المثقف - قراءات نقدية

العتبات النصّيّة في مجموعة:عناقيد الزَّبد للشّاعر وفيق سليطين

تمهيد: لم تكنِ العتبات النّصّيّة، قبل توسّع مفهوم النّصّ، تثير اهتمام النقّاد، ولم يتوسّع مفهوم النّصّ إلاّ بعد التقدّم في التعرّف على مختلف جزئياته وتفاصيله، وقد أدّى ذلك إلى تبلور مفهوم "التفاعل النّصّيّ"، الذي كان أداةً مهمّة تنظر إلى النّصّ بوصفه فضاءً، ومن ثمّ جاء الالتفات إلى عتباته (1)، التي تُعدّ إشاراتٍ دالّةً، ترشد المتلقّي إلى متن النّصّ، وتساعده في استكشاف ما ينطوي عليه من معانٍ ودلالاتٍ غائبة أو مُغيَّبة.

 

مفهوم العتبة النّصيّة (Seuils) :

العتبات النصّيّة هي كلّ ما يحيط بالنّصّ من عناصرَ ترتبط بعلاقات جدليّة معه، بطريقة مباشرة أو غير مباشرة؛ لذا تُعدّ دراستها دراسةً للنّصّ من الخارج نصّي، غير أنّها في الوقت نفسه دراسةٌ للخارج بغية إضاءة ما في الداخل نصّيّ من دلالات. وهذه العناصر المحيطة بالنّصّ تتّصل به اتّصالاً يجعلها تتداخل معه إلى حدّ تبلغ فيه درجة من تعيين استقلاليّته، وتنفصل عنه انفصالاً يسمح للداخل النّصّيّ، بنيةً وبناءً، أن يشتغل وينتج دلاليته (2)، وهذا الوعي ببرزخيّة العتبة النّصيّة؛ أي انتماؤها للداخل والخارج، يجنّبنا مزالق ادّعاء التّماهي بينها وبين الممارسة النّصيّة، ونسترشد في ذلك بما نصّ عليه (ج. هيليس ميلر J.hilis Miller) في تحديد معنى البادئة (Para) ؛ إذ يراها متعارضة؛ لأنّها، تُعيّن، في الوقت نفسه، البعد والقرب، التّشابه والاختلاف، الجوّانيّة والبرّانيّة، هي شيءٌ متوازٍ لا ينتمي، في الوقت ذاته، إلى جانبي الحدّ الذي يفصل الداخل عن الخارج فحسب، بل إنّها، أيضاً، الحدّ ذاته، الشّاشة التي تقوم غشاء شفّافاً بين الداخل والخارج، فتحقّق امتزاجهما بترك الخارج يدخل والداخل يخرج، إنّها تفصلهما وتصل بينهما (3) .

 

العنوان الخارجيّ ودلالته:

ليس العنوان زائدة لغويّة في النّصّ الأدبيّ، أو عنصراً من عناصره انتُزِع من سياقه؛ ليحيل على النّصّ كلّه (4)، بل هو بنيةٌ لغويّة، تتصدّر النّصّ، وتتعالق معه دلاليّاً، وهو جزءٌ عضويّ، ذو دلالة رمزيّة عميقة، بوصفه النواة التي بنى المبدع عليها نصّه.

ويعدّ العنوان أوّل شيفرة رمزيّة يلتقي بها القارئ، وأوّل ما يشدّ انتباهه، وما يجب التركيز عليه وفحصه وتحليله، بوصفه نصّاً أوّليّاً يوحي بما سيأتي (5) ؛ لذا تشكّل قراءة العنوان مفتاحاً مهمّاً في تحليل أيّ نصّ أدبيّ، بوصفه علامة نصّيّة تأخذ مكانها البارز في واجهة هذا النّصّ الأدبيّ، وتكمن أهميّة البحث في العنوان بأنّ فكّ رموزه ودلالاته يسهم في تشكيل الدلالة العامّة للنّصّ، وتفكيك الدوال الرمزيّة، وإيضاح الخارج بغية إضاءة الداخل، بوصفه أوّل العتبات النصيَّة.

