المثقف - قراءات نقدية

الغرائبية والانزياح في نص الأديب عبد الرزاق عوده الغالبي: زهرتي البيضاء

1- المقدمة: لا أكون مبالغة إن أطلقت على الأديب العراقي الأستاذ عبد الرزاق عوده الغالبي لقب أديب وشاعر الفقراء والمساكين ... المطَّلِع على أعماله شعراً وقصّاً يجد أن الهمّ الإنساني وهَمّ فقراء الوطن تحديداً هو المحور الأساسي الذي تدور حوله معظم نصوصه، وكأنه حمل قضاياهم في رأس قلمه ونفضه حبراً حاراً على ورق يحترق ...

أما النص الذي نحن بصدد الوقوف عليه فهو نص يختلف... هو جانب خاص من جوانب إبداعه ...

يرفع الستار عن العاشق المختبئ في أعماقه، في نص رمزي استخدم فيه بنات الطبيعة كأدوات طيعة في نحت مكونات عالمه العاطفي، لتكون الإسقاطات بنعومة ورهافة الحبيبة ومشاعره ...

نص يتناص كفكرة مع حلم ملك مصر بسبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر وأخرى يابسات، ولا أدري إن كانت لي القدرة على تأويل حلم الكاتب أم لا... فما أنا بتأويل الأحلام بعالمة كما كان سيدنا يوسف عليه السلام، لكن أحاول أن أستشف لعلي أنجح ...

 

2- العنوان:

/زهرتي البيضاء/، جملة اسمية، مبتدأ وخبر مع ياء المتكلم الدالة على الملكية، ندرك منذ البداية أن الكاتب هو من يسرد، عنوان كاشف لمضمون النص، يشدّ القارئ للمتابعة ومعرفة الإخبار التالي ...بالإضافة إلى أنّه يعكس أيضاً رومانسية النص .

 

3- الموضوع

يبدأ الكاتب حلمه بحديقة غنّاء يملكها يقول أنها حديقة منزله (محيطه) وقد عبقت بشذا مختلف أنواع الورود والأزهار (والوردة عنده أنثى)، فهو محاط بالأناثي بتمثيلاتهن المتنوعة، أم أخت ابنة زوجة، وصديقة، وربما حبيبة عابرة، إلا واحدة وجدها متفرّدة، بيضاء متشحة أو متشربة بالسواد، عندما يخالط البياض سواداً هذا في علم الألوان يعني الكثير، والألوان عند الكاتب تلوّن نصوصه، هي جوهر من صفاء ونقاء أثقلتها الهموم فكانت وشاحاً أسود حجبت نقاءها !

سحرت الحالم وجعلته يدور حولها يريد حمايتها من أعين غريبة لفتتها كما لفتته، المروءة أهم مكارم الأخلاق وقد اشرأبت حتى تحولت إلى غيرة، ما كان منه إلا أن قطفها خوفاً عليها منهم واستئثاراً بها لنفسه، لن يدع أحداً غيره يشمّها، أو يقترب منهاملامساً أو مغازلاً، كيف تجرّأ وأقدم على ذلك وهو الذي يجلّ وروده ويعتني بها، و يعتبرها مسؤوليته وهو راعيها...!

قطفُها جريمة في عرفه ويُعاقب من يفعل ذلك، لكن الحديقة ملكه وهي وردته المدللة ولن يراه أحد وهو يقطفها، غلبته نفسه (طبع إنساني) بعد أن هام بها ...

وهنا تنقلب المسائل رأساً على عقب، يرى عالمها، هي غريبة من بلد يشتعل ناراً وموتاً، سجن كبير ماتت فيه كل الحيوات .. وانطوت هي على كينونتها وأقفلت عليها كل الأبواب بإحكام، لم يستطع الولوج إليها، أعيته المحاولات وعندما قطفها واحتواها عنوة ً غدا سجيناً معها في سجنها...!

صوت من غربتها ولعله قرينها يعيب عليه قطفها، و يصدر حكماً مبرماً: "تبقى أسيراً في ميسمها دهراً حتى تذبل ".

تموت الوردة حين تذبل، والحكم يموتان معاً، وهنا الكاتب يأخذنا مباغتاً، يخبرنا أنه نام نوماً طويلاً وما يدري هل استيقظ أم لا ؟

يباغتنا ...! المفروض أنه حلم واستيقظ منه، ليخبرنا العكس فيخلط علينا الواقع والحلم، باضطراب نفسه التي تاهت وهامت .

 

4- الهيكلية الإخبارية:

النص كتجنيس أدبي هو قصة قصيرة، يتبع المدرسة الرمزية بمسحة سريالية، ينطوي تحت نظرية الفن للفن التي تكثر فيها الألوان وتتلألأ فيها المعاني والألفاظ الجميلة.

والمدرسة

الرمزية اتجاه فني يغلب عليه سيطرة الخيال علي كل ماعداه سيطرة تجعل الرمز دلالة أولية على ألوان المعاني العقلية والمشاعر العاطفية.

وطغيان عنصر الخيال من شأنه أن لايسمح للعقل والعاطفة إلا أن يعملا في خدمة الرمز وبواسطته، إذ عوضاً أن يعبر الكاتب عن غرضه بالفكرة المباشرة، فإنه يبحث عن الصورة الرامزة التي تشير في النهاية إلى الفكرة أوالعاطفة

و كان من أبرز مؤسسي المدرسة الرمزية: الألماني جوته والأمريكي إدجار آلن بو وتبعهما فيما بعد كتاب وشعراء أمثال شارل بودلير،

وعندما يتناهى الرمز خارجاً عن الواقع والمألوف ننتهي إلى

 السريالية:surrealisme

الاصطلاح كلمة فرنسية مؤلفة من جزأين: sur و تعني فوق و realisme و تعني الواقعية و بهذا يصبح المعنى الحرفي لهذا الاصطلاح: فوق الواقعية .

 و ترى السريالية أن الكتابة الإبداعية كلها يجب أن تنطلق من الكتابة الآلية، أي الكتابة المنطلقة من آلية نفسية بحتة تتلقى أول ما يخطر في الذهن من كلمات و تعابير لتعرضها في تواردها النفسي بكل ما في ذلك من غرائبية و دهشة و تناقض، و على هذا لا يجوز للمبدع أن يتدخل في عملية الإبداع بوعيه التام، بل أن يتعلم كيف يجعل نفسه بمثابة الصدى ... عليه أن يتابع حياته الداخلية أو خياله كما لو كان مراقباً لا غير ... لقد علم " فرويد " السرياليين أن الإنسان " نائم " في المقام الأول و لذلك على السريالي أن يتعلم الغوص في أحلامه .

و يرى برغسون في فلسفته أن كلامنا الواعي و سلوكنا اليومي يتناقض مع رغباتنا و أن في أحلامنا صدقاً أكبر

في هذه النص يظهر جلياً أن لدى الكاتب حرفنة و قدرة على الجمع بين كل هذه المذاهب بقالب جميل يتلقاه القارئ بقبول حسن

 

*الزمكانية

الزمان: موسم شتاء في سنة معينة من سنوات عمر الكاتب الهاربة ...

المكان: حديقة منزله

 

*الصراع الدرامي (الحبكة):

يبدأ النص بتصوير رومانسي اعتمده الكاتب كعامل [تشويق] لجذب القارئ، ليذوّق المتلقي حلاوة ما يصف الكاتب، حديقة صغيرة (تتباهى) فيها الزهور، وزهرته البيضاء هي الأجمل، كأن السماء تميل بلونها قليلاً نحو شعر حكيم حسير الرأس ... الله ! استخدام محنّك لبنات الطبيعة، جنّدها الكاتب لتخدم معانيه، الزهور تفعل فعل الإنسان (تتباهى)، واستعار لون شعر الحكيم الأشيب لتكون السماء رمادية، نكاد نشعر بالنسمة التي داعبت أنف الكاتب بهالة ساحرة، جعلته يستغرق بوصف زهرته استغراق متعبّد... غريبة الشكل ! لم يعرفها قبلاً، غير مألوفة في محيطه،بيضاء صافية موشحة بسواد كدر وهم، اكتفى الكاتب بدايةً بالنظر إليها من فوق، من وراء حجب، وقد جنّد السحب لتكون تلك السواتر، نظراته وكلماتها الصامتة، التي ترتسم أمامه مكتوبة، في صفحة تخصه، في عالم خيالي كوّنته الأرقام والحروف والنقط، عالم افتراضي، عرفها فيه، تميزت فيه بين كل من عرف ... قمة في الاحترام والجاذبية .

