المثقف - قراءات نقدية

علاء هاشم مناف: دراسة نقدية في رواية الزانية للروائي البرازيلي باولو كويلو

لقد كانت الشهوة الجنسية ونشوئها مرتبطة بالنشوة العاطفة البشرية الذاتية وبالإرادة الصرفة دون الربكة العقلية . وكانت ليندا في رواية الزانية للروائي باولو كويلو هي آلة الشهوة ونحن نعرف أن المزاج الرومانتيكي وهي آلة الشهوة ونحن نعرف إن المزاج الرومانتيكي ينفلت من الحياة ثم يقوم برفضها ويحاول أن يقوم بتعويض التجربة الحية وفق معالم العالم التجريدي والتخّيل، كانت ليندا بطلة الروائية مضطربة وغامضة وكانت حسية شهوانية ضعيفة تعاني الفردية والعزلة والغربة والاغتراب، وشياطين ملتن وضعها باولو كويلو وهي ليندا المرعبة جنسياً، تريد أن تقنع العالم بأنها تملك الشجاعة والضعف معاً،وهي الأشد من أن يستطيع المجتمع والعالم أن يفهمها، ليندا شخصية صحفية مؤدبة وسيدة طيبة، ولكم النقص الذي يقاسمها شخصيتها هو ميلها إلى الحديث عن أمور جنسية وخليعة إنها عملت على خيانة زوجها مع (جاكوب كونيش) ثم أرادت وضع الكوكايين في حقيبة زوجة (جاكوب كونيش) (ماريان) أو مدام كونيش .

 

مواصفات لينــــــدا الشخصية

ليندا تستحضر الأجساد والقوى الجسدية، فهي لا تعرف الروح ولا الأرواح عند الآخرين بل هي تعرف جسدها وتعرفه أجساد الآخرين وهي تعتبر نفسها جسداً عابراً، ومستوى تفكيرها محدود الأفق، وكانت ليندا مدرسة العشق والجنس، وهي تؤكد على هذه اللحظات القلقة من التفاصيل الجنسية، فكان أفحش جماع ليندا لذاتها كانت تحاول إسكات هذا الأنين الجنسي داخلها،فهي تنسى الهرمنيوطيق الصحافي أما التطبيق الفعلي للجنس، كانت خفايا سيكولوجيتها قد جاءت من كوكب آخر كوكب اللغة الجنسية النسائي عندها يأتي إنسيابياً بالتخيّل جنسياً مع جارها صاحب السيارة ثم يحسم الرد جنسياً داخل ليندا بنوع من ذلك الفعل الشهي ومنذ التقاء المفردتين، كان الاعتماد على رغبتها النادرة ثم يأتي القرار وحده مع جاكوب حيث تمحى كل القواعد والأعراف ولا تصغي إلاّ إلى صوتها وهو صوت الرغبة الجنسية العارمة .

هناك المرض السيكولوجي الذي تعاني منه ليندا، أفكار الجريمة تدور في بالها، الحس الانتقامي من الزوج، أرادت وضع مخدرات في مكان أي في غرفة الأساتذة وبحقيبة (مريان) (القتلة الحقيقيون لا يلجأون الى المساعدة ابداً) ص 168، هناك جلسات طبيعية علاجية مع الطبيب النفساني من خلال الجلسات الطبيعية

وقياساتها للمرض، ظهر إن ليندا تتعرض (للتنمّر) (في زواجي، انني بلا شك لا أملك (خيراً لأنمو) ص168 .

(وان جنسويتي بسبب اضطرابات هرمونية تتناولها الأدبيات الطبية على نطاق واسع) ص169 وفي دفتر الوصفات تقوم بتدوين اسم الدواء المعروف وهو مضاد للاكتئاب،والى أن يعطي الدواء مفعوله (سأعاني شهراً بعد من الجحيم) ص 169.

ليندا، امرأة صحفية متزوجة ولها ولدان، تعاني من الم المجتمع الأوروبي الصناعي وضياع الإنسان فيه وهذا يأتي من خلال الانقباضات السيكولوجيه المسمترة، ليندا في العقد الثالث طولها مئة وسبعون سنتمتراً ووزنها ثمانية وستون كيلو غراماً .