إنّ اختيار العنوان، لا يتمّ بطريقة اعتباطيّة أو تعسّفيّة؛ ذلك أنّه يجب أن يكون بين النّصّ وعنوانه علاقة تناغم وانسجام في إطار دلاليّ كبير، يستقطب السياقات النّصيّة كلّها، فيغدو العنوانُ المحورَ الذي يتوالد ويتنامى ويعيد إنتاج نفسه (6)، ومع أنّ العنوان هو آخر ما يضعه الشّاعر، أو المؤلِّف، إلا أنّه أوّل ما يتلقّاه القارئ، ويمكن أن نعدّ العنوان نصّاً مُوجَزاً مكثّفاً، يختزن جملة من الدلالات والإشارات المخبوءة داخل النّصّ نفسه، وقد يأتي العنوان، في بعض الأحيان، مخالفاً التوقّعاتِ المرجوّة منه، مُخيِّباً الآمالَ التي يبنيها القارئ قبل تلقّي هذا النّصّ، وأحياناً نجد أنّ "العنوان لا يحكي النّصّ، بل على العكس إنّه يمظهر نيّة المؤلِّف ويعلن قصديّة النّصّ" (7) .

يتألّف عنوان مجموعة "عناقيد الزّبد"، من الناحية التركيبيّة، من تركيب إضافيّ، أسند الشّاعر فيه مفردة "عناقيد" إلى "الزّبد" إسناداً لا تبدو فيه العلاقة الإسناديّة متجانسة، مع أنّ المفردتين تحيلان على الطبيعة، بحكم أنّ الـ"عناقيد" تشير إلى العنب، بينما يشير "الزّبد" إلى الماء؛ أي إلى البحر.

أمّا من الناحية الصرفيّة فهو يتألّف من اسمين، علماً أنّ الاسم غير مرتبط بالزمان؛ لذلك تتوقّف الحركة، إلاّ حركة في الذهن؛ ذلك أنّ الزّبد يتشكّل بعد حركتَي المدّ والجزر، حين يضرب الموج الشّاطئ، من هنا نجد أنّ بنية العنوان تشكّلتعبيراً فنّيّاً يُحدث قطيعة فيزيائيّة مع الواقع، ويستثير خيال المتلقّي؛ أي أنّها بنية متخيّلة متشابكة بين الممكن واللا ممكن، بين المعقول واللامعقول، وهي بنيةٌ يتماهى المتلقّي معها ومع تلك الحالة، التي تتولّد في ذهنه، من عدم إمكانيّة التحقّق.

وإذا كانت العناقيد، عند "المتنبّي"، قد دلّت على الماديّات، والبقاء، وعدم الفناء، في قوله:

نامتُ نواطيرُ مصرَ عن ثعالبها فقد بشمن، وما تَفنى العناقيدُ (8) .

فإنّ العناقيد عند "وفيق سليطين" دلّت على كلّ ما هو غير متحقِّق، وما لا يمكن الوصول إليه؛ أي أنّها أصبحت رمزاً للفناء والتلاشي، حين أضافها إلى "الزبد".

 

العناوين الفرعيّة:

تتعالق دلالات العناوين الفرعيّة مع الدلالة العامّة للعنوان الخارجيّ، مثل العناوين الآتية: (إقامة، العبور، طريق، خطوط، رؤيا، جدار)، وهي عناوينُ تتألّف من مفردة واحدة، مع الإشارة إلى أنّ صيغة التنكير تغلب على عناوين المجموعة كلّها، فتدلّ على الإطلاق واللامحدوديّة.

إنّ العنوان "إقامة" يحيل على المكان، ويدلّ ظاهريّاً على الرغبة في الاستقرار والثبات في المكان، غير أنّه في حقيقة الأمر ليس كذلك، فإقامته آنيّة مؤقّتة، وعبوره متحرّك؛ إذ يقولُ:

 (في الظّلالِ وأمواجها

في ندوب الإشاراتِ

أمضي

أقيمُ عبوري) (9) .

من الجليّ أنّ إقامته ليست سوى مضيّ وعبورٍ، وينقلنا هذا المعنى إلى نصّ آخر عنونه الشّاعر بـ "العبور"؛ إذ يقول:

 (إنّها لحظةٌ للعبورْ

لسرابِ الوصول الذي لا يجيءْ

نحو هاويةٍ اسمها الحياةْ) (10) .

