بمجزرة قاعة الخلد)، وتحولت منظمات الحزب الى زنابير القائد ، الى كتبة تقارير مزيفة ترفع الى الجهات الامنية، ليبدأ مهرجانات الاعدام، اضافة الى مطاردة الجنود الفارين من جبهات الحرب المجنونة، ليواجهوا الاعدامات الميدانية، تروي احداث الرواية على لسان بطلها في السجن، الذي يكرم بأسم (الواوي)، لان كل سجين عليه ان ينسى اسمه ولقبه، بمنحه اسم جديد من اسماء الحيوانات (حمار . خروف . عجل . غراب . ذيب . كُر . يربوع . جحش . ثور . بعير . بغل . عتوي . جريدي . زرزور . قرد . خنفس . ابو بريص ... الخ) ص 27 . حتى يفقد  السجين حساب الزمن، الايام والشهور، حتى لم يعد في مقدورهم تمييز وتفريق بين الليل والنهار . ومن اجل ان تطبق عليهم حياة الفئران ، حتى وجبات الاكل (قطعة جبن صغيرة ملفوفة بقطعة خبز، موجودة تحت مخدة كل منا ......... ألسنا فئراناً) ص31 . ويقفون بالاصطفاف العسكري الصارم، ساعات طويلة ومملة ومرهقة، امام الضابط الذي يتمعن ويتسلى في انتظارهم الطويل، بأن يتفحص الوجوه، ثم يتخطى بخيلاء كالقنفذ بزهواً وحبور، ويرفع هراوته في الهواء، بعدما ارهقهم بالانتظار الطويل، وفي شهر تموز الحارق من احل الاذلال الشديد، حتى كان كل سجين يتمنى ان يطلق عليه النار، حتى يتخلص من هذا الارهاق الثقيل . وعندما يشعر الضابط بالممل الطويل، تنطلق منه ضحكة عالية بنشوة النصر ويقول (أبنائي الاعزاء .... أنتم لستم مجرمين . أنتم مواطنون صالحون في هذا البلد العزيز . ويعلم الله كم انتم اعزاء على قلبي، وقلب القيادة السياسية الحكيمة، ولحسن حظكم، فقد وقعت عليكم القرعة . لتجري عليكم تجارب علمية، لمعرفة طاقة البشر القصوى على تحمل المهانة ........ كي تكونوا فئران تجارب . نعم . نعم فئران تجارب) ص 11 . ويحشرونهم في سراديب تحت الارض . لتمارس عليهم التجارب المختبرية، ليكونوا فئران حقيقية . فقد توقعوا السجناء بعد المسيرة الطويلة من اللف والدوران، بأنهم متوجهون الى الدفن في القبور الجماعية . لكنهم يكتشفون  بأنهم في سراديب تحت الارض . هكذا كانت وسائل الارهاب والبطش والتنكيل للمواطن، سواء كان خارج السجون او في داخلها، بواسطة الاجهزة الامنية، التي تراقب وتفحص كل شاردة وواردة . حتى اصبح المواطن يخشى من الحيطان، لعل فيها اذان تسمع، حتى بات يخاف من مداهمة الامن، حتى في غرفة النوم، او في المرافق الصحية، وكان يعيش تحت طائلة الضجيج من التهويل الاعلامي البغيض والممل والمفرط ، الذي يصلي ويكبر بالتعظيم، بالاسفاف المجنون، وبالابتذال المسخ، ليل نهار وهو يهتف بنفاق مريع (بالروح بالدم، نفديك يا عظيم) هذه  الحفنة المارقة التي  جاءت الى السلطة . وهم زمرة وعصابات شوارع، جاءوا الى السلطة وهم عدد محدود من الافراد، ولكن المصيبة رغم قلة عددهم، نجحوا في اغتصاب السلطة (على الرغم من انحدارهم من ارومة المزابل والنفايات . إلا أنهم أستطاعوا ان يسيطروا على البلد . بسهولة . منْ يسوق نعجة . هم انفسهم لم يصدقوا بسهولة تنفيذ انقلابهم العسكري . وسهولة انقياد الشعب الى ارادتهم) ص35 . ولم تمضِ شهور حتى استطاعوا ان يتسيدوا الشارع، لينفردوا وحدهم دون شريك لهم في السلطة، وكانوا يقطعون كل لسان يتذمر او يشكو، حتى اصبحت عبارة (لعنة الله على الظالمين) جريمة للاعدام وسبي عائلته واغتصاب عرضه . هكذا كانت حمى جنون (قائد الضرورة الملهم) اي يهون كل شيء تحت اقدامه، انها هستريا الجنون لشخص مريض ومعتوه نصبه القدر اللعين .  . وحين ينشب الخلاف والشجار بين السجناء، وهو نتيجة اليأس والاحباط، يصرخ بهم الشيخ جاموس، ليطفئ الخلافات بينهم  (ياناس ...  يا حيوانات . ماذا يفعل الله بنا، اكثر مما نحن فيه ؟ . وانه عاقبة سوداء، ينتظرنا بعد كل هذا العذاب) ص61 . وكان غياب كل سجين مادة للقلق والخوف واستفزاز للهواجس السوداء . فأما ان يكون غيابه بأنه نفذ حكم الاعدام به، او انه كان جاسوس متواجد بينهم ليتجسس عليهم ونقل الاخبارمنهم  . وحين تفتح  الابواب فجأة، يعني ارتكاب مجزرة جديدة . فقد يظهر  الجنود المسلحين ويطلقوا النيران دون مقدمات، وتسقط الجثث المضرجة بالدماء . وكانت عودة كل سجين بعد التحقيق، مطأطئ الرأس بذل ومهانة (يا جماعة اعتقد انهم وضعوا في الهواء والماء الذي نشربه، مادة قاتلة للفحولة) ص96 . ومن الممارسات الهجينة في بشاعتها الدنيئة، التي تمارس بحق السجناء، بأن يختاروا كل اثنين، احدهم بمواجهة الاخر، وحين تطلق الصافرة لبدأ مباراة السباق، بأن يبصق احدهم بوجه الاخر، او يبول احدهم على وجه الاخر . فالويل من يتهاون او يعارض، فأنه يواجه الجحيم الحقيقي، بحيث يكفربيوم ولادته، من الممارسات الحيوانية البشعة ضد السجين، بما فيها الاغتصاب الجنسي والممارسات الرذيلة والمهينة ، التي تفوق عقلية المجنون . وفي النهاية السجن، اذا واصل السجين  الحياة، بأن يحكم عليه بعدما نجحت تجربته بأن يكون فأراً حقيقياً (حكمت عليك المحكمة بالسجن مدى الحياة، باشغال الصمت الشاقة) ص130، وحين ينتهي من سماع قرار الحكم يهتف  (عاش القائد) .

والشيء الجميل ان تختتم الرواية (الفئران) في مقولة التي تدل على ان   . الانسان اقوى من الموت والطغيان . بأن يقف بطل الرواية (الواوي) (توقف عند ساحة الرئيس وتمثاله الحجري . بصقت عليه . بصقت . بصقت، ثم واصلت الركض . ودخلت الزقاق المؤدي الى بيتنا) ص 143 .

 

- رواية (الفئران) صادرة من منشورات الجمل . بيروت . بغداد . عام 2013

143   صفحة . للشاعر والروائي العراقي حميد العقابي

 

جمعة عبدالله

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3559 المصادف: 2016-06-03 07:21:03