(ومع ذلك، كل صباح، عندما افتح عيني على هذه الحياة المثالية التي يحلم الجميع بها، لكن قلّة تحققها، اعرف أن يومي سيكون كارثياً)ص 14 .

 

تكنيـــك الــــرواية

 تعتمد الرواية على قوانين المنلوغ وتبدأ عملية التداعي السيكولوجي من ص 14 إلى ص 15 (لكن منذ تزوجت توقف الزمن) ص 15 (الخوف السري من أن كل شئ قد تغير)ص15 (فنحن لم نعد نمارس الجنس بالوتيرة التي تعودناها هل لديه واحدة منذ الآن) ص15 (هل بحالتي مرتبطة برجل أخر الآن اهتمامي بالجنس قلّ على مدى السنوات الثلاث الفائتة) ص15 (أنا امرأة يتجاذبها رعبّ من كل شيء) ص16 . وتستمر التداعيات السيكولوجية إلى ص17، ثم ينتقل بالمنلوغ عند الروائي إلى الإخبار العالمية: (كم فقيراً وكم عاطلاً عن العمل وكم سجيناً) ص 17 .

في ص17 هناك عملية التداخل بين تداعيات الجانب الموضوعي + الجانب الذاتي من الناحية الجنسية، هناك تفاصيل دقيقة داخل النسج الروائي في ص17 إلى ص18التداعيات الذاتية المركزة في ص18 يتم الانتقال إلى المشهد الجنسي مع الجار صاحب السيارة والتركيز هنا على منطق التخّيل . في ص19 يبدأ الخيال الجنسي مع الجار يتسع . المكان جنيف (يبدو إن جنيف لم تتغير قط منذ أن كانت طفلة، لا تزال المنازل الشاسعة القديمة قابعة بين المباني التي شيدها محافظ مجنون اكتشف فن العمارة الجديدة في الخمسينيات) ص21.

(صوت الحياة لمدة خمس قرون أو ستة قبل أن يجتاز البرابرة جبال الألب أنين بأدواتهم الالكترونية وسقفهم بغرف النوم المتناهية الصغر) ص21 ص22 ينتقل الروائي إلى المنعطف السياسي . صوت ليندا واضح في هذا النسج وهي محاولة إشهار الأخبار (المثيرة للاهتمام عبر الحوادث المعهودة + الروتين اليومي في الجريدة)ص23 (ثم العودة إلى المنزل والاستمتاع في عملية الطهو وترتيب المائدة) ص23 والروائي هنا يركز في عنصر المنلوغ:-

 

التــــــــركيز على الحـــــــالة السيكولوجية

هي هذا المنعطف (ثم فجأة، وبلا سبب أنفجر بالبكاء وأنا استحم . استطيع أن ابكي في الحمام) ص23 .

 

أســــــئلة الـــــــــروائي

هناك أسئلة يطرحها الروائي:

1. لماذا لا أكون بخير؟ أتشكو حياتي من خطب؟

لا، لاشيء من ذلك .

2. لاشيء سوى الليالي التي تملأ صدري رعباً

والأيام التي أعجز عن التشوق إليها ص24 . هناك التداعيات السيكولوجية الفردية من ص25 إلى ص27، هناك مزج يظهره الروائي في العلاقة بين الدواء + الاكتئاب والانترنيت ص30 ثم الهذيان السيكولوجي الذي يتوضحّ في ص32 .

 