إنّ عبوره يتحقّق زمانيّاً عبر لحظة، وكأنّ العبور ارتقى إلى مقام صوفيّ يبلغه الشّاعر بلحظةً؛ لا ليقيم فيه، وإنّما ليعبر منه إلى مقام آخر، في رحلة البحث المستمرّة؛ لأنّ هذا العبور سيكون باتّجاه (سراب الوصول الذي لا يجيء/ نحو هاويةٍ اسمها الحياة)، فالوصول رغبةٌ في الانعتاق والخروج من هذه الحياة؛ لذلك نجده يصف ذلك العبور بـ "المرير"، مستخدِماً أسلوبَ التوكيد، من خلال تكرار جملته الشّعريّة، في قوله:

 (إنّها لحظةٌ للعبورْ،

إنّها لحظةٌ للعبورِ المريرْ) (11) .

والعبور الذي أوصله في نهاية المطاف إلى (هاوية اسمها الحياة) يستدعي في الذهن ماهيّة الطريق الذي سلكه، وأفضى به إلى نهايته التي يراها هاوية،ويأتي الجواب في النّصّ المعنون بـ "طريق":

في الطريق إلى أرضهِ

يتعثَّرُ قلبٌ

وتَدْمى رؤًى ..

وظنونُ.

في الطريق..

طريقٌ يقودُ البصيرةَ

في عتمهِ

والظّلامُ نُهًى ..

أو عيونُ

في الطريق إلى قلبهِ

كان يهذي نباتُ الجنونِ.

ويَغْوى بهِ..

شاعرٌ مجنونُ (12) .

 

ليس من قبيل المصادفة أن يعنون الشّاعر نصّه بـ "طريق"، الذي كرّره أكثر من مرّة، واللافت أنّه اختار العنوان بصيغة التّنكير، على الرغم من أنّ هذا اللفظ ورد ثلاث مرّات في المتن النصّيّ بصيغة التعريف، ومرّة واحدة بصيغة التنكير، في قوله: (طريقٌ يقودُ البصيرة في عتمه)، وقد اكتسبت هذه النّكرة بعض التعريف عندما وصفها.

بالتمعّن في بنيّة النّصّ نجد أنّ العنوان كان بمنزلة البوصلة التي تؤشّر إلى الاتّجاه الذي أراد الشّاعر أن يوجّه المتلقّي إليه، وإذا انتبهنا إلى أنّ لفظ "الطريق" يمكن أن يُذكّر أو يُؤنَّث، فسنجد أنّ الشّاعر حين وصفه بجملة (يقود البصيرة) اختار صيغة التذكير.

ولكنْ، ما الخطوط التي ترسم معالم الطريق الذي يسلكه؛ للوصول إلى غايته؟ وهل ثمّة وصولٌ يبتغيه حقّاً؟

بالانتقال إلى نصّ آخر معنون بـ "خطوط"، بصيغة التّنكير أيضاً، نجد أنّ الشّاعر ينوء تحت ثقل تلك الخطوط الكثيرة التي يتلقّاها في طريقه، على الرغم من أنّ الخطوط علاماتٌ، وإشارات، دالّة في الطّريق، وهي عنصرٌ مساعد في الاستدلال على معالمه، فنراه متذمّراً من كثرتها، في قوله:

ليس غير الخطوط هنا ..

...

ليس غير سراب المياهِ

...

ليس غير بقايا كلامٍ

...

خطوطٌ ..

هي الوشمُ يعبر زنزانةَ الضوءِ

ماذا يترجمُ..؟

ـ يقدحُ شاراتِ مَنْ عبروا

في ظلام الخطوطِ ..

خطوطٌ ..

هي المحو إذْ يتكلّم فينا

ويجتاحُ..

يكتبُ مجهولَهُ ..

ويقوِّضُ ما كانَ

من سقفِ هذي البيوتْ (13) .

إنّ آليّة إنتاج الدلالة تستلزم البحث عن ماهية الـ "خطوط" التي تراكمت أمام الشّاعر، فما عاد يبصر غيرها، ويعرّفها بقوله:

 

