المثقف - قراءات نقدية

قصص بين الذات والإيحاء!

najib talalترصد مبدئي: من خلال ترصدنا للعطاء الإنتاجي للصديق المبدع: جمال الجزيري، نجده غزير الإنتاج على مستوى النشر الإلكتروني، وليس هو الوحيد الآن الذي أقدم على هاته التجربة، بل المئات من الكتاب والمبدعين، الذين يراهنون على المستقبل، وعلى نشر المعرفة، دونما تهافت مادي / تجاري،موزع بين بعض الحقول الإبداعية والفكرية، القصة / ترجمة/ شعر/..../ وذلك نتيجة فيض معرفي وفني، أراد تصريفه فيما يفيد، وبالتالي حاول قدر الإمكان، إبراز ماهية ومفاهيم شعر الهايكو، وهذا ما لم يستطع إليه من دخل هاته المغامرة، إضافة لمحاولته الجريئة في قصة الومضة، وهذا ليس انتقاصا لمن حاول ويحاول إنتاج، أنماط شعرية/ قصصية، على المنوال. لكن في حالة المبدع جمال الجزيري، فيلاحظ عليه أنه مهووس بذلك، حتى أنه يعبر عن ذلك العشق، في كتابته القصصية بشكل واضح، دون اختباء وراء ضمير [الغائب] أبرزها في مجموعته القصصية [في انتظار العاصفة] (1) قرأت قصيدة وجدت إن النور اخذ يدب في المكان .. فيظهر شعاعٌ هنا أو شعاع هناك فأخذتُ أندمج في القراءة/ ربما كان قد استمع إلى قصيدة من قصائدي بالندوة/ حاولتُ أن أسترجع كل القصائد التي ألقيتها أوبالأحرى قرأتها على المنصة /(2) ولكن يعبر عن هوسه بشكل أيقوني: : استمتع بسخونة المياه، بتدفقها، بدغدغاتها بهمساتها، وفي ظلام رموشي المسدلة أرى قصصا وقصائد (3) فهذا المقطع،فيه ما فيه من الدعابة، ولكن ضمنيا تكشف عن آلية التمكن من إبداعاته ألمرفقة أساسا بصدق الإحساس. والتي تعبر عنها لفظة [السخونة] وبالتالي فمعظم قصصه تصل إلى مرحلة التقمص،حتى أنه يشير لأحدى قصائده (مسافات ضوئية) في هامش القصة . وهذا ما يفسر حضور الذات ضمن السرد القصصي، ولكن المفارقة تتمثل:بأن دواخله وذاكرته هي التي تكتب. ما تستطيع أن تكتبه، سواء من حيث التذكر، تذكر الحدث وتصوره أو معايشة الموقف في أغلب جوانبه.

وبناء عليه، فمن البدهي أن التفاصيل كلها أو أغلبها أو بعض الشخصيات تكون، فنية تخيلية . والذي يتحكم في تصوراتها فضاء موطنه ونشأته، وأحداث الربيع العربي: لأول مرة أحسست على أرض هذا البلد، أحسست بأنني لازلت في بلدي، وعلى أنني على ألفة شديدة بالمكان، ربما لطبيعته الدينية أو الروحانية، وبرغم ألفة المكان. وجدت الحنين ينمو داخلي نحو بلدي نحو الشوارع والوجوه، نحو المقاھي والمطاعم نحو النيل، نحو أرض ما عدت أزورها إلا قليلا(4) تلك الأرض التي يقصدها موطن ولادته وتربيته (جهينة - محافظة سوهاج -)