الإسراف في تداعيات المنلوغ والديالوغ عند الروائي

 من خلال الشد السياسي يتحدث الروائي وبصوت أخر من خلال المقابلة الصحفية التي تقوم بها الصحفية ليندا مع السياسي جاكوب وهو الحبيب الأولي، وهي علاقة قديمة في فترة الزمالة الدراسة بين الصحفية ليندا والسياسي جاكوب، وعلى هذا المنوال السردي للسيكولوجيا ثم العودة إلى منعطف المنلوغ الذاتي حيث تجد ليندا جارها من جديد وهو يلمع سيارته ثم تستدرك (الم يفعل هذا أمس؟) ص36 ثم تطيل الحديث ليندا مع الجار صاحب السيارة وتسأله (أطيل الحديث يفضي بي الأمر إلى سؤاله (عن رأيه في ما يبحث عنه الناس في الحياة)ص36، فكان رده (سهل جداً. القدرة على تسديدهم الفواتير . شراء منزل شبيه بمنزلك او منزلي . امتلاك حديقة ملأى بالشجر . وجود أولادك وأحفادك حولك يوم الأحد على الغداء . السفر حول العالم بعد التقاعد). ص27 ثم تقوم ليندا بالسؤال من جديد (أهذا ما يريده الناس من الحياة؟ أهذا هو فعلاً؟ ثم تستدرك قائلة (ثمة خطب في هذا العالم، وهو لا يقتصر على الحروب الجارية في أسيا والشرق الأوسط)ص27 . بعد هذا الذهول والشرود الذهني من ذلك الجار الساذج، والأسئلة الذاتية والموضوعية حول ما يدور في العالم من مشاكل، ينقلنا الروائي إلى محوراً أخر من الحوار (قبل الذهاب إلى الصحيفة، علّي مقابلة جاكوب، إن الإشكالية السياسية مع هؤلاء الإفراد وفي أكثرهم تفاهة ولا احد يريد أن يعرف أو يفهم ما يجري في حياة هؤلاء الشخصية، هناك أمران فقط يثيران فضيحة:-

1. هنا

2. فساد هناك

3. مخدرات، يتضخّمنان ويستحوذان على نقل شامل، لان الصحف تخلو من أيّ أمر أخر مهم .

 

تتســـــاءل الصحيفة عن هؤلاء السياسيين

1. هل يبالي أحد إن كانت لهم عشيقات .

2. أو يذهبون إلى بيوت الدعارة .

3. أو يشهدون ميولهم الجنسية المثلية؟

4. لا يواصلون فعل ما انتخبوا لفعله .

5. وما داموا لا يفرغون الخزينة القومية، نحيا جميعا بسلام ص40.

في المقابلة الصحفية يتم الاشتباك بين الصحفية والسياسي الحاضر والحبيب السابق، ثم ينفك الاشتباك بعد غلق باب مكتبه، يقوم بتقبيلها وتقبله، ثم تبدأ العملية الجنسية وهي على قمة لذة الاستمتاع بتلك العملية الجنسية .

(اركع، أفك سحاب بنطلونه، وأطوق قضيبه بفمي، وشدّ شعري ويتحكم بإيقاع راسي ينتشى في أقل من دقيقة ...كم كان ذلك حلواً !) ص24 .

ثم تستدرك الصحفية: يعقب الخطيئة الخوف، خوف المرء من أن يضبط . أخفت آثار الجريمة وهي في طريقها إلى الصحفية ثم تتساءل (هل أردت أن يظهر لجاكوب أنني مستقلة، حرة، إنني سعيدة نفسي)؟ هل فعلت ما فعلت للتأثير فيه أو في محاولة للهروب مما أسمته صديقتي (الجحيم)؟ ص43 .

ثم تبدأ التداعيات الذاتية بعد ذلك يعاد الفلاش باك حيث يقضي بها ذلك إلى غسل السيارة للجار التقليدي التفكير كما اشرنا إلى ذلك في صفحة ص43 .

كانت علامات الارتباك لما فعلته من خطيئة ويبدو تساؤل الولدان (ماما أنت تتصرفين بغرابة اليوم) ص44 وهذا يعطينا الاستنتاج السيكولوجي الشعور بالذنب والخطيئة . ثم تقوم برد فعل آخر في عملية جنسية أخرى مع زوجها في الحمام ص45 لكن جارها صاحب السيارة كانت تتخيلّه يضاجعها في شاليه بجبال الألب .

ثم يقوم مدير الصحيفة ليفصح لليندا بأن (جاكوب كونيش له علاقة غرامية مع زوجة سياسي)ص58 ثم يستدرك ويقول لها جاكوب ليس هدفنا ومهمتنا الردع من يحاول إفساد نظامنا السياسي .