وهو يكتفي بمراقبتها بصمت ..

(في حديقتي الصغيرة تتباهى الزهور، وبينهم هي الأجمل و الأعبق عطراً، ندى يبلل الوجوه ولون يتوسط البياض والسواد، وكأن السماء تميل بلونها قليلاً وتتجه نحو شعر حكيم حسير الرأس، نسمة باردة تحيي أنفي وتلقي تعويذة سحر، وتظل هي المدللة بين الزهور، شكل بري غريب لم أعهده من قبل، بيضاء يوشحها السواد، أنظر إليها كل يوم وأعيش في سحرها من بعيد، أكتفي برمي نظراتي من وراء السحاب، تتجاذب مع كلماتها الصامتة في حيز نفسي وخيالي أرقاماً و حروفاً ونقط، ومن لغة التجاذب والاحترام تبقي زهرتي المدللة شامخة بين الزهور ....)

 

لعل ذلك الرعد كان بداية الاتصال،

ليبدأ موسم المطر، والمطر عنده امتلاك .. قرر أن يمتلكها،

وهنا يبدأ الكاتب بوحه الوجداني ...

يطلعنا على خبايا نفسه ب stream of consciousness

بدأ الفرح يتسلل إلى عالمه، وبدأت العطايا ...كان الفرح قد غادره مع سنوات عمره التي هربت ماضية،

آخذة معها أحباباً قضوا تهجيراً أو موتاً، في بلد حصدت فيه الحرب

الكثير من الأرواح، واستوطن فيه محتل غاصب بغيض، رزح على صدور أهله سنوات حسبوها دهراً...

 ذاك بوح من شكوى أيضاً يزرعها الكاتب في حديقته التي اعتاد فيها زرع آلامه وأفراحه على حد سواء

وكل يورق من بذرته ...

(رعد خفيف يغطي الأفق فهو موسم المطر يوحي لك بالفرح والامتلاك، قطرات تبلل الوجوه وتعزف سمفونية الخير فوق الشبابيك والأبواب، وكأن السماء توزع هديَ الله الموسمي، وحديقتي الصغيرة جداً تحتفل بغيث الله وموعد النماء، وسنوات العمر الهاربة تهرول باتجاه معاكس، عقارب ساعتي تئن من ألم الفرقة والرحيل، كثر الوداع فينا وقلت العودة.... نفارق من نحب ونستقبل من لا نهوى، هي عود من شكوى أزرعه ذكرى في حقل يفتح جروحاً و يتفرع ألماً ويورق موتاً يدمي الذكريات....)

يتصاعد فيض سيل الوعي stream of consciousness عند الكاتب، عاكساً خلفيته الأخلاقية السامية ، هو يحترم كل ورود حديقته، والزهرة عنده أنثى بالغة تحيض، ولودة، ومرضعة أم، يكرمها ويجلّها، لا يفكر بقطفها أبداً، ويعتبر قطفها جريمة اغتصاب يعاقب عليها القانون ...

لكن أمام زهرته البيضاء يعطّل كلّ القوانين ...هي له .. في حديقته، وعالمه، وذهنه، هي حلم يسكنه، لابدّ من تحقيقه ... ولا يملك أحد أن يحاسبه ... صوت الأنا تصاعد مرتفعاً جداً، جسّده الكاتب مطراً يعزف ألحاناً قوية على الشبابيك والأبواب التي استحالت تحت وطأته آلات وترية تعزف قصراً كل سمفونياته ....وتضاءل صوت ضميره وأخلاقياته واستحال سماعه مع تصاعد الأنا ورغبة التملك والتفرد بزهرته الحبيبة ...

(أنا لا أقطف زهرة من زهور حديقتي مطلقاً، وأعتبر الزهرة مخلوقاً أنثوياً عجيباً فهي عندي تلد وترضع وتحيض، أعدّ قطافها جرماً يحاسب عليه القانون مادام أنا وحدي أقرّ ذلك...في حديقتي على الأقل .... هي ملكي وحدي و هو حلم يسكن ذهني حقيقة .... وهل يحاسبني أحد.....؟، اشتد صوت المطر في الارتفاع كثيراً وفي العزف على أوتار الشبابيك والأبواب، غرقت الوجوه والأوراق بالبلل اللطيف، هو سحر المطر الرقيق حتى ضاع صوتي في تلك الهدهدة واستحال سماع صوت نفسي وهي تخاطبني......)