خطوطٌ

هي الوشم يعبر زنزانة الضوء

هي المحو إذ يتكلّم فينا

تذخر هاتان الجملتان بالرؤى والإشارات المعرفيّة، فهما تعيدان بناء الدلالة الحيويّة لمفهوم الـ"خطوط" التي تؤرّق الشّاعر، فهو يلغي ارتباط الدوال بالمدلولات الشّائعة لكلّ من (الوشم)، و (المحو)، ويعيد إنتاجها في سياق شعريّ جديد يطفح بالدلالات المتجدّدة، وينجذب الشّاعر، في بناء صوره الشّعريّة، نحو الحركة والتحوُّل، فهو يجعل من المختلف مؤتلفاً، ومن الثابت متحوّلاً، ومن الغياب حضوراً، في نصّ مسكون بإثارة الأسئلة وزعزعة ما استقرّ في أذهاننا، فأوّل ما يتبادر إلى الذهن سؤال: كيف يمكن لهذه الـ"خطوط" أن تكون وشماً يعبر زنزانة الضّوء، أو محواً يتكلّم فينا؟

لقد أسند إلى (الوشم) ثلاثة أفعال، هي: (يعبر، ويترجم، ويقدح)، وأسند إلى (المحو) أربعة أفعال، هي: (يتكلّم، ويجتاح، ويكتب، ويقوّض)، ويشكّل (المحو) بؤرةَ إشعاع دلاليّةً، فمنها تنطلق هذه الأفعال، وتبدأ حركة التنامي الانفعاليّ للجمل الشّعريّة التي ترِد بعدها، ولا شكّ في أنّ بعض هذه الجمل يأتي صادماً توقعاتِنا، خاصّة حين يتكلّم المحو، ويكتب مجهولَه، فالمحو صمتٌ وسكون، وهو محو لإعادة الكتابة، في حين أنّ الأفعال التي استخدمها تتناقض مع معنى الصّمت أو السّكون.

إنّ المجاز في عبارات الشّاعر يفعل فعله في تحريض الانفعال، ويدفعنا إلى كسر حالة التيه، والانتقال إلى حالة التمرّد، عبر فعلَي (الاجتياح والتقويض)، فأنا الشّاعر ترغب في هدم ما يحول بينها وبين إدراك الطّريق، مؤمنةً بإمكانيّات التحوّل والقدرة على استشراف تجلّيات خطوط الطّريق، مهما كانت مضلِّلة، وغير دالّة.

تتعاون الجمل الثلاث، في القسم الأوّل من النّصّ، في بناء حالة متنامية من التيه، بدلاً من الاهتداء بالخطوط، التي صار لها دلالة التعتيم والتّمويه؛ إذ إنّها لا تقود إلا إلى مزيد من الضياع؛ أي إلى السّراب الخادع، والكلام الذي لا فائدة منه:

ليس غير الخطوط هنا

ليس غير سراب المياهِ ← الخطوط = سراب المياه = بقايا كلام.

ليس غير بقايا كلامٍ

 

وتشكّل مفردة (الخطوط) نقطة الارتكاز الأساسيّة في النّصّ، ولا يبدو عنونته بهذه المفردة بصيغة التنكير من قبيل المصادفة، فالعنوان يحيل مباشرة على مضمون النّصّ، والعبارت داخل النّسيج النّصّيّ تتقاطع مدلولاتها، وتتوازى؛ لتكوّن هذا العنوان المكثَّف، الرامز إلى فضاء يكتنفه الاتّحاد التامّ مع السّراب.

ويحشد الشّاعر مجموعة من الأفعال المضارعة الدالّة على الحركة، التي تترك أثرها الدلاليّ الفاعل في الصّور الشّعريّة، التي تبدو وثيقة الصلة بحالة التيه المتنامية صورة بعد أخرى في القسمين الثاني والثالث، فصورة (خطوط هي الوشم الذي يعبر زنزانة الضوء) تنطوي على حركة عبور، يعزّزها الفعل (يعبر) ؛ وهي تنمّ على رغبة في الانعتاق من سجن الذات، فالأثر الذي يتركه الوشم يدلّ على الثبات في المكان، في حين أنّ الفعل (يعبر) يدلّ على الحركة، ولكنْ، كيف يمكن للضّوء أن يُحتجَزَ في زنزانة؛ لكي يعبره الوشم؟

إنّها صورة رؤياويّة، تصدر عن روح ممتلئة بالرغبة في التحرّر، وكسر الثبات، يساندها في ذلك صورة ثانية تبيّن ماهية الخطوط التي يتحدّث عنها، غير أنّها هي الأُخرى صورة حركيّة، أضاف إليها عنصر الصوت عبر استخدامه الفعلَ (يتكلّم) في قوله: (خطوط هي المحو إذ يتكلّم فينا) .