يتكرر اللقاء مع جاكوب متشكلاً من الحوارات الذاتية المهموسة ثم العلاقة خارج الزواج (الصحفية ستساندك . لن ننشر أيّ شئ عن حياتك الشخصية لكننا سنسعى وراء المتبزين) ص67 هناك المنلوغ الذاتي يؤكد بأن جاكوب يعيش في عالم مختلف تماماً عن عالم ليندا، كان الحوار ينصب حول الذات، وجاكوب وهو الطرف الأخر في السياسة والجنس والروائي هنا ينتقل من صوت إلى صوت في الخطاب داخل الرواية (يهز رأسه . أدعي أنني غير منزعجة وأشير إلى الأمواج المتحركة على سطح البحيرة) ص69 .

 

الصـــوت التفكيري داخــــل الروايـــة

هناك يتشكل سرد تفكيري شخصي يتهدّج داخل الرواية بين الحين والآخر . وهناك إستشفاف للغة شعرية تحدد أبعاد منطق الرواية (من دون تفكير مني أقبله قبلة طويلة . يتردد أقل من ثانية، ثم يستجيب على الفور، يحّل محّل ما أشعر به من عجز وهشاشة وإخفاق وانعدام الأمان، وشعور واحد من الانشراح العارم بين لحظة وأخرى)ص72.

 

البنــــاء الــــروائـــي

الرواية بنيت على المنطق السيكولوجي، وهذا المفهوم يتكرر بين الحين والأخر، خاصة بين ليندا وجاكوب،ومن هنا يتشكل الفعل الروائي من الناحية الفنية رومانسيا (سأحذو حذو جاكوب كونيش وأحّدث زوجي عن حالتي العقلية الغريبة)

 في ص76: هناك بناء تكنيكي متعلّق بالسيناريو يبدأ من (لايزال الطقس عاصفاً حتى نحن جاهزون للمغادرة) ص76 .

هناك تشكيل دقيق لصوت الريح تطرق النوافذ وفي ص77 يتلابس المنلوغ الذاتي مع المشهد السينمي داخل الرواية، أي أنّ هناك مشاهد لفيلم، حيث تقوم بالتوجه إلى غرفة الوالدين للتأكد من أنّ كل شيء على ما يرام ص77، أو مشهد العاملة الفلبينية التي وصلت إلى البيت (وفردت كتبها على إمداد الطاولة في غرفة المعيشية) ص76،ثم يأتي (الفلاش باك) (أهو لأنني أفرطت في المشروب؟ أفكر في الأمواج التي رأيتها على سطح البحيرة في الغيوم التي تبددت الآن، في الشخص الذي كان معي) ص77.

 

العـــودة الـــــى المنلوغ

المشهد السينمي:-

1. (أحسسنا أن الموسيقى كانت مريعة) ص77 .

2. (وماذا عن كل تلك الأمور التي قلتها لجاكوب عصر اليوم؟) ص77 .

3. (هذه الغرفة تخنقني . زوجي المثالي ينام إلى جانبي، يبدو أنه لم يسمع الريح تطرق النوافذ) ص77 .

4. (أتخيّل جاكوب مستلقياً إلى جانب زوجته وهو يخبرها بكل ما يشعر به) ص77 .

5. (مع أنني واثقة بأنه لن يقول شيئاً عني) ص77 .

6. (أسأل هل أيقظته ريح الشمال هو أيضا؟) ص77 .

7. (الجنس الفموي، النصيحة الرشيدة، القبلة في المتنزه أبدو كأنني امرأة أخرى . من هذه المرأة التي أتقمصها عندما أكون مع جاكوب) ص78.

 

طغيان الجانب السيكولوجي على كنه المنلوغ الذاتي

هناك إفراط غير طبيعي في تفاصيل المنلوغ، بل هناك إفراط غير طبيعي في تفاصيل المنلوغ عند بطلة الرواية إضافة الى المفردات الشعرية التي يستعملها الروائي مثل:-

1) الجنس الفموي .

2) المراهقة الاستفزازية .

3) شدة الريح التي تعكّر هدوء مياه بحيرة (ليما) ص78 .

4) العودة في زمن كوني الشابة التي لا تخشى العواقب ص78 .

5) إنها في السادسة عشرة وعودة زحل التي تحمل معها النضج لا تزال بعيدة ص78 .

 

تداعيات المنلوغ ثانية في الرواية

في الرواية هناك قلق سيكولوجي يشوب تفكير بطلة الرواية من خلال مايلي:-

1. الانتخابات السياسية وعلاقة ذلك بالصحفيّة والصحفية تقول: ليندا(نأكل بصمت، سبق إن جاء النادل إلى طاولتنا مرتين ليرى إن كنا قد انتهينا) ص94.