ثم ينقلنا الكاتب بحرفية وصفية مدهشة إلى حالته وهو يتحضّر للقيام بما عزم عليه والذي هو في عرفه أصلاً جريمة، لكنه برّرها لنفسه واعتبرها مشروعة، اشتهى وجبة طعام مع كوب شاي يتلذذ به وكأنه يشحن طاقته، أسكره بسعادة غمرت أوصاله، أطال طقوس الشرب وكأنه ما شربه قبلاً، اللذة فرضت عليه ذلك، وضع على المطر (العشق) وِزرَ السِّحْر، فهو الساحر الذي ألقى عصاه السحرية عليه وعلى حديقته في هذا اليوم وأغراه بفعل أمر لا ترتضيه نفسه أصلاً ... نفسه (المطر) من كان ساحراً يتحوّل إلى (ضمير) يصرخ به أن: لا تفعل

 صراع عنيف بين (الرغبة) و(الضمير)، فمن ينتصر؟

(بلل لطيف يجعلك تشتهي الأكل و كوباً كاملاً من الشاي، وتعد رشفاته عدّاً وكأنك لم تشرب شاياً من قبل، تتمنى أن لا ينتهي هذا الكوب، اجتاحتني سعادة غامرة وسحر غريب وكأن المطر ألقى تعويذته السحرية في حضني ومرج حديقتي ذاك اليوم الموعود لأفعل، أمراً لا أرتضيه حين تفعل تلك التعويذة فعلها عندي، ويصرخ المطر في وجهي عالياً :

- "لا تفعل....لا تفعل.....!")

 

*العقدة:

سيقدم على فعلته، ينظر إلى زهور حديقته (أناثيه) وكأنه يراها لأول مرة، أعمى عينيه عنها واتجه مباشرة إلى مدلّلته، يسبقه الشوق، مسح عنها قطرات المطر، ثم مسكها من عنقها الرقيق وقطفها!!

أدناها من أنفه وغاب وهو يشمها ..

انفصل عن كل ما حوله ... لم يسمع حتى صوت المطر الغاضب (الضمير).. ولا حتى السحب (أقرانه) التي غادرت هاربة من هول المشهد، معيبة عليه فعله، تركته وعادت جنوباً

.الجنوب عند الكاتب هو وطنه، وعلى ما يظهر أن زهرته المدللة هي من الطرف المعاكس لموطنه تماماً، من أقصى الشمال، ومن دون أن يدري انتقل إلى هناك ...!

(نظرت لزهور حديقتي، وكأني أراها لأول مرة، تقدمت نحو مدللتي البيضاء بتوق وحذر، مسحتها، مسكتها من رقبتها الرقيقة، قطفتها، شممتها وغاب كل شيء....وحتى صوت المطر الغاضب الرقيق....وترحل الغيوم هاربة من المشهد مهرولة نحو الجنوب وهي تلوح بيدها مودعة)

 

*الانفراج:

كل شيء إذا ما تم و وصل الذروة ولو كان جريمة بالعرف، ستكون التداعيات هابطة تبحث عن الحل، ولو بأقل الخسائر، ولعل النسمة الشمالية الرقيقة قد هوّنت الواقعة، ننظر كيف يوظف الكاتب كل مكونات الطبيعة لتقوم بالعمل المناط بها وكأنها مؤثرات خارجية لمسرحية أو فيلم يقوم بتصويره، السماء تستعيد زرقتها، بعد أن غادرتها السحب الهاربة إلى الجنوب، هل هي إشراقة؟! وكأنها أمنة نعاساً بعد هزيمة ؟!تلك النسمة اللذيذة التي تنعش الجسد المنهك، فيرتكس لها بحمّى شديدة الحرارة يتفصّد فيها العرق غزيرًا، وهذيان يهتف: من أنا.. وأين أنا؟

ينقلنا الكاتب بخفة إلى عالم مدلّلته، هي من محيط يختلف تماماًعن محيطه، تضاريس موطنها لا تشبه موطنه، أشجارها ليست كبواسق موطنه وكذا جبالها والتلال، يقرص نفسه غير مصدّق هل هو نائم أم صاحي ؟ بحلم أم واقع ؟ ميت أم حي ؟تاهت منه نفسه، وطفا فوق الأشياء.