تختزن هذه الصورة طاقة حركيّة، من خلال المجاز (المحو يتكلّم)، فإذا كان المحو يحيل على الثبات في المكان، فإنّه يحتفظ بالحركة في حالة كمون عبر تحويل الصورة الحركيّة إلى صورة سمعيّة من خلال الفعل (يتكلّم)، وبصريّة من خلال الفعل (يكتب)، وسمعية وبصريّة وحركيّة من خلال الفعلين (يجتاح ـ يقوّض) .

إنّها رؤيا شاعرٍ، طافحةٌ بأنسنة الأشياء، منفتحة على المطلَق، لا تعرف هدوءاً أو مهادنة، حالمة بالسّفر، وفتح الأبواب الموصدة على الرغم من العقبات كلّها، التي تقف في وجهها؛ لذلك نراه يقول، في نصّ وسمه بـ "رؤيا":

 (وأنا بالمجاهيل أفتحُ خلفَ الدروب

اشتجارَ الخطوط

وأحلامها بالسّفر) (14) .

لعلّ حرصه على العبور الدائم، والرغبة في عدم الثبات والإقامة، قد دفعاه إلى الحلم بالسّفر، بوصفه معادلاً موضوعيّاً لحالة البحث والتطلّع نحو التغيير والتحوّل، ويبدو متمسّكاً بوعده، متشوّقاً إلى إنجاز المهمّة التي أوكلها إلى نفسه، مؤمناً بحتمية الوصول، محدّداً وسيلته في إنجاز ما يبتغيه عبر السّفر، ألا وهي (الريح) ؛ لذلك تابع قوله:

 (أقيم على هوّة الوعد بي

لا وصايا تلوح..

ولا من خواتيمَ تغزو متون رياحي) (15) .

ويدرك أنّ الطريق الذي سلكه إنّما هو بحث واستقصاء، لا سكون واستقرار؛ وبمعنى آخر: إنّ الطريق هو بحثٌ عن المعرفة، وبما أنّه "ما إلى المعرفة طريق ولا طرقات، ولا فيها طريق ولا طرقات" (16)، فما كان منه إلاّ أن تجاوز الوصول القريب؛ لأنّه ليس طريقه إلى نبع المعرفة؛ لذا أكّد، عبر تكرار أسلوب النفي، في نصّه السابق "رؤيا":

 (ليس هذا الوصول القريب طريقي إلى النبع

لا..

ليس ما حضّرته السنون خلاصي) (17) .

وهذا يُعيدنا إلى نصّ "العبور" السّابق: حين قال: (إنّها لحظةٌ للعبورْ/ لسرابِ الوصول الذي لا يجيءْ)، فهو غير مكترث بفكرة الوصول، ويعي أنّها ليست بقريبة، ولن تجيء، ويبقى السراب متواصلاً؛ إذ يقول: (اختلاجُ غدٍ في مياه السّراب) (18)، و (كأنّ سراباً يقود السّراب) (19) .

من هنا يمكن أن نذهب إلى أنّ العتبات النّصيّة تعاونت مع ما ينطوي تحتها من متون نصية؛ لتأكيد فكرة السّراب؛ أي على ما لا يمكن القبض عليه، أو الوصول إليه، ومن ثمّ نجد أنّ "عناقيد الزبد" ليست سوى حفنة من الأحلام بالسّراب.

 

الأنا الشّاعرة:

في النّصّ المعنون بـ (جدار) تبدو "أنا" الشّاعر ذائبة في "أنا الآخر"، ولكن هل هذا الذوبان هو ذوبان وجوديّ أم أنّه من قبيل الأسلبة اللغويّة، وهلِ الرحيل الذي يتغيّاه الشّاعر هو رحيل لا متعيَّن، صوب المجهول، واللا مستقرّ؟، يقول الشّاعر:

 (أودَّعُ ما كنتُ..

ما سوف أمضي إليهِ

أنا الآخرون الذين عرفتُ

ومَنْ لستُ أعرفُ

وحدي أنا..

سوف أرحلُ منّيَ في فلوات القطا،

سألوذُ بهذا الجدارِ الذي يسند الروحَ

في وثبة المستحيل) (20) .

