المثقف - قراءات نقدية

لوحة وقصيدة: قارئة الفنجان بين الشاعر نزار قباني والفنان محمود فتيح

dawd salmanalshiwayliجَلَسَت والخوفُ بعينيها

تتأمَّلُ فنجاني المقلوب

قالت:

يا ولدي.. لا تَحزَن

فالحُبُّ عَليكَ هوَ المكتوب

يا ولدي،

قد ماتَ شهيداً

من ماتَ على دينِ المحبوب

فنجانك دنيا مرعبةٌ

وحياتُكَ أسفارٌ وحروب..

ستُحِبُّ كثيراً يا ولدي..

وتموتُ كثيراً يا ولدي

وستعشقُ كُلَّ نساءِ الأرض..

وتَرجِعُ كالملكِ المغلوب

بحياتك يا ولدي امرأةٌ

عيناها، سبحانَ المعبود

فمُها مرسومٌ كالعنقود

ضحكتُها موسيقى و ورود

لكنَّ سماءكَ ممطرةٌ..

وطريقكَ مسدودٌ.. مسدود

فحبيبةُ قلبكَ.. يا ولدي

نائمةٌ في قصرٍ مرصود

والقصرُ كبيرٌ يا ولدي

وكلابٌ تحرسُهُ.. وجنود

وأميرةُ قلبكَ نائمةٌ..

من يدخُلُ حُجرتها مفقود..

من يطلبُ يَدَها..

من يَدنو من سورِ حديقتها.. مفقود

من حاولَ فكَّ ضفائرها..

يا ولدي..

مفقودٌ.. مفقود

بصَّرتُ.. ونجَّمت كثيراً

لكنّي.. لم أقرأ أبداً

فنجاناً يشبهُ فنجانك

لم أعرف أبداً يا ولدي..

أحزاناً تشبهُ أحزانك

مقدُورُكَ.. أن تمشي أبداً

في الحُبِّ .. على حدِّ الخنجر

وتَظلَّ وحيداً كالأصداف

وتظلَّ حزيناً كالصفصاف

مقدوركَ أن تمضي أبداً..

في بحرِ الحُبِّ بغيرِ قُلوع

وتُحبُّ ملايينَ المَرَّاتِ...

وترجعُ كالملكِ المخلوع..


ان شعر الشاعر الكبير نزار قباني يمكن ان نصفه بالعبارة المشهورة التي تذكر انه شعر ( من السهل الممتنع) اي انه سهل يسير لمن يقرأه او يرغب بكتابة شعر مثله، ولكنه عسير عندما تحين الكتابة بافضل منه، او على شاكلته، حيث من الصعب تحقيق ذلك في الواقع .

تذكر المصادر ان نزار قباني كتب قصيدته " قارئة الفنجان " عام 1970، واختارها المطرب عبد الحليم حافظ وغناها بعد ان غير قليلا في كلماتها بالاتفاق مع الشاعر عام 1976، وقد وضع لحنها الملحن القدير محمد الموجي .

جاءت القصيدة في وزن سلس، متدفق، وايقاع حزين تطرب له النفس، هذا الوزن هو على بحر المتدارك، مما سمح للبصارة ان تهديء من روع الفتى وهي تقرأ له طالعة المحزن.

تذهب القصيدة مذهب الرمزية عند بعض الدارسين فيؤلوها عدة تأويلات، منها انها  تقرأ طالع الامة العربية، ومنها انه طالع القضية الفلسطيني، الا ان التفسير الظاهري – ليس الظاهراتي – يقول انه طالع شخص ما جاء لهذه القارئة او البصارة لتقرأ طالعه، وما يحدث له في المستقبل – من انباء الغيب - مع حبيبته.

تهدئ القارئة من روع الفتى بقولها ان لايحزن، مع العلم انها قد جلست تقرأ الفنجان وهي خائفة مما يظهره من امور، واول امر تخبره هو انه قد كتب عليه الحب، ومن مات بسببه فهو شهيد لا محال في ذلك، وهذا يذكرنا بقول مأثور للنبي محمد انه وصف الميت بسبب العشق هو شهيد كما يذهب المتصوفة .

وكذلك فان هذه اللا تحزن تذكرنا بقول النبي محمد لصاحبه في الغار ابي بكر الصديق ان لا يحزن، وبهذا فقد دفعت القصيدة تفكيرنا وذاكرتنا الى الانثيال وارتياد مناطق كثيرة، وارتنا امورا عديدة، وهذه من صفات الشاعر المتمكن والمجيد في شعره.

ثم تقرأ البصارة الفنجان للفتى الشاب وهو يتطلع الى ان يكون طالعه حسن، الا انه غير ذلك كما اطلعت عليه وقرأته البصارة، فتقول له :

* لكنّي.. لم أقرأ أبداً

1011-lawhaفنجاناً يشبهُ فنجانك

لم أعرف أبداً يا ولدي..

أحزاناً تشبهُ أحزانك.

لتنذره في النهاية بقولها :

* وتظلَّ حزيناً كالصفصاف

مقدوركَ أن تمضي أبداً..

في بحرِ الحُبِّ بغيرِ قُلوع

وتُحبُّ ملايينَ المَرَّاتِ...

وترجعُ كالملكِ المخلوع..

هذه القصيدة التي غناها المطرب عبد الحليم حافظ قد دفعت بالفان البورسعيدي محمود فتيح ان يرسم اكثر من لوحة تشكيلية لهذه القارئة، فخلدها الشعر والغناء والرسم .

محمود فتيح فنان تشكيلي من بورسعيد في مصر تخرج من كلية الفنون الجميلة، واشتهر برسم وجوه الفتيات المصريات من الريفيات و من الحارة الشعبية، ووجوه الرجال المنحدرين من الحارة والريف المصري .

في واحدة من اللوحات التي وثق بها قصيدة قارئة الفنجان، او ان اللوحة قد تناصت مع القصيدة، تظهر هذه البصارة التي تلبس الملابس الشعبية لفتيات مصر، وقد اكتسى وجهها الحزن، إذ بدت العينان وهي تحدق في الفنجان حزينتان بسبب ما رأت في الفنجان:

* جَلَسَت والخوفُ بعينيها

تتأمَّلُ فنجاني المقلوب.

و من اكسسوارات اللوحة التي اضافها الفنان فتيح، هي وجود " شربة " قلة تبريد وحفظ الماء على حامل خشبي مغطاة بغطاء نحاسي، ليؤكد شعبية المرأة وجلستها .

كذلك فقد اسدلت البصارة عباءتها التي تشبه عباءات فتيات مصر في الحارة الشعبية على ساقيها، ووضعت غطاء الرأس " الطرحة " الاحمر اللون على راسها، فاضفى عليها الملامح الشعبية، وهذا تأكيد اخر من الفنان للمرأة المنحدرة من حارات مصر الشعبية التي تزخر بالبصارات.

ان الرسام فتيح كان مهتما بعيني البصارة، وبفنجان القهوة الذي تتطلع اليه، لهذا لم يشأ الفنان ان يرسم الفتى، وهذا تأكيد على ان الامور التي يحملها فنجان الفتى الذي تقرأ فيه البصارة طالعه غير مريح ولا يحمل اخبارا حسنة.

ان تناص اللوحة مع القصيدة هو دليل على ان الفن بصورة عامة يتناول الموضوعات الانسانية نفسها التي يتناولها الادب وعلى الخصوص الشعر.

 

قراءة : داود سلمان الشويلي

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3566 المصادف: 2016-06-10 09:16:57