 وما زار الشمال يوماً

لكنه رأى بعينيها كل شيء فيه، دخان حرب أخرى وقعقعة حديد ونار، وصرخات ألم وجزع، كل ما فيها ينطق بالغموض والحيرة، لم يصدّق ما يسمع ..! عقلها مقفول على ما تعاني، ومفاتيحه الخارقة عجزت عن فتحه...!

ويجرّ أذيال الخيبة ويندب أملاً تبخّر في ولوج جنّتها .

ليأتيه صوت من ناحيتها، هل هو إيحاء ؟ ربما ..! يصرخ به: قطفتها ، شممتها؟ عليك حكم ...

(وتستعيد السماء زرقتها الأسيرة في سجون الطقس ... تهب نسمات رفيعة رشيقة من جهة الشمال تغسل الوجوه ببرد لذيذ يجعل الجلد يزحف قليلاً ......في هذا أحسست بحرارة شديدة تجتاح جسدي وعرق شديد يغمر كل أوعيتي، هادنني وعيي تماماً وأنا أتلفّت حولي تائهاً كالمخبول، لا أدرك ما يحدث، أسمع صوتي وأنا أقول:

- "أين أنا.... من أنا...!؟"

كل شيء غريب حولي، عالم مجهول منقوع بالدخان لم آلفه من قبل...أثّثه الله بقطع أثاث غريبة من تلال وجبال وأشجار لا مألوف فيها، ولم تطأ أقدام نواظري شبراً منها من قبل حتى في الأحلام، قرصت نفسي مراراً لكي أتأكد أني حاضر، وفشلت، حي فعلاً أم ميت، حالم أم مستيقظ.....؟ ذابت نفسي في نفسي وطفت فوق بحار الأشياء، اختلطت الأسئلة بالأجوبة، انحسر واقعي في حلمي تماماً وهو يبحث عن آثاري وكينونتي، واختلطت الأشياء في مخيلتي، أفكار صلبة مختومة بأقفال فولاذية تشير بإصبعها لأرض غريبة تفوح منها روائح الاختراق وأصوات النار وصراخ المجهول والغموض المطبق، استخدمت آلاف المفاتيح التي لم يألفها أحد....ترنحت أعضائي تعباً....سحبت كل المسافات وتبعثرت كل الآمال، ضاع الأمل في مفتاح يفتح باباً من أبواب جنتها.....صوت رن بأذني:

 

- "قطفتها....!"

أرعبني الصوت القادم من أرض الغرابة، أتلفت في كل الأنحاء، لم أجد مخلوقاً يتحرك عدت لنفسي وجلست القرفصاء، وأفحص ذاك الهم المخبوء في عقلي، عاد الصوت من جديد:

- " شممتها...!؟")

 

*النهاية:

الحكم: تبقى مسجوناً معها، مقيّدابحبها وفي قلبها، حتى تموت ...

هذا الحكم راق للكاتب فنام قرير العين، سعيداً ولم يدرك هل ما زال نائماً أم استيقظ ؟!

(- "من أنت..... أظهر نفسك....!؟" أجاب:

- "تبقى مسجوناً في ميسمها دهراً حتى تذبل...!"

غلبني النوم ونمت عميقاً ولا أزال نائماً ولا أدري هل استيقظت ....!؟

 

5- الهيكلية الجمالية (الأسلوب):

•السرد:

على لسان الكاتب، بأسلوب رمزي اتجه به عميقاً نحو السريالية، تخلله سيل الوعي

stream of consciousness

وحوار، الرومانسية الوصفية والتي اعتمدها الكاتب للتشويق، بدت واضحة مستنداً إلى العديد من السمات التي يعتمدها كتاب الرومانسية فالنص تغلب عليه:

 

- الفردية

_تغليب العاطفة على العقل للوصول إلى الحقيقة .

_الطبيعة ملاذ عذب، تشارك الأدباء في عواطفهم .

_استخدام لغة سهلة أقرب إلى لغة الناس.