2. هناك خيالات ورؤيا تخيلية وهي تشاهد جاكوب كونيش في فراشها (جاكوب كونيش ما الذي تفعله في غرفة نومي في سريري في كوابيسي؟) ص97.

(إلا يكفيك هذا؟ ما الذي تفعله في أحلامي؟ فعلت كما اقترحت بالضبط، حدثت زوجي وشعرت بالحب الذي لكنه لي) ص97 . (أرجوك أرحل) ص97 (دعني وشأني ياجاكوب كونيش . أنا سعيدة في زواجي). ص97، هناك حالة من الهلوسة والشلل التكفيري والتوحش السيكولوجي في هذا الإشكال في المنلوغ .

(لكن لا، كّل ما أفكر فيه هو أنت) ص97 ثم تستسلم بشكل مباشر منلوغياً عندما تقول (أنا افقد السيطرة . مرّ أسبوع على رؤيتك، لكنك لا تزال حاضراً) ص 97، وبعد اللقاء مع ماريان أو مدام كونيش (حدثني جاكوب كثيراً عنكِ) ص109 وقد جاء هذا اللقاء بعد نتائج الانتخابات الذي ظهر جاكوب كونيش في المرحلة الثالثة . (وهل يعقل أن يخبرها جاكوب عما حدث في خلال اجتماعنا في (بارك دي زوه فيف؟) ص109 هناك تقاليد سويسرية في القبلات الثلاث المعروفة (الخد الأيمن الخد الأيسر الخد الأيمن كما تقتضي التقاليد السويسرية) ص 130.

ثم يتوقف الزمن عند ليندا في التوقف عن الحيوانات الأليفة، ثم تخبر جاكوب عن ذلك الحوض المائي الذي شاهدته في المدرسة عندما أوصلت ولديها هذا الصباح، كان داخل الحوض سمكة تدور وتدور، وقلت لنفسي (إنها تعجز عن تذكر نقطة البداية، ولن تبلغ النهاية ابداً) ص131 (لذا نحن كالسمك في الأحواض المائية، وهي تذكرنا بأنفسنا، تتغذى جيداً لكنها تعجز عن تخطي الجدران الزجاجية) ص131 .

تبدأ الانهيارات السيكولوجية عند ليندا تستغل سيارتها في إثرٍ عشوائي وفي النهاية فهي لا تثير اهتمام أحد (تحول الشجن إلى فتور) ص133، الروائي يشكل في الرواية رؤية لهزيمة المجتمعات الصناعية الفاقدة للحس السيكولوجي الإنساني، والإنسان في هذه المجتمعات، إن لم تكن أمراض سيكولوجية فهي تتحول إلى إمراض متشعبة الأشكال والسلوكيات في الأفعال . (أتخيل ما حدث في العام1817 أتخيل ذلك العام عندما قرر ساكن القلعة الشاعر الانكليزي اللورد بايرون أن يعيش هنا في المنفى كان مكروهاً في بلاده كذلك في جنيف، حيث اتهم بإقامة حفلات عربدة وسكر علناً . لابد انه كان يموت من الملل، أو الشجن أو الغضب) ص133.

وفي العام نفسه 1817، وصل من انكلترا شاعر أخر هو شلي وزوجته ماري التي كانت في التاسعة عشرة (أنظم إليهما ضيف ثالث، لكنني اعجز عن تذكر أسمه ألان) ص133 كانت ليندا تعالج الإشكالية الرومانسية داخلها وتضعها في موقع المسؤولية السيكولوجية المتعالية، فهي اساساً كما قلنا تعاني العقدة السيكولوجية في منطق هذه المقارنة، وهي أشارة إلى المنطق الزمكاني .

(ظنوا أنهم كانوا مميزين للغاية ومهميّن للغاية حتى أنهم قرروا الرهان على الرجوع إلى هذا المكان نفسه بعد سنة وكل منهم يحمل كتاباً من تأليفه يصف فيه الحالة البشرية) ص134 .

نقول: أن هناك خلطاً بين نصيحة جاكوب لها بأن لها عائلة وهي أمرآة رائعة كانت لها صدمة لأنها لا تريد إن تعترف أنها مخطئة وبين شخصية ماري زوجة الشاعر شلي التي كانت في التاسعة عشرة من عمرها .

 

وعلاقة كل ذلك في عدم دعوتها للمشاركة في الحديث، فتصفها بأنها أولا امرأة + أنها فتية ثانياً ثم تستدرك ليندا في هذا التحليل لمنطق الحدث التاريخي بين شاعرين كبيرين هما (بايرون وشلي، والروائي أراد أن يضع بطلة الرواية في موقف لا الحيص بيص) بان موقف بطلته محرجاً وليس هناك ايّ مقارنة بين الحدثين أي بين حالة ليندا وحالة ماري زوجة شلي .

وليس من مقارنة بين مخطوطة ماري المفترضة في الرواية وبين الحالة السيكولوجية التي تعيشها ليندا، وكان هذا التبرير في هذه الصياغة هو الردع السيكولوجي الذي أبداه جاكوب لليندا .

 

الفهـــــــم الدقيــــــق للعـــــــالم

والروائي باولو كويلو في هذه الرواية يوضح لنا قصة (فيكتور) وهو عالم سويسري ولد في جنيف، وقد رباه والداه ليقوم بفهم العالم عبر منطق إبسمولوجي علمي (عندما كان طفلاً يرى صاعقة برق تضرب شجرة ويتساءل إن كان هذا الحدث هو ينبوع الحياة، أيمكن لإنسان أن يخلق إنساناً آخر) ص135، ثم ينقلنا باولو كويلو والى أسطورة (برومثيوس، الجبار الإغريقي الذي قام بسرقة النار من الآلهة لمساعدة البشر).

ثم ينتقل الروائي إلى العنوان التابع الى المؤلفة وهو العنوان الفرعي للكتاب (برومثيوس الحديث) (لكّن القلّة تذكر ذلك) ص135 .

وبالعودة إلى شلي، فقد كان شلي قد اعد الدراما الغنائية الملحمية تحت عنوان (برومثيوس طليقاً في العام 1820) فهي جزء من منظومة الرومنسية الانكليزية، وكان شلي من الشعراء الذين لفظهم المجتمع الانكليزي (او فروا طواعية منه ليعيشوا في شمس إيطاليا الدافئة) (1) .

وكانت دراما شلي (برومثيوس طليقاً)(2) هي النبع الرومانسي لكتاب العصور الحديثة .

 

قـــــــوة الخطــــاب الروائـــــي

في الرواية باولو كويلو هذه، هناك عملية تجريبية لفعل القوة ذهنياً على مستوى المنطق الروائي، وقد حدث هذا عند باولو كويلو في روايته مغامرة شاب في إطار التجريبية الروائية، أما في هذه الرواية فتقع منظومة القوة في (فرانكنشتاين) من هنا يتشكّل الخطاب الروائي (هل جئت إلى هنا بالمصادفة؟) ص135 .

(أم أن يدك الخفية التي لا تعرف الصفح قادتني إلى هذه القلعة وذكرتني بتلك القصّة؟) ص135 .

الخطاب الروائي وصياغات المقارنة في عملية الردع السيكولوجي عند باولو كويلو

نقول: حين التفت ماري زوجة شلي عندما كانت في ربيع الخامسة عشرة وهي المتزوجة دون أن يكون الرادع هو العرف السسيولوجي، فهي تبعث الرجل الذي اعتبرته حباً ورمزاً لحياتها، في ربيع شبابها ! فهي بالمقابل كانت تعرف ماتبقى إليه وكيف تحصل عليه . وهنا وجه المقارنة حين تقول ليندا (أنا في العقد الثالث من عمري، وأتمنى أموراً مختلفة كل ساعة) ص135 .

وحيث المنلوغ المتفاعل ينقلنا باولو كويلو في الخطاب الروائي الموضوعي وهو الخطاب الذي يتحدث عن صميم الرواية (لست ماري شلي . أنا فيكتور فرانكنشتاين ووحشه) ص136 .

والخطاب يفصح عن الأشكال الرئيسة في الرواية، وفي الخراب للمجتمعات الأوربية والتكنولوجيا المدمرة بعد أن تشكلت بالإرهاب الدولي وهي النتيجة لازمة في التهميش للإنسان، والبطالة وصعود الرأسمالية العالمية التي ولدّت الإرهاب الدولي نتيجة لهزيمة الإنسان على مستوى العالم وإفقار الشعوب المهمشة أصلا وصعود المركز واستيلائه على الأطراف بشكل مباشر أي من خلال القوة العسكرية والاحتلال كما هو حاصل في الشرق الأوسط والمنطقة العربية حصراً .

(حاولت أن أنفخ الحياة في جماد، وستكون النتيجة كتلك التي في الكتاب، نشر الرعب والدمار) ص136 .

 

تشــكل الخطـــاب الـــروائي

لقد تشكل الخطاب الروائي عند باولو كويلو على النحو التالي:

1. لا دموع بعد .

2. لا يأس بعد . أشعر أن قلبي قد كف عن الخفقان ص 136.

3. (يتصرف جسمي على هذا الأساس)ص 136.

4. (لأني اعجز عن الحركة) ص136.

ثم ينقلنا الروائي إلى الخريف المسائي عند ليندا الذي يحل سريعاً فهي تتأمل المكان من خلال المشاهدة للقلعة، في هذا المشهد الذي تحول إلى (فلاش باك) كان سكان القلعة يروعّون تلك البرجوازية الجنينيّة بسلوكياتهم التي أصبحت لا أخلاقية في بداية القرن التاسع عشر .

 

الصـــــــاعقة والوحش

كانت الصاعقة التي ضربت الشجرة أخرجت ذلك الينبوع الحياتي في خلق إنساناً متوحشاً أخر، كانت هي صاعقة البرق نفسها التي بعثت الحياة قي ذلك الوحش الأسطوري، بمعنى أخر، إن الإنسان قد ولد في شحنة كهربائية ولذلك بقي منجذب وقلق باتجاهاته العديدة، من هنا كانت ليندا هي المنجذبة والقلقة في هذه الرواية فهي خضعت إلى الانجذاب وتحولت إلى امرأة متوحشة أثر تلك الصعقة الكهربائية، وقد امتدت في انجذابها هذا إلى:-

• جارها صاحب السيارة، كان الانجذاب انجذاباً جنسياً .

• جاكوب كونيش . كان انجذاباً جنسياً فعلياً بالممارسة .

• إضافة إلى انجذابها الأولي وهو الزوج، كان انجذاباً جنسياً فعلياً وقانونياً .

• ولداها الاثنين، كان انجذاباً إنسانياً بالفطرة.

(لكنني أشعر كأن رجلّي مكبلتان بسلسلة وكرة من حديد . لا أزال عاجزة عن الحركة . أنا فاشلة) ص136 .

بعدها يبدأ الهوس الذهاني في منلوغ من الهلوسة يمتد من ص146 الى ص152 على نمط الهلوسة الجنسية الفوضوية والعشوائية الذهانية، (الجنس من الآن فصاعداً، يحدث ليلاً فقط، أو الأفضل قبل النوم مباشرة كما لو انه كان واجباً يقبل الطرفان من دون التساؤل إن كان الآخر في المزاج لذلك إذا فوت الجنس ينشأ الشك لذا من الأفضل التزام الطقس المعهود) ص151 .

ويستمر هذا الهذيان السيكولوجي والسسيولوجي الجنسي حتى ص146 .

والروائي باشر باستخدام الرمز (فرانكنشتاين) في القصة التي كتبها (روبرت لويس ستيفسون) وهي نفس القضية الغريبة المتعلّقة بالدكتور (د جيكل والسيدهايد) التي تجري مجرى التفاصيل نفسها وإحداثها تجري في لندن في القرن التاسع عشر، هناك الاعتقاد الرمزي حسب وهنري دجيكل، وهو عالم فيزيائي وباحث، بأن الخير والشر هما جزء من مرتكزات الإنسان وبنيته التفكيرية والسيكولوجية والروائي في هذا الرمز يظهر الجانب الشيطاني عند ليندا سواء على مستوى الجنس المريض أو عملية الانتقام من زوجة جاكوب مريان، وعلى المستوى السسيولوجي تولد الديكتاتوريات في العالم على ضوء الشعاع الشيطاني الخفي في الإنسان والذي قد يتأخر ظهوره في العقول الديكتاتورية .