البدء     ***********        فمن الطبيعي، أن الحكي يستلهم المرء، وخاصة فيما مضى وفي القرى والمد اشر، لانعدام وسائل الترفيه وما شابه ذلك، وبالتالي ففي حالة المبدع – الجزيري- يحدد بدء استلذاذه بالحكي عن طريق جده : كنا نتجمع حول راكية النار، نستدفئ بينما يحكي لنا جدي – رحمه لله – "حواديت" ألف ليلة وليلة….. نجلس في الصيف على "الحرام" أمام سور البيت نسمع حكايات (5) فهذا المشهد معروف في الفضاءات البدوية التي يحلو فيها السمر والمسامرة، ولكن صياغته بنوع من الإيجاز والتكثيف، هنا الآمر يختلف بأن أدوات الحكي مكتسبة، وفيها من عمق الصنعة، ما يسمح لتحقيق أهداف الحكي. وهذا نجد تفسيره بين حكي الجد وتنبيه الأم : أمي تحسسني كيف تكون الحكايات أليفة مع مسامعي وكيف يتغاضى المرء عن أنانيته وذاتيته من أجل الآخرين(6) ممكن أن تكون هنالك مبالغة، نظرا للوضعية الفكرية والثقافية للمرأة العربية / البدوية، ولكن حدسها وذكاءها الفطري، كان ولازال يفوق المرأة المتعلمة، وهنا أوكد بأنها قصص واقعية في مادتها الخام، لكن استحضار الحدث وكتابته، فمن البدهي سينقل بمنظور خاص، ذو نكهة سردية، لبناء تصوير إلى حد ما صادقا وموضوعيا لإفرازات الحياة المتوترة والصاخبة، التي يحياها الإنسان. ولهذا فاستحضار الجد والأم، كدعامتين ومنطلق لإسلتهام دروب الحكي أمر، وإن اختلفنا حوله، فهو واقع موضوعي انطلاقا من البنية الاجتماعية للأرياف، والذي يزيد واقعية، استحضار – الأب – بصورة أخرى، تأكيدا لما في حمولة ذاكرة السارد من صدق: لم يكن أبى يفرغ ليحكي لنا فقد كان يعمل طوال النھار بالغيط ليطعمني وأمي وإخوتي العشرة (7) فمن الطبيعي أن يعكس الكاتب أبعاد واقعه، سواء عن طريق رصد معالم واقعه الباطني بالنظر إلى دواخل الذات الإنسانية، أو عن طريق تسجيل أبعاد عالم خارجي، تتحدد عن طريق الاتصال بالسلوك الذاتي للإنسان.وهذا يعطينا قناعة لتمظهر الذات في الحكي بشكل مباشر، ولكن ليست تلك الذات المتضخمة بنرجسية [الأنا] المريضة، بل تلك الذات المكشوفة بخطابها الفاضح، لواقعها وفضائها دونما رتوش، من ناحية المعطيات، ولكن المجال القصصي، يحتاج لمهارة ودربة، كي لا يقع الكاتب في الغموض والسقوط في الوصفية الممتدة والفجة وغير فنية، بل محاولة لتحقيق صور جمالية وما يستتبع فنيات القص أو السرد، لإبراز العلاقة الوطيدة التي تربط واقع الإنسان – بمفهومه الشمولي- وبين واقع خارجي يعيشه من ناحية، وبين الحياة برمتها، عبر دوافع محددة منبعها النفس الإنسانية، هذا ما نجده، في العديد من مجتمعه، لكن الذي لفت نظري، إعادة نشره مجموعة قصصية[فتافيت الصورة](8) من الورقي، للإلكتروني، دونما تعديل للمتن القصصي، كما يفعل البعض. باستثناء حذف الإشارات الأولى، من بينها إحدى مقولات [عثمان العنتبلي] التي اختارها كواجهة لمجموعته القصصية الأولى، وفي نفس الوقت، تكشف ضمنيا عن تصوره وإيمانه للإبداع والتي مفادها: إن الفن الحقيقي ليس للزخرفة والجمال والتنميق والطرب، بل للشعوب وخدمتها وصلاحها ولا خير في لا يختلط بالغمار الشعبية، ليعبر عن وأمالها.. تلك مهمة الفنون في هذا الوقت، أما غير ذلك فعبث وهزل ولهو، لا جدوى له ولا طائل(9)

 

بين الواقع والتذكر

فمن خلال المقولة، فنصوصه يغلب عليها حدة تبئير الصور، بعيدا عن الزخرفة والجمال والتنميق والطرب، وبالتالي فالتذكر سمة من سمات الفعل القصصي، وخاصة في جانبه الطفو لي، الذي يشخص أدق التفاصيل وبتذكر دقيق، بين الموقف وأحداثه وشخوصه، ومن ثمة استغلاله قصصيا، ولكن في حالته فالتذكر يقوم بكشف واقع مأساوي، وإن كانت الضحكة والابتسامة تسود فيه، لكن بواطن النفس البشرية، جد متذمرة، كما هو وارد في [ما أجمل ھهذه القيامة !] (10) التي تحمل علامة التعجب؟