_جمع المأساة والملهاة في نوع واحد سُمي (فن الدراما) الذي يجمع بين اللذة والألم .

- التعبير بالرمز الموحي الشفاف .

- غلب على كل الأدباء الرومانسيين تأثرهم بالرومانسية الإنجليزية .

 

•الحوار:

 

أجراه الكاتب على لسانه بتساؤل ودهشة: " أين أنا ... من أنا ... ؟!"

 " من أنت ..أظهر نفسك؟!

كما أجراه على لسان المطر (الضمير) باستهجان وتحذير:

" لا تفعل ... لا تفعل ...!"

وعلى لسان الطيف مهدداً متوعدًا، وحاكمًا: " قطفتها ...!؟"

"شممتها ... !؟"

 " تبقى مسجوناً في ميسمها دهراً حتى تذبل ....!"

كما كان حواراً داخليًّا في معظم النص، رمزياً بامتياز، يرميه الكاتب علينا من وراء القص تاركاً لنا أن نتخيّل ونستشف كل ما يدور بداخله من خلال إطلاقه صور لفظية مبهرة .

 

•الصور البلاغية:

النص باذخ جداً بالصور البلاغية، ولا عجب فهو نص رمزي سريالي ملوّن بكل ألوان الصور البيانية، عدا عن الرومانسية التي طبعت الطبيعة بكل صفات البشر...

فالزهرة البيضاء حبيبة مدللة، والمطر ضمير يتكلم ويؤنب، والسحب تغضب وتهاجر،وووو

سأحاول أن أحصي بعض الصور البلاغية .

- تتباهي الزهور = استعارة مكنية

- نسمة باردة تحيي أنفي وتلقي تعويذة سحر = استعارة مكنية

- السماء تميل بلونها وتتجه نحو شعر حكيم حسير الرأس= استعارة مكنية

- زهرتي شامخة = استعارة مكنية - قطرات تعزف سمفونية = استعارة مكنية

- كأن السماء توزع هدي الله = تشبيه

- حديقتي تحتفل بغيث = استعارة مكنية

- سنوات العمر الهاربة تهرول =استعارة مكنية

- عقارب ساعتي تئن من ألم = استعارة مكنية

- اعتبر الزهرة مخلوقاً أنثويا تلد وترضع وتحيض =استعارة مكنية

- أعد قطافها جرما = تشبيه

- ترحل الغيوم مهرولة = استعارة مكنية

- تهب نسمات رشيقة رفيعة= استعارة مكنية

- تستعيد السماء زرقتهاالأسيرة في سجون الطقس = استعارة مكنية

- لم تطأ أقدام نواظري = استعارة مكنية

- البياض و السواد= طباق

- كثر وقل = طباق

- الوداع،العودة = طباق

- نفارق ونستقبل = طباق

- نحب، لا نهوى = طباق سلبي

- حي، ميت = طباق

- حالم، مستيقظ = طباق

- أسئلة، أجوبة = طباق

 والكثير الكثير من التشبيهات والاستعارات والطباق والكنايات

 

•الشخصيات:

شخصية رئيسية: الكاتب، الزهرة البيضاء، الطيف

الثانوية: الأزهار، مظاهر الطبيعة

 

 6- الدلالات السيميائية:

زخر النص بالعديد من الدلالات السيميائية، تنوّعت بين ما يلي:

 

€ الدلالات النفسية:

ظهر جلياً انعكاس ذات الكاتب على الموضوع، لا غرابة فهو يروي الأحداث على لسانه يطلعنا عن خلفيته الأخلاقية، (أنا لا اقطف زهرة من زهور حديقتي مطلقاً، أعتبر الزهرة مخلوقاً أنثوياً تلد وترضع وتحيض، أعد قطافها جرماًيحاسب عليه القانون، أعيش في سحرها من بعيد،أكتفي برمي نظراتي من وراء السحاب،ومن لغة التجاذب والاحترام تبقى زهرتي المدللة شامخة)

 داخَلَ الجمل الاستفهامية والتعجب لتخدم توصيفه للحالة النفسية المضطربة (هل يحاسبني أحد ؟!، أين أنا .... من أنا ؟!، من أنت ... أظهر نفسك ؟!، ولا أدري هل استيقظت ؟!، حي فعلاً أم ميت ؟!حالم أم مستيقظ ؟!

الجمل القصيرة المتلاحقة عكست حال هلع و خوف برع الكاتب في جعلنا نشعر بها (ذابت نفسي في نفسي، اختلطت الأسئلة بالأجوبة،انحسر واقعي في حلمي، يبحث عن آثاري وكينونتي اختلطت الأشياء في مخيلتي، ترنحت أعضائي تعباً، تبعثرت الآمال، أرعبني الصوت القادم من أرض الغرابة،أتلفت في كل الأنحاء جلست القرفصاء أفحص ذاك الهم المخبوء في عقلي)

 

€ دلالات الألفاظ:

النص رمزي بامتياز كما أسلفنا

الزهرة البيضاء هي الحبيبة، وحديقة الأزهار هي محيطه والنساء الكثر في حياته، السماء يميل لونها إلى شعر حكيم حسير الرأس (رمادي)، الزهرة تلد وترضع وتحيض،تنظر إليها من وراء السحاب مع كلماتها الصامتة في حيّز نفسي وخيالي أرقاماً وحروف (عالم افتراضي)،

يصرخ المطر (الضمير) في وجهي

ترحل الغيوم مهرولة (الأصحاب)

عالم مجهول منقوع بالدخان، تشير بإصبعها لأرض غريبة تفوح منها روائح الإختراق وأصوات النار وصراخ المجهول والغموض المطبق (بلدها الذي اشتعلت فيها حرب شعواء)

تبقى مسجوناً في ميسمها حتى تذبل (حب حتى الموت).

غلبني النوم ونمت عميقاً (راحة مطلقة)

وسبق أن تحدّثت عن الصور الجمالية التي أدخلتنا إلى بيئة النص عموماً وبيئة الكاتب خصوصاً حيث شغلت الطبيعة معظم جوانب النص وأطلعتنا على شفافية الكاتب، ومدى رهافته ورومانسيته ...

 

 7- النهاية:

أتعبنا الكاتب فيها فلا نحن أدركنا إن كان في حلم واستيقظ منه، أم غرق في نوم بعد طول شدة تعب ؟!

وعلى كل الأحوال، لا أملك ألا أن أرفع التحايا لكاتب نقلنا عبر هذا النص المائز الذي حفل بالأعمدة الرمزية التي تناهت سريالياً إلى جو رومانسي اضطربت به المشاعر وهاجت حتى حارت، ثم سكنت تحت حكم لذيذ ...

أتمنى أن أكون قد وُفّقت في نقدي هذا .. تحياتي للأستاذ عبد الرزاق عوده الغالبي.

 

8- النص الأصلي:

زهرتي البيضاء

 في حديقتي الصغيرة تتباهى الزهور، وبينهم هي الأجمل و الأعبق عطراً، ندى يبلل الوجوه ولون يتوسط البياض والسواد، وكأن السماء تميل بلونها قليلاً وتتجه نحو شعر حكيم حسير الرأس، نسمة باردة تحيي أنفي وتلقي تعويذة سحر، وتظل هي المدللة بين الزهور، شكل بري غريب لم أعهده من قبل، بيضاء يوشحها السواد، أنظر إليها كل يوم وأعيش في سحرها من بعيد، أكتفي برمي نظراتي من وراء السحاب، تتجاذب مع كلماتها الصامتة في حيز نفسي وخيالي أرقاماً و حروفاً ونقط، ومن لغة التجاذب والاحترام تبقي زهرتي المدللة شامخة بين الزهور ....

 

رعد خفيف يغطي الأفق فهو موسم المطر يوحي لك بالفرح والامتلاك، قطرات تبلل الوجوه وتعزف سمفونية الخير فوق الشبابيك والأبواب، وكأن السماء توزع هديَ الله الموسمي، وحديقتي الصغيرة جداً تحتفل بغيث الله وموعد النماء، وسنوات العمر الهاربة تهرول باتجاه معاكس، عقارب ساعتي تئن من ألم الفرقة والرحيل، كثر الوداع فينا وقلت العودة.... نفارق من نحب ونستقبل من لا نهوى، هي عود من شكوى أزرعه ذكرى في حقل يفتح جروحاً و يتفرع ألماً ويورق موتاً يدمي الذكريات....