يعلّق الشّاعر أمله بالآتي فلاشيءَ في الماضي أو الحاضر السّاكن المرتهن يروي ظمأه، وعبر هذا الهاجس يقرّر السّفر والبحث عن المستحيل؛ إذ يقول: (سوف أرحل منّي في فلوات القطا/ سألوذ بهذا الجدار الذي يسند الروح في وثبة المستحيل) .

إنّه التّطلّع نحو التّغيير الذي من شأنه أن يجدّد ما في داخله من تصدّعات وانهيارات شاهقة، حيث فلوات القطا، حركة يعقبها حالة من السّكون والثّبات، هارب من ماضٍ يطبق بسلطته على الحاضر، ولكنّ الحاضر والمستقبل، بدورهما، ملجومان بسطوة هذا الماضي العالق بشركهما.

يختزن هذا النّصّ طاقةً غير قليلة من الحركة، غير أنّها طاقة حركيّة على المستوى الظاهريّ، إذ تعقبها مباشرة حالة أُخرى من الثبات والسّكون، فلو شبّهنا تلك الحركة بفقاعات الماء، أو عناقيد الزبد، لن يكون ذلك الثبات سوى الهدوء الذي يعود إليه الماء بعد أن تختفي تلك العناقيد.

يبدو الجدار ملاذ الشّاعر، ولكنْ كيف يمكن لذلك الجدار أن يسند الروح المُتصدِّعة؟ وكيف يمكن أن يكون (الآخرين) ممّن عرفهم وممّن ليس يعرفهم، ثمّ يكون وحدَه؟!

كيف يذوب كيان الأنا في مدار المجموع، ثمّ يشعر بهذا الكمّ الهائل من الوحدة والاغتراب عن أناه؟

يحاول أن يخرج من هذا المأزق الذي زُجّ فيه عبر الرحيل، غير أنّ هذا الرحيل، أيضاً، يبدو من دون جدوى؛ ذلك أنّه رحيل من "أنا" الشّاعر (جوّانيّة) إلى فلوات القطا (برانية) أي حركة من الداخل إلى الخارج، بعد أن كان قد أوحى إلينا باتّحاد أناه بأنا الآخرين.

فالـ"أنا" المتأرجحة، المغتربة عن ذاتها، تحاول الانفلات من عقال الواقع، وما إنْ تتجاوز حدودها حتّى تعود إلى نقطة البداية، أي نقطة الصّفر، وينبثق ضوء أمل من جملة (سألوذ بهذا الجدار) غير أنّ هذا الضّوء يبدو توقاً إلى الانعتاق وانعطافاً في الدلالة نحو الداخل مرة أخرى، حين يجعل الجدار هو الذي يسند الروح، فقد أوهمنا الشّاعر أنّ رحلته صوب الخارج عبر المكان، ونقلته ستكون في فلوات القطا، فنكتشف أنّ وثبته ليست سوى (وثبة المستحيل)، فتنغلق الذات على نفسها، وتخفق في إدراك "الفرديّ" عبر علاقته بجدليّة التّضادّ في (الآخر ـ الكلّيّ) ورغبة الخروج محكوم عليها باللا وصول، يقول في نصّ بعنوان "مرآة": (أوميتُ للنهارْ

أن يتبعَ الإشارةْ

أوميتُ للنهارْ...

كنتُ أنا نهارَهُ،

في الليل أحملُ البشارةْ.

وحالما أوميتْ،

كنتُ أنا في قُبّةِ النّهارْ

ضريحَهُ ..

كنتُ النهارَ المَيتْ) (21) .

يشكّل (الليل والنّهار) محوراً دلاليّاً مسيطراً يوحي بحركة التدفّق الزمانيّ عبر استخدام لفظة (النّهار) ستّ مرّات في مقابل استخدام لفظة (الليل) مرة واحدة، ويدلّ الحضور المكثّف للفظ (النّهار) الذي يصرّح به النّصّ على أنّ الشّاعر ـ على المستوى الظّاهريّ، يتّكئ على عناصر الطّبيعة ومكوّناتها، مثل: (الليل ـ النّهار ـ الطّريق ـ الأفق ـ الحصاة ـ الجهات ـ الماء)، غير أنّ ورود (النّهار) في أكثر من سياق ليس إلا تراجعاً لحركة التدفّق، من خلال قوله: (أوميتُ للنّهار) فالنّهار، عنده، فاقدٌ للفاعليّة ينتظر إشارة يتبعها، والشّاعر (أو أنا الشّاعر) هي نهاره؛ أي نهار النّهار، هي التي أضاءت هذا النّهار؛ ليفاجئنا أنّه صار (النّهار الميت)، فقد حكم على النّهار بالموت، فتنعطف الحركة إلى النّقيض إن لم نقل تتوقّف تماماً، وما يلفت الانتباه أنّ الشّاعر يُقحم أناه مُرسِلاً إشاراتٍ لتحوُّلات دلالة (النّهار) :