والتعجب مرتبط هنا بالتذكر لواقع عاشه المؤلف. مكرها نتيجة، ما أنتجه محيطه من أحداث ومواقف. لأن أغلب متون هاته المجموعة، تشير بشكل دقيق لعمره المحدد في11 سنة آنذاك: هيا اخرجوا ياعيال، لا توجد دراسة اليوم، ستذھبون لجني القطن في غيط الأستاذ شعبان. كنا فرحين بأننا سنخرج من هذا البيت الممل ولن نشم روائح روث البهائم في الصف الأخر، الذي لم يتحول إلى مدرسة  

- من سيجني القطن سيأخذ خمسة قروش في اليوم (11) يبدو أن الصورة كاشفة عن نفسها، من زاويتين، زاوية استغلال التلامذة وبشكل بشع وأثناء دراستهم، يعد جريمة إنسانية، وهذا الاستغلال وارد في أغلب المناطق القروية بالعالم العربي، مما يساهم في وضع تعليمي متردي في القرى والأرياف، والذي تكشفه كذلك بنيته ومسلكيات أساتذته، واستهتارهم، الذي يعطينا الزاوية الثانية وهذا ليس مقتصرا على الريف، بل حتى في الحاضرة، وفي نطاق أكاديمي :انتظرناه ربع ساعة. من يجلس ساعتين خلف دكتور يعطينا ظھرَ ه ويشرح مع نفسه ما يعرضه البروجكتور، وإن سألناه سؤالا عن شيء لا نفھمه، يقرأ لنا المعروض على الشاشة؟ (12) فهاته اللقطة، كافية عن التعبير، والتي تصور إطارا أكاديميا ! كثيرا ما يتغيب عن عمله ! وغير عابئ بطلبته وتحصيلهم ! فكيف سيكون مستواهم؟؟ فالجواب عن سؤالنا نجده تحصيل حاصل في: تصدَّقْ علينا بنصف الدرجة. الامتحان صعب وأنا لا أعرف كيف أجيب على أي سؤال.(13) ومثل هاته الصور، متغلغلة جوانية تعليمي، مما أصيب بأزمة وفشل ذريع، ومنتجا مظاهر سلبية تهدد المجتمع بالانحطاط، وإن كان هنالك نوع من الانحطاط أوالتخلف الفكري، الناتج عن الخرافات والأوهام: ستقوم القيامة إذا الأربعاء 4/4/1984 الساعة الرابعة عصرا. انتشر ھذا الكلام في القرية كعاصفة تقتلع كل الأشجار وتدك البيوت. يا ليتھا قامت من زمان..... في الفسحة وزعوا علينا التغذية كلها ولم يأخذ كل أستاذ منها إلى بيته شيئا.

- ما أجمل هذه القيامة(14) حقيقة هاته القصة التي توثق نفسها بنفسها، لتذكية حضور الواقع من خلال التذكر، بأنه فعلا شاع خبر يوم القيامة، ولكن إبداعيتها فاقت التصور، بحيث تجسد الخوف وقيم التسامح ومظاهر الارتباك وأحوال أهل القرية، وهروبهم جهة الوادي، فيوم القيامة، جاءت نتيجة روايتين، رواية ترتبط بإشاعة، وما أخطر الإشاعات في مجتمعنا [المتخلف] والرواية الثانية، نتيجة، كارثة – تشرنوبيل - في الاتحاد السوفييت سابقا، فاضمحل البرنامج [النووي المصري] الذي كان قد اكتمل وعلى وشك الانطلاق عام 1984، وكلا الروايتين يندرجان في إلهاء المواطن عن قضاياه الأساسية والضرورية، فإعداد برنامج نووي، وواقع القرى أسوأ من المدن: ستصل الكهرباء إلى قريتكم، ستشتري تليفزيونا مثل تلفزيون الحاج محمود أو تلفزيون الذي تشاهد فيه مسلسل أنا البردعي يارشدي، الذي تتفرج عليه من شباك المقهى أمام مدرسك، مسلسل الأرض...... بدلا من هذا الراديو الذي لا يتكلم إلا في حرب العراق و إيران (15) فأحداث ومواقف التي تحملها نصوص القاص والشاعر- جمال الجزيري- رغم إحالاتها الضمنية الرامزة والاعتناء باللغة ومحاولة اللعب بها، فشفرات (أي) نص، يكشف عن نفسه، بحكم الانغماس الكلي في بنية الواقع وتراكماته، كنص ملامح/ التلبس/ مشاطرة /عود كبريت/.../ ويبدو أن أقوى حمولة نصية، في بعض مجامعه القصصية، تتجلى في تعرية قناع المجال الثقافي والفكري، والذي يحمل هالة وقوة تاريخية، ولكن يتبين أنه أكبر بنية تعيش المدنس في حركيته وممارسته، والذي لا ينفصل عن ممارسة ما يقع في بقاع العالم العربي: فھناك ناشرون يطالبون باقتسام الجائزة مع المبدع،

وأضاف أنه ملَّ ذلك الناشر الذي تفوز إصداراته دائما في المسابقة.... إذا وافقتَ،سأجعلك تفوز ونقتسم سويا مبلغ الجائزة. وأنا لم أكلِّمك وأنت لم تسمعني. (16) وهاته الظاهرة، يعاني منها العديد من المبدعين والكتاب، بين أمام مرتزقة الثقافة[أشباه] المفكرين والمثقفين،والذين دائما يتواطؤون مع الجهات الثقافية ومؤسساتها الرسمية أوما يشبهها، وبين طمع الناشرين وامتصاص دماء جيوبهم !وخاصة الكتاب والمبدعون غير المتملقين والمنبطحين، لمنظومة المؤسسة أوللسماسرة أو لنماذج تدعي المعرفة وتتطاول على المشهد ورجالاته بدون إبداع نوعي أوامتداد تاريخي مثل هذا الذي يقول: كيف تتحدث فقط عن ثلاث قصائد من قصائدي، وأنا الذي نشرت سبعة دواوين حتى الآن؟..... أنا الحركة والحراك، ألا تر ى أنني أجسد كل المدارس الشعرية، بداية من اليونانيين حتى قمة الحداثة على يد أليوث؟ .....وأنا أحصر صورته برأسي في قصائده الثلاث (17) فما أكثر مثل هذه العينات / النماذج في كل الأمكنة، والمثير أنها تتقلد دائما الصفوف الأمامية، وحاضرة في كل الأنشطة الثقافية، كمشاركة وليست فرد من المستمعين أو الجمهور، ندرك أنها طباع بشرية، ولكن في مجال غير الفكر والإبداع، ولكن كما يقال المصيبة إذا عمت هانت، حينما نجد صنفا آخر من ذوي [الفكر / المعرفة] يستولون ويسرقون، جهود الآخرين بدون وجه حق أو شرعية: لكنني عندما وجدته يسرق، كتابي الذي أدرِّسُه في القسم نفسه، ويزيل غلافه ويضع عليه اسمه، لم أستطع أن أحتمل سرقة نزيف رأسي،....... هو قا ل: - سأُفصَلُ، سيُشرَّدُ أولادي، ستكون فضيحة (18) فالمؤسف جدا أن هاته الظاهرة تفاقمت بشكل فظيع، بوجود المواقع الثقافية عبر الشبكة العنكبوتية، إذ لم يعد الاحترام والتقدير لمجهودات الآخرين، سمة أساسية في مجتمعنا، فمن هنا نلاحظ بأن – مرارات – يصاب بها كل مبدع أو باحث، حينما يجد نزيف وعصارة فكره، منقولة باسم من لا يخجلون من أنفسهم [!!] و بالتالي هنا يكمن الدور الأساس للإبداع، إبداع يعري زيف ماهو كائن مظاهر الفساد وعلاقات مساهمة في الإفساد، ملامسا الواقع في تشخيص مشاكله وأمراضه، وإن كان يعتمد الخيال والتخيل .

 

بين الواقع والإيحاء    

لا خلاف، بأن فنون القول ترتكز أساسا على الإيحاء، الإيحاء الايجابي ومن خلاله تكمن عبقرية اللغة، عبر سراديب الحكي والسرد، ولا فرق بين قصر(القصة) أو ربعها أونصفها... حينما تكون مكونات الجنس الأدبي مكتملة البناء الفني والموضوعي، فذاك إبداع وإمتاع، لأن أمامنا تراث زاخر من البلاغة والإيحاء والرمز والترميز والتكثيف والسخرية والتهكم والإيجاز.. وذلك في المستملحات والطرائف والنوادر قديما . ولدينا المئات من الكتب النفيسة في هذا المجال، قرينة بمجال القصة القصيرة أوالقصيرة جدا أو الومضة أو الشفرة، وبما إننا نناقش نصوص الكاتب – جمال الجزيري- فلا بأس أن نشير إلى هاته القصة/ الناذرة: جاء رجل نبيل كبير اللحية إلى الأعمش، فسأله عن مسألة خفيفة في الصلاة، فالتفت الأعمش إلى أصحابه وقال : انظروا إليه ! لحيته تحتمل حفظ أربعة آلاف حديث، ومسألته مسألة صبيان الكُتاب (19) فالهدف من هاته الإشارة، أن كل قاص عربي يحاول تنظير ويسعى لتقعيد القصة القصيرة / الومضة، انطلاقا من منظور ومناهج وتنظيرات غربية، وبناء عليه، فالأحداث والوقائع التي يعيشها العالم العربي، ركام من الحكي والقصص، فرض نفسه على الإبداع، باعتبار أن الربيع العربي لم يحقق لما استنهضت الشعوب حوله؟ فانتهى به المطاف إلى نهاية مخيبة للآمال وتحول الواقع إلى وضع سوريالي جد معقد: سخرتُ في سرِّي لظني أن الثورة اندلعت ولأنني أوقفتُ حركة سيارتي للمشاركة فيھا(20) وأكثر سوريالية، تلك الجثث والأجساد التي ترامت في كل الأمكنة وتلك الدماء الجاريةو النازفة في الأقبية والشوارع والحواري، والتي تحولت لبرك ومستنقعات، تعايش معها المواطن والثوري والمسالم، إنه وضع طبيعي في حالة الثورات والانقلابات، ولكن لابأس إن كان الأمر مشرقا، وهادفا لما تحركت إليه الجماهير.ولكن الوضع أمسى : تفجيرٌ. بصائرُ نازفةٌ. بؤسٌ. بوَّ اباتُ سجنٍ ومقابرُ . تفجيراتٌ. طريقٌ مُنْحَسِرَةٌ. حسراتٌ. قلقٌ صاعدٌ في الأُفُق(21) فطبيعي أن يسيطر القلق عقب الأحداث، نتيجة انقلاب الوضع كليا، لوضع سوريالي غير واضح الاتجاه والمدى والأغلب الأعم يقول ويصرخ كما :: " قال: دم المؤمن على المؤمن حرام"، ثم ألقى السلام على جندي مسعور يمشِّط الميدانَ فانصرف(22) فهاته الصورة البشعة التي تتكرر يوميا، وتكررت في نصوص المجاميع القصصية ك/ رصاصةٌ عاجلة/ قهر/ غارقٌ في دمِه /انتحار/.../ مما انضافت عوامل أخرى وجد معقدة من القلق، عوامل سيكولوجية، عقائدية، فكرية، بحيث يلمح إليها بشكل جد مكثف، المبدع – جمال الجزيري: تكفيرٌ، تخوينٌ، ترهيب، انفجارْ . جفافٌ، شحوبٌ، صوتٌ، رؤيا(23) وعلى هذا المنوال تلمح العديد من القصص كوقوفٌ مؤقَّتْ /وما به البكاء؟!/ فراغٌ / اغتصاب (2)/ نبضٌ خارجٌ/ ظلام (2)/ أرضُ نسيانٍ /زفتٌ/ دخلاء/ انشطار/ سِرياليَّةٌ غيري/ انحسار المدى/ انفجار غباءٍ /.../ تكشف عن الوجه البشع، لما آلت إليه الأوضاع، وتمظهر مظاهر جديدة وغريبة عن المجتمع العربي برمته مثل : الاغتصاب بمنظور آخر: سلِّمْني بنتَكَ وإلا ستموتُ كافرًا. - ولو سلمتها هل سأموتُ مؤمنًا؟ - لكَ أجرانِ دينُكَ ودينُ أشكالِكَ(24) فالجميل جدا، كل الإيحاءات التي حملتها النصوص، تستخلص في توظيف التاريخ العميق للرومان، من خلال قصة [أبناء بروتس] اخترناك اخترناك.، بدلتنا لائقة عليك. اخترناك، اخترناك. أنت الأمين والعزيز والمأمون. غيرك الممثل والمندس والمأجور. اخترناك، اخترناك، فلا للبلد عَلَمٌ سواك، ولا للقِلَّةِ مُرَبٍّ سواك(25) فهاته الاستعارة، أروع ما فكر فيه المبدع – الجزيري- لكي يعطي للقارئ المفترض، شحنة البحث والاستقصاء، لكي يصل بأن بروتس" كان ربيب الإمبراطور "يوليوس قيصر"و يعيش في كنفه وينال من عطفه ورعايته وحنانه، ورغم ذلك ساهم وشارك في المؤامرة التي دبرها مساعدو قيصر،وانقضوا عليه § وقد أشهروا سيوفهم عليه. وعندماتبين له أن "بروتس" كان واحدا منهم التفت إليه قائلا: "حتى أنت يا بروتس؟ ومن الطبيعي أن بروتس خلف أبناء في كل مرحلة تاريخية، يمارسون ما مارسه في حق الإمبراطور الروماني، لكي تنهار الإمبراطورية، وفي الربيع العربي، انهار كل شيء وأمست حكاية الواقع كحكاية السارد الذي يقول: ولكن زماني تحول صفرا، أدركت أنها لن تصل إلي، وأن الزمن الصفر اقترن بالمكان الصفر، وأنني الآن لا أستطيع أن أغادر مكاني، وصوتي يضيع وسط شوشرة مكبرات الصوت التي توزع صوت ذاك العادل، في كل الاتجاهات(26)

