المثقف - قراءات نقدية

عبير خالد يحيي: قراءة في تجربة أديب الأطفال.. الهيكلية الجمالية في نصوص الأديب العراقي جاسم محمد صالح

الأديب والمؤرخ العراقي جاسم محمد صالح في سطور:

من مواليد: بغداد / الفضل / محلة العـــزة 1949م .

 - تخرج من كلية التربية / قسم اللغة العربية عــام 1972.

 - عمل مدرساً في المدارس الإعدادية ومشرفاً علمياً فـــي

 وزارة التربية العراقية في مجال تأليف المناهج وتنقيحها

 لعدة سنوات وحالياً (اختصاصي تربوي لمادة اللغة العربية).

 -  أسس (الملتقى الأدبي الشبابي) في بغداد وانتخب رئيساً له عام 1990م

- عمل في الصحافة والإذاعة والتلفزيون ... وحرر كثيراً من صفحات المجلات والجرائد و ساهم في إعداد وكتابة/ البرامج الثقافية والأدبية وبرامج الأطفال لإذاعة بغداد وعمل مدير تحرير جريدة المواطن العراقي ومدير تحرير جريدة نبض العراق ومدير تحرير جريدة الحماية وبعض الصحف العراقية الأخرى

- كتب الأعمدة الصحفية المقروءة في كبريات الصحف العراقية .

- عد من الأدباء المتخصصين في أدب الأطفال:

(قصة، مسرحية، سيناريو، رواية، دراسة، مسرح دمى)

- نشر الدراسات والبحوث في مجالات التعليم والذكاء وفلسفة التربية والتعليم الإلكتروني وستصدر في كتاب بعنوان: (آراء ومفاهيم في التربية والتعليم)

- حصل على كتابي شكر وتقدير من السيد وزير التربية الدكتور سامي المظفر للجهود العلمية المتميزة في مجال البحث والتأليف عام 2005م.

- ساهم في ألقاء المحاضرات والدراسات والبحوث في كثير من الندوات والتجمعات الفكرية والتربوية والثقافية ومؤسسات المجتمع المدني.

- له مؤلفات كثيرة في مختلف فنون الأدب والثقافة والتاريخ والحضارة من أهمها:

 1- طقوس في مدن النساء (مجموعة قصصية) بغداد 1975.

 2- سقوط الملك شهريار (مسرحية) بغداد 1977.

3- وجوه تغني للفرح (مجموعة قصصية) -  بغداد 1978.

4- الشجرة الطيبة    (مجموعة قصص قصيرة للأطفال) - بغداد 1978.

5- حميــد البلام    (رواية تاريخيــــة مصورة للأطفال) - بغداد 1982.

6- الحصــــار    (ثلاث قصص عن أبطال ثورة العشرين) - بغداد 1982.

 7- عروس البســـتان (مجموعة قصص قصيرة للأطفال) - بغداد 2006  

 - مثلت له مسرحيات كثيرة للأطفال من أهمها:

أ . أصدقاء الشمس

  ب . الأصدقاء الطيبـــون

 ج . بيت للجميع

 - كتب للفتيان القصص والروايات التاريخية التي تناولت حياة أبطال العراق في ثورة العشرين وما قبلها على شكل سيناريوهات مصورة نشرت تباعا في مجلات: (المسيرة) و (المزمار) و (مجلتي) ...وغيرها من أهمها:

أ- رواية الخاتم - التي فازت بالجائزة الأولى في أدب الطفل في الملتقى الثقافي العراقