المثقف - قراءات نقدية

عدنان المشيمش
: ملامح اقتصادية وردت في الشعر الجاهلي


adnan almshamshعكس الشعر الجاهلي حياة سكان شبه الجزيرة العربية بشكل دقيق، فاستعان به المؤرخون وعلماء الاجتماع والاقتصاديون والأكاديميون في الاستدلال على كثير من الأمور ومنها العامل الاقتصادي وأثره في حياة العربي حينذاك اذ تعد مسالة الاقتصاد من تلك الملامح المهمة التي عالجها شعرنا في مرحلة ماقبل الاسلام ويمكن ان نشير الى الأمور التالية:مسالة الضرائب تاتي قضية الضرائب التي تقع على عاتق العربي في مقدمة الأمور التي أشار اليها الشعراء ان كلمة " اتاوة " وتعني الخراج، والرشوة ايضا معروفة في الجاهلية و كذلك" مكس" وهي ضريبة على كل شيء يبيعه العربي مقدارها عشرة بالمائة

 يقول الشاعر جابر بن حني الثعلبي:

أفي كل أسواق العراق اتاوة       وفي كل ما باع امرؤ مكس درهم

 نعاطي الملوك السلم ما قصدوا   لها وليس علينا قتلهم بمحرم

ان الشاعر يفسر لنا قسوة ضريبة الخراج على سكان العراق حينذاك وشيوع الرشى. وكذلك ضريبة البيع فان اي فرد يبيع سلعة له في السوق فان عليه ان يدفع ضريبة عن كل درهم، وهي حالة لا تمثل الماضي فقط بل الحاضر الذي أصبحنا نحن العراقيين والكثير من شعوب العالم تعاني منها وكان الماضي يعيد نفسه بشكل او اخر.

ومن الملامح الاقتصادية التي نستدل عليها ظاهرة تفشي الخمرة في المجتمع فهناك صناعة محلية للخمور وهناك استيراد لتلك المادة التي يفخر العربي بتعاطيها وتدل على الرفعة والشرف عندهم، يقول الشاعر عمرو بن كلثوم التغلبي في معلقته:

الا هبي بصحنك فاصبحينا     ولا تبقي خمور الاندرينا

والاندرين كما يقول عنها ياقوت الحموي في كتابه معجم البلدان مدينة في جنوب حلب هي قرية في زمن ياقوت لكن على مايبدو من وصفه كانت في زمن الشاعر عمرو بن كلثوم. صاحب المعلقة الشهيرة مدينة لها سُوَر وفيها كنائس ونستدل من خلال شعر الشاعر عمرو انها كانت تصدر الخمور الى الجزيرة العربية، ثم يذكر الشاعر مناطق اخرى:

وكأس قد شربت ببعلبك     واُخرى في دمشق وقاصرينا

فنعرف ان هذه المدن المذكورة وهي دمشق وبعلبك وقاصرين تشتهر بسبب طقسها بزراعة العنب لذلك أصبحت بها معامل للخمور التي تهافت عليها عرب الجزيرة قبل الاسلام وذكروها في شعرهم، ومنها ايضا معصرة للخمور في نجران باليمن حدثنا عنها الاعشى:

 كَذَلِكَ تَفْصِيلُ حُسّابِهَا

فَأصْبَحْتُ وَدّعْتُ لَهْوَ الشّبَاب  وَالخَنْدَرِيسَ لأصْحَابِهَا 

أُحِبّ    أثَافِتَ وَقْتَ القِطَافِ،

 وَوَقْتَ عُصَارَةِ أعْنَابِهَا 

وَكعْبَةُ نَجْرَانَ حَتْمٌ عَلَيْــكِ حَتى تُنَاخي بِأبْوَابِهَا 

نَزُورُ يَزِيدَ، وَعَبْدَ المَسيِح، 

 وَقَيْساً، هُمُ خَيْرُ أرْبَابِهَا 

إذا الحَبَراتُ تَلَوّتْ بِهِمْ، 

 وَجَرّوا أسَافِلَ هُدّابِهَا 

لَهُمْ مَشْرَبَاتٌ لَهَا بَهْجَةٌ، 

 تَرُوقُ العُيُونَ بِتَعْجَابِهَا

. وهناك ايضا الحوانيت المنتشرة في الجزيرة العربية التي يرتادها الزبائن فهي اما تعتمد على الصناعة المحلية او ماتستورده من البلدان المشهورة، يقول الاعشى في معلقته:ولقد غدوت الى الحانوت يتبعني شاو مشل شلول شلشل شول .ومن المواد المهمة التي كان العربي يستعملها مادة العطر التي تأتيه من اليمن من بلاد حمير، يقول امرؤ القيس في قصيدته : سما لك شوق بعدما كان أقصرا:وريح سناً في حقة حميريةتُخَصّ بمَفرُوكٍ منَ المِسكِ أذْفَرَا

فهو يصف صاحبته سليمى انها تتضمخ بعطر يماني محفوظ في زجاجة حميرية هذا العطر ممزوج بالمسك وقد ذكر زجاجة العطر بكونها يمانية لان ملوك حمير يهتمون بالعطر فتأسست في دولتهم مصانع او مصنع لصناعة العطر الحميري فمن كان من أغنياء العرب وَذَا مركز ومال استورد من ذلك العطر وما صاحبة امريء القيس الا فتاة مرفهة بنت غني تعطر جسدها بزجاجة من العطر اليماني، وهناك لا ننسى العطر المحلي الذي يصنع في الجزيرة العربية ذاتها، يقول زهير بن ابي سلمى في معلقته:تداركتما عبسا وذبيان بعدما تفانوا ودقوا بينهم عطر منسمان شراح قصيدة زهير يذكرون ان منشم هذه امرأة تبيع العطر اي لديها حانوت خاص اذ تصنع عطرا خاصا ولابد في هذه الحالة ان يكون لديها أدوات معينة فهو أشبه بالمعمل الصغير فاذا أراد المتحاربون من قبيلتي عبس وذبيان الحرب ذهبوا الى منشم هذه التي تبيع العطر فاشتروا منها عطرا يغمسون به أيديهم ليقسم اي منهم على الحرب قبل ان يباشروها وقد أصبحت منشم هذه بصناعتها مثالا للشؤم لان العطر الذي تصنعه هو للحرب والخراب والقتل والدمار!!

ومن الصناعات المهمة في الجزيرة العربية صناعة الرماح والقسي والسيوف ،يقول عنترة في معلقته:ولقد ذكرتك والرماح نواهل مني وبيض الهند تقطر من دمي يشرح النقاد كلمة بيض الهند انها السيوف المصنوعة في الهند ،يقول ابن منظور صاحب معجم لسان العرب سيف مهند وهندي وهندواني اذا صنع في الهند وهناك رأي يقول ان مادة المعدن او الحديد هي مجلوبة من الهند لان الجزيرة العربية لاتنتج في ذلك الوقت الحديد والنيكل وغيرهما من المواد اللازمة لصناعة السيف ثم يقوم العربي بصناعة السيوف من المعدن المستورد من الهند ولكثرة المعارك بين القبائل واعتمادهم على الغزو فلابد ان تنشأ هناك معامل او محلات حدادة تنتج السيوف والسكاكين والأدوات الحادة التي يستخدمها العربي في حياته اليومية.غير ان هناك شيء اخير اود ان اذكره وانا اتحدث عن بعض الملامح الاقتصادية في الجزيرة العربية من خلال الشعر الا وهو الموضوع الذي يخص العقيدة والعبادة اذ يبدو ان العرب كانوا يعبدون الأصنام لكنهم لم يكونوا ليجيدوا صناعتها مثل الأقوام الاخرى القريبة منهم التي عبدت الأصنام ان السومريين والاشوريين والفراعنة لقد عبد هؤلاء الأصنام ونحتوها بأنفسهم مما يدل على ان هناك نحاتين كبار كانوا يتولون نحت تماثيل الآلهة والملوك والحيوانات والمخلوقات الخرافية وما بقايا تماثيل الأسود والأهرام وتماثيل الآلهة وابي الهول وعشتار وأسد بابل وتلك الكثرة الهائلة من الأصنام والتماثيل الا دليل على كثرة الفنانين وورشهم ورقي عملهم ، يخبرنا القران الكريم عن أهل الحجر (وكانوا ينتحون من الجبال بيوتا آمنين) الحجر / 82 ويبدو ان العرب بصفة خاصة وعرب مكة بصفة عامة نشأوا على فكرة التوحيد التي بدا بها النبي ابراهيم ع ثم تغيروا الى الوثنية فكانوا يعتمدون على استيراد التماثيل التي يعبدونها من مناطق اخرى كاليمن والشام والأردن ، تذكر كتب السيرة النبوية والتواريخ ومنها انساب الاشراف، وتلبيس ابليس وسيرة ابن اسحق وابن هشام والكامل في التاريخ وغيرها ان هبل اعظم الأصنام كان موقعه على يمين الكعبة ، وهو من عقيق احمر على صورة الانسان كسرت يده فجعلت قريش له يدا من ذهب وهو الذي حمله ابو سفيان في بدر وقال أعلوا هبل . ان هذا الاله الذي عدته قريش الها للحرب دخل المعركة مكسور اليد وقريش التي استوردته من مكان بعيد لم تعرف كيف تصلحه حيث لم يكن فيها نحات او فنان بقادر على علاجه انها استوردت الها من مكان اخر لتعبده وهو وهو ليس من صنعها ربما تكون هي اول أمة لا تصنع اوثانها وغاية مافعله القرشيون ازاء الخلل انهم لم يجدوا غير الذهب لنفاسته والذي كلفهم الكثير من اجل يد اله الحرب هبل.

 

عدنان المشيمش

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3601 المصادف: 2016-07-15 04:33:15