 (كنتُ أنا نهاره

كنتُ أنا في قبّة النهار/ ضريحه

كنتُ النهار الميت)

إنّها الذات المُمعِنة في ممارسة نوع من القسريّة على النّهار محاوِلةً إحباطَ حركة التدفّق، فيعود الليل، بوصفه حاضناً للحركة، إلى إبراز فاعليّته في مقابل النّهار المنطوي في رحمه، ويقول في نصّ آخر:

 (آيتي...

لا تكلّمني الشّمسُ في مهدها

وعند الغروبِ على شاطئي

مثلما تفعلُ.

آيتي أن أحاذي الشّعاعَ

أنا قاعهُ الغامضُ المثقلُ

ـ سأغيبُ

وأنفذ كالنّصلِ في صخرتي) (22) .

تحضر الـ "أنا" في نصوص "سليطين" بكثرة، سواء بلفظها (أنا) أم باستخدام ياء المتكلّم التي يسندها إلى المجرّدات أو المحسوسات، فيمنحها طاقةً تغذّي نصوصه بدفق متحرّك من الفاعليّة، وتؤسّس علاقاتٍ جديدةً تشكّل لحمة النّسيج البنائيّ في النّصّ الشّعريّ عنده، وتغتني بفيضٍ من الغنائيّة الذّاتيّة. ومثل هذه النّصوص يشتغل عليها التأويل عبر إشارات رمزيّة تتجاوز السّطوح إلى الأعماق، فمثلاً يقول في هذا النّصّ: (آيتي أن أُحاذي الشّعاعَ) ؛فتشير هذه العبارة الشّعريّة إلى فكرة توهّجت في ذهن الشّاعر وتبدو غير مألوفة، غير أنّها في أغلب الظّنّ تتعالق مع رغبة الشّاعر في اللعب، من الناحية الشّكليّة الخارجيّة، ونابعة من معاييرَ فنيّة وخاضعة لنسق شعريّ منظَّم من الناحية الجوهريّة، ناتجة عن رغبةٍ في التواشج مع حلمٍ مُنتجٍ خلاّق، رغبة الخوض في لجّة الرؤيا؛ إذ تغدو المخيّلة ميداناً خصباً للذات الشّاعرة؛ رغبة في التحوّل العميق، والتشكّل الدائم، عبر جملة ذات نَفَس ينزع نحو التّجريد، ولكنّ الشّاعر يفاجئنا بجملة لاحقة تخيّب توقّعات المتلقّي باتّخاذها اتّجاهاً مضادّاً لما كان قد شكّله في أذهان متلقّيه، فتتّجه الحركة نحو الأسفل نحو (القاع الغامض المثقل) بصفتَيه المحمَّلتَين بدلالات توليديّة تسهمان في بناء جماليّات التقابل بين عبارتَين، تعمل الثانية منهما على خلخلة بنية التوقّع في الجملة الأولى، والدخول في التباسٍ مقصودٍ في أغلب الظنّ.

 

قصي عطية

......................

المصادر والمراجع:

1ـ بلعابد، عبد الحقّ: (عتبات، جيرار جينيت من النّصّ إلى المناصّ)، تقديم: سعيد يقطين، الدار العربيّة للعلوم، منشورات الاختلاف، بيروت، الجزائر، ط1، 1429هـ/ 2008 م.

2ـ بلقاسم، خالد: (أدونيس والخطاب الصّوفيّ)، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، المغرب، ط1، 2000.

3ـ بنّيس، محمّد: (الشّعر العربيّ الحديث: بنياته وإبدالاتها، 1ـ التقليدية)، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، المغرب، ط1، 1989.

4ـ الجزار، محمّد فكري: (العنوان وسميوطيقا الاتّصال الأدبيّ)، الهيئة المصريّة العامّة للكتاب، 1998.

5ـالحجمريّ، عبد الفتّاح: (عتبات النّصّ، البنية والدلالة)، شركة الرابطة، الدار البيضاء، 1996.