أنا لا أقطف زهرة من زهور حديقتي مطلقاً، وأعتبر الزهرة مخلوقاً أنثوياً عجيباً فهي عندي تلد وترضع وتحيض، أعدّ قطافها جرماً يحاسب عليه القانون مادام أنا وحدي أقرّ ذلك...في حديقتي على الأقل .... هي ملكي وحدي و هو حلم يسكن ذهني حقيقة .... وهل يحاسبني أحد.....؟، اشتد صوت المطر في الارتفاع كثيراً وفي العزف على أوتار الشبابيك والأبواب، غرقت الوجوه والأوراق بالبلل اللطيف، هو سحر المطر الرقيق حتى ضاع صوتي في تلك الهدهدة واستحال سماع صوت نفسي وهي تخاطبني......

بلل لطيف يجعلك تشتهي الأكل و كوباً كاملاً من الشاي، وتعد رشفاته عدّاً وكأنك لم تشرب شاياً من قبل، تتمنى أن لا ينتهي هذا الكوب، اجتاحتني سعادة غامرة وسحر غريب وكأن المطر ألقى تعويذته السحرية في حضني ومرج حديقتي ذاك اليوم الموعود لأفعل، أمراً لا أرتضيه حين تفعل تلك التعويذة فعلها عندي، ويصرخ المطر في وجهي عالياً :

- "لا تفعل....لا تفعل.....!"

نظرت لزهور حديقتي، وكأني أراها لأول مرة، تقدمت نحو مدللتي البيضاء بتوق وحذر، مسحتها، مسكتها من رقبتها الرقيقة، قطفتها، شممتها وغاب كل شيء....وحتى صوت المطر الغاضب الرقيق....وترحل الغيوم هاربة من المشهد مهرولة نحو الجنوب وهي تلوح بيدها مودعة وصوتها الراعد المبتعد ينبئ بصحو وشيك، وتستعيد السماء زرقتها الأسيرة في سجون الطقس ... تهب نسمات رفيعة رشيقة من جهة الشمال تغسل الوجوه ببرد لذيذ يجعل الجلد يزحف قليلاً ......في هذا أحسست بحرارة شديدة تجتاح جسدي وعرق شديد يغمر كل أوعيتي، هادنني وعيي تماماً وأنا أتلفّت حولي تائهاً كالمخبول، لا أدرك ما يحدث، أسمع صوتي وأنا أقول:

- "أين أنا .... من أنا...!؟"

كل شيء غريب حولي، عالم مجهول منقوع بالدخان لم آلفه من قبل...أثّثه الله بقطع أثاث غريبة من تلال وجبال وأشجار لا مألوف فيها، ولم تطأ أقدام نواظري شبراً منها من قبل حتى في الأحلام، قرصت نفسي مراراً لكي أتأكد أني حاضر، وفشلت، حي فعلاً أم ميت، حالم أم مستيقظ.....؟ ذابت نفسي في نفسي وطفت فوق بحار الأشياء، اختلطت الأسئلة بالأجوبة، انحسر واقعي في حلمي تماماً وهو يبحث عن آثاري وكينونتي، واختلطت الأشياء في مخيلتي، أفكار صلبة مختومة بأقفال فولاذية تشير بإصبعها لأرض غريبة تفوح منها روائح الاختراق وأصوات النار وصراخ المجهول والغموض المطبق، استخدمت آلاف المفاتيح التي لم يألفها أحد....ترنحت أعضائي تعباً....سحبت كل المسافات وتبعثرت كل الآمال، ضاع الأمل في مفتاح يفتح باباً من أبواب جنتها.....صوت رن بأذني:

- "قطفتها....!"

أرعبني الصوت القادم من أرض الغرابة، أتلفت في كل الأنحاء، لم أجد مخلوقاً يتحرك عدت لنفسي وجلست القرفصاء، وأفحص ذاك الهم المخبوء في عقلي، عاد الصوت من جديد:

- " شممتها...!؟" : قلت:

- "من أنت..... أظهر نفسك....!؟" أجاب:

- "تبقى مسجوناً في ميسمها دهراً حتى تذبل...!"

غلبني النوم ونمت عميقاً ولا أزال نائماً ولا أدري هل استيقظت ....!؟

 

د. عبير خالد يحيي

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3576 المصادف: 2016-06-20 03:35:54