المثقف - قراءات نقدية

حقيقة الشعر والإلهام الإلهي في أيون أفلاطون

zaynab saidاكفرون Ekphron، هو الشاعر فاقد الصواب: أبياته نابعة من حرمان العقل { النوص}، من حرمان قدراته العقلية، لذا فهو "خارج ذاته" لأنه مسكون بالإله  entheos: الذي يغزوه، يمتلكه،katechei ، ويدفعه خارج حدود الأنا الواعية. غزو الإله يدمر تلك الذاتية التي، من أجل الفن  techne والمعرفة الانسانية {الابسمتية}espisteme   تعرف الواقع وتعمل عليه. ليس من أجل الفن ولا من أجل الابسمتية، إذن، يؤلف الشعراء قصائدهم، ويمكن أن يقال الشيء نفسه عن الراوي  الذي يلقيها على الجمهور: هناك قدرة إلهية، theia dynamis، غير متوقعة ولا متناهية تقتحمه كأنها المؤلفة الوحيدة لتلك الأبيات. الإله هو الفنان الحقيقي الذي يستخدم الشاعر والراوي كأدوات انسانية: فالإله يستفيد منهما، كترجمين متحمسين ولاواعيين، وكائنين"خفيفين مقدسين ومجنحين"  يشبهان النحل الذي يمتص كلمات الإله، العسل الالهي والفاتن، من غابة ربات الشعر، ويحلق بعدها من زهرة إلى أخرى مُحَليا النفس الإغريقية.

يؤكد الجزء الكبير من التقاليد التفسيرية، في هذا الوصف الشهير لطبيعة الشعراء والرواة، المقدم من قبل سقراط في ايون افلاطون، الانشطار الحاصل بين لاعقلانية الشعر و فنون الايماءة، من جهة، ومن جهة ثانية، عقلانية العلوم والتقنيات التي تشغل الانسان في المدينة.  يكون ايون مقبولا، في معظم الأحوال، كبيان لعقلانية أفلاطون ونقده اللاذع للشعرالتقليدي، وبالتالي للسلطة التربوية الرئيسة في عصره.  نقد شديد لم يتم تطويره بشكل كامل، هو الذي يخص ايون، حسب أغلبية التفسيرات، حيث أن موقف أفلاطون من الشعراء وجد صياغة مفاهيمه النهائية في الجمهورية من خلال تحليل فنون الإيماءة.

يحتوي ايون، إذن، على أول إعلان ثوري لمنظور جديد يمكن للانسان الإغريقي أن ينظر من منطلقه إلى العالم وثقافته: ليس الرواة وحدهم، الذين كانوا في تلك الحقبة يتجولون بمدن هيلاس Ellade  ساردين أبيات الشعراء معززين بذلك التراث الشفهي الذي كان يشكل جوهرالهوية الاغريقية آنذاك، من أصبحت صورتهم مهددة جدا، بل حتى صورة الشعراء العظماء، حراس التراث الموثقين، يبدو أنهم خرجوا راسبين من امتحان سقراط العسير.

 فإبداعاتهم تبدو أنها نتاج هذيان، وفقدان الصواب الذي يمنع أخذهم على محمل الجد.  حكم أفلاطون على أباء الثقافة الإغريقية  يثير القلق والحيرة، أولا لتأثير هكذا موقف على المستوى الأخلاقي والسياسي: فقد كان  قساوسة وكهان اغريقيون يقتبسون لقرون، في علاقتهم  بالالهة، الأساطير التي تحكي عن شعراء الماضي معتبرينها وصفا للحقيقة الالهية غير القابلة للجدل.  

لكن إلى جانب الصورة الأفلاطونية المعادية للاعقلانية الشعراء والفنانين فقراءة  ايون تقدم، في نظرنا، إمكانية النظر أيضا إلى علاقة أفلاطون بالشعر ومن منظور آخر: هناك عدة قرائن، مخبأة ضمنيا خارج حدود المستوى الخطابي الخطي للنص الأفلاطوني، تجعلها تأخذ منحى أخر مغايرا،. قرائن تبدو أنها قادرة أولا وقبل كل شيء على وضع ذلك الانشطار الصارم بين لاعقلانية الشاعر وعقلانية العلوم موضع نقاش: بالإضافة إلى ذلك هناك تصدع، لا يمكن انكاره،  يجتاح المستوى الأكثر وضوحا للنص، حيث يبدو القارئ مدفوعا من قبل أفلاطون ليلاحظ رمز شيء مختلف تماما حتى، في الصورة المكتوبة للنقص في المعرفة، والخلل التأسيسي، للسلبية التي تميز الشعراء والرواة. شيء تسمح له صورة الخروج عن الذات بالاقتراب للمسكون بالإله: يتعلق الأمر بمفهوم  مبهم، تعمل الايقونة المكتوبة، المشكلة من جنون الشعراء والرواة، على إرجاع قارئ أفلاطون إليه. 

أطروحة هذا العمل، إذن، هي أن نص ايون يحث القارئ على التفكير في غيرية راديكالية سواء على المستوى الصريح للكتابة، أو المنظور الذي يعتبر الفن tecnhe والابسمتية الشكلين الوحيدين الأصيلين للمعرفة: حيث أن ما يظهر أنه رمز للخروج عن الذات للشعراء، بعيد كل البعد عن كونه إنكارا صريحا للمعرفة،  هو في الحقيقة  تشابه مع مفهوم سقراط غير المحدد "معرفة اللامعرفة"، مع الحب والحوار dialegesthai المبهم اللذين يميزان صورته في حوارات أفلاطون.

يبدو أن خروج الشاعر والراوي  عن ذواتهما الموصوف في ايون  يحيل إلى شيء غير قابل للتمثيل و لا يمكن سياقته بأي حال من الأحوال  داخل حدود الكتابة، أو بالاحرى، داخل حدود كل ما يظهره كمحتوى موضوعي مشابه للكتابة لدى الكل كالماء الذي، كما يقول سقراط في الندوة Simposio، يتدفق على طول خيط صوف من كوب ممتلئ إلى كوب فارغ. بالاضافة إلى ذلك، فإن نتائج هذا التألق لمعرفة مبهمة عبر الصورة المكتوبة للجهل الجوهري للشعراء والرواة، لها تأثير على المشهد السياسي: الشعراء والرواة، بأوهامهم الهذيانية، يغوون الجماهير وفناني المسرح، إلى درجة الايمان، كسقراط في مبدأ فيدرو Fedro الذي اعتبر أن الكيميرا la Chimera {الكائن الخرافي} وباقي كائنات الأسطورة "حقيقية". هذا "الانجذاب" المشترك في الوهم يسمح بفرضية تكافؤ السياسية وخروج الشاعر والراوي عن ذواتيهما: "القوة الإلهية " تجعل الكل يعتقد أن مخلوقات االشاعر الخرافية حقيقية،  قد يبدو الأمر محصورا، في الوهلة الأولى، في أجواء مرح الخيال الشعري، جو منفصل تماما عن الجدية المطلوبة من  حكومة المدينة  polis. حسن، وراء  مزحه، هذا الهذيان لكنه وهم الهي مشترك بين الجميع،  حسبه يكون الخيال الشعري"حقيقية"، قد تتم قراءته كصورة مكتوبة بطريقة أخرى لفهم الفضاء السياسي.  

 

لبيترو ديل صولدا Pietro Del Soldà

ترجمة: زينب سعيد

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3577 المصادف: 2016-06-21 07:05:03