وقد استخدمت ليندا شيطانها (فرانكنشتاين) سلوكياً من خلال الغدر بمريان زوجة جاكوب كونيش، ويستخدم الروائي رمز(جون كالفين) الذي امن بالحقيقة المطلقة، وقد يعتبر إرهابيا خاصة من الكاثوليكيين إذا ظهر في مرحلتنا التاريخية في فرنسا أو في إرجاء العالم، وكان يؤمن بإنشاء منظومة ثيوقراطية، يقوم بتصفية كل من يخالفه مثله مثل دولة الخلافة حسب داعش التي كفرت كل المسلمين وقتلت الكثير من الناس سواء في منطقة الشرق الأوسط، والمنطقة العربية حصراً أو في العالم وما يحصل من تجييش للمقاتلين المتطرفين من كل أنحاء العالم بما في ذلك القارة الأوروبية .

من هنا نقول بأن الأفكار الثيوقراطية وكل الأفكار الشيطانية او أيّ افكار ايديولوجية متطرفة سواء كانت ثيوقراطية أو ايديولوجيات ديماغوجية، تبقى قي الأذهان ولا تموت، وقد تظهر هذه الافكار والايديولوجيات الشريرة وقد تخضع من جديد إلى الفلسفة التفسيرية الهرمينوطيقّية، وتقود مرة أخرى لكي يكتسح العالم حسب المتطلبات السياسية والاقتصادية للرأسمالية العالمية، هذه البضاعة تخضع لمنطق المنفعة الايديولوجية الرأسمالية وأمامنا أمثلة كثيرة في العالم، طلبان في أفغانستان عندما عدتها الولايات المتحدة الأمريكية ومدتها بالسلاح والمعلومات ضد نظام بابراك كارمل، كذلك ابن لادن، وداعش أبو بكر البغدادي .

نقول باختصار، أن الأفكار الثيوقراطية المتطرفة والإرهابية هي جزء من المنظومة الرأسمالية العالمية، وهي مدرسة من مدارسها على مدى كل المراحل التاريخية، وها هي الولايات المتحدة الأمريكية تستخدم داعش في سوريا والعراق وليبيا واليمن استخداماً سياسياً واقتصادياً بالتزامن مع التشكيلات والحركات الطائفية الأخرى، والعصابات المسلّحة الأخرى التي تتفق أو تختلف معها اي مع المنظومة الرأسمالية العالمية .

(الدكتور دجيكل والسيد هايد من عرف كالفين قال إنّه كان رجلاً صالحاً في الخفاء، قادراً على إتباع كلمة يسوع وفعل ما يُذهل من الصنائع المتواضعة، كان مهيباً لكنه كان محبوباً أيضاً وأمكنه أن يلهب حشوداً بذلك الحب) ص173 .

 

الدكتور علاء هاشم مناف

.......................

* صدرت الرواية عن شركة المطبوعات للتوزيع والنشر، ترجمة: رنا الصيفي، تدقيق لغوي: روحي – وفيق زيتون

1- الدكتور لويس عوض، أسطورة برومثيوس في الأدبين الانجليزي والفرنسي (تر) جمال الجزائري / بهاء جاهين / ايزابيل كمال، المجلس الأعلى للفنون القاهرة ج 1 تاريخ الطبع 2001 ص1.

وقد حلقت هذه الرومنسية حتى طرد من جامعة أكسفورد لتوزيعه منشورات تؤكد الجماع الفكري، وقد فر مع أبنه كاتبين شهيرين، ماري التي يشير لها باولو كويلو في هذه الرواية، وماري هي التي كتبت (فرانكشتين) (ومات غرقاً في مياه إيطاليا وهو في الثلاثين من عمره) (1).

2- الدكتور لويس عوض، أسطورة برومثيوس في الأدبين الانجليزي والفرنسي (تر) جمال الجزائري / بهاء جاهين / ايزابيل كمال، المجلس الأعلى للفنون القاهرة ج 1 تاريخ الطبع 2001 ص1 .

 

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3601 المصادف: 2016-07-15 13:29:44