 

....................

الإحالات:

1) في انتظار العاصفة: لجمال الجزيري تصميم الغلاف: المبدع محمود الرجبي عن سلسلة القصة العربية المعاصرة (154) دار كتابات جديدة للنشر الإلكتروني- ط 1/ 2016

2) - قصة عيون موقوتة ص نفس المجموعة

3) - قصة عمار ص30 - نفس المجموعة

4) قصة لغة النعناع ص47 نفسها

5) من مشهد جانبي- لجمال الجزيري قصص قصيرة جدا- قصة حكايات /ص 5- ط 1- حمارتك العرجا للنشر الإلكتروني/ مايو 2015 تصميم الغلاف: المبدع محمود الرجبي

6) قصة علامات ص4 نفس المجموعة

7) قصة فراغ ص 6 نفسها

8)  فتافيت الصورة – لجمال الجزيري الناشر الهيئة العامة لقصور الثقافة – القاهرة/2001

9) نفس المجموعة القصصية - ص3

10) ما أجمل هذه القيامة!: جمال الجزيري قصص قصيرة- تصميم الغلاف: المبدع محمود الرجبي عن سلسلة القصة العربية المعاصرة(152) دار كتابات جديدة للنشر الإلكتروني: ط 1- أبريل 2016

11) نفسها - قصة تغذية - ص5

12) قصة ظهر ص39 عن مجموعة في انتظار العاصفة

13) قصة خطأ ما ص38 عن نفس المجموعة

14) قصة قيامة ص9 نفسها

15) قصة أن ترى الحياة بالألوان ص56 نفسها

16) قصة - مُحَكِّم – ص 11/12 عن مجموعة:اخلعي حذاءَكِ يا سيدتي: قصص قصيرة. دار كتابات جديدة للنشر الإلكتروني: ط 1، نوفمبر 2015

17)  ص 33/34عن مجموعة في انتظار العاصفة

18) قصة مرارات ص13 عن مجموعة:اخلعي حذاءَكِ يا سيدتي

19) كتاب: نزهة الفضلاء تهذيب سير أعلام النبلاء- لشمس الدين الذهبي – تحقيق - محمد بن حسن بن عقيل موسى الشريف ص 250 ج 2 الناشر: دار الأندلس الخضراء

20) قصة أمام الحصان ص22 - عن مجموعة:اخلعي حذاءَكِ يا سيدتي

21) عدسةٌ ونظرةُ عينٍ - ومضات قصصية، لجمال الجزيري، طبعة أولى، مايو 2015 - قصة: قلقٌ في الأُفُقِ ص 20

22) أھلا بكم في زعامة الخراب، قصص قصيرة جدا ص32: دار حمارتك العرجا : ط 1، سبتمبر 2015

23) قصة- انفجارُ يقينٍ ص30 عن مجموعة: عدسةٌ ونظرةُ عينٍ نفس

24) قصة اغتصاب (2) ص 30 نفسها

25) أبناء بروتس ص13 عن المجموعة – في انتظار العاصفة

26) قصة مكان الصفر ص8 في انتظار العاصفة

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3598 المصادف: 2016-07-12 11:59:09