6ـ سليطين، وفيق: (عناقيد الزّبد)، منشورات اتّحاد الكتّاب العرب، دمشق، سلسلة الشّعر (12)، 2011.

7ـقطوس، بسّام: (سيمياء العنوان)، إربد، الأردن، ط1، 2002.

8ـ المتنبّي: (ديوان أبي الطيّب المتنبّي)، بشرح العلاّمة أبي البقاء عبد الله العكبريّ البغداديّ، ج1، شركة دار الأرقم بن أبي الأرقم للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، لبنان، ط1، 1418هـ/ 1997 م.

9ـمفتاح، محمّد: (ديناميّة النّصّ)، المركز الثقافيّ العربيّ، بيروت، الدار البيضاء، 1987.

10ـالنِّفَّريّ، محمّد بن عبد الجبّار بن الحسن: (كتاب المواقف ويليه كتاب المخاطبات)، بعناية وتصحيح واهتمام: أرثر يوحنّا أربري، منشورات الجمل، كولونيا، ألمانيا، 1996.

 (1) يُنظَر، بلعابد، عبد الحقّ: (عتبات، جيرار جينيت من النّصّ إلى المناصّ)، تقديم: سعيد يقطين، الدار العربيّة للعلوم، منشورات الاختلاف، بيروت، الجزائر، ط1، 1429هـ/ 2008 م، ص 14.

 (2) يُنظَر، بنيس، محمّد: (الشّعر العربيّ الحديث: بنياته وإبدالاتها، 1ـ التقليدية)، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، المغرب، ط1، 1989، ص 76.

 (3) يُنظَر، بلقاسم، خالد: (أدونيس والخطاب الصّوفيّ)، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، المغرب، ط1، 2000، ص 125 ـ 126.

 (4) يُنظَر، الجزار، محمّد فكري: (العنوان وسميوطيقا الاتّصال الأدبيّ)، الهيئة المصريّة العامّة للكتاب، 1998، ص 35.

 (5) يُنظَر، قطوس، بسام: (سيمياء العنوان)، إربد، الأردن، ط1، 2002، ص 53.

 (6) يُنظَر، مفتاح، محمّد: (ديناميّة النّصّ)، المركز الثقافيّ العربيّ، بيروت، الدار البيضاء، 1987، ص 7.

 (7) الحجمريّ، عبد الفتّاح: (عتبات النّصّ، البنية والدلالة)، شركة الرابطة، الدار البيضاء، 1996، ص 18.

 (8) المتنبّي: (ديوان أبي الطيّب المتنبّي)، بشرح العلاّمة أبي البقاء عبد الله العكبريّ البغداديّ، ج1، شركة دار الأرقم بن أبي الأرقم للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، لبنان، ط1، 1418 هـ / 1997 م، ص 386.

 (9) سليطين، وفيق: (عناقيد الزّبد)، منشورات اتّحاد الكتّاب العرب، دمشق، سلسلة الشّعر (12)، 2011، ص 128.

 (10) سليطين، وفيق: (عناقيد الزّبد)، ص 88.

 (11) المصدر السابق نفسه، ص 91.

 (12) المصدر السابق نفسه، ص 70 ـ 71.

 (13) سليطين، وفيق: (عناقيد الزّبد)، ص 126 ـ 127.

 (14) سليطين، وفيق: (عناقيد الزّبد)، ص 124.

 (15) سليطين، وفيق: (عناقيد الزّبد)، ص 124.

 (16) النِّفَّريّ، محمّد بن عبد الجبّار بن الحسن: (كتاب المواقف ويليه كتاب المخاطبات)، بعناية وتصحيح واهتمام: أرثريوحنّا أربري، منشورات الجمل، كولونيا، ألمانيا، 1996، ص 169.

 (17) سليطين، وفيق: (عناقيد الزّبد)، ص 124.

 (18) المصدر السابق نفسه، ص 110.

 (19) المصدر السابق نفسه، ص 124.

 (20) سليطين، وفيق: (عناقيد الزّبد)، ص 42.

 (21) سليطين، وفيق: (عناقيد الزّبد)، ص 93 ـ 94.

 (22) سليطين، وفيق: (عناقيد الزّبد)، ص 58.

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3596 المصادف: 2016-07-10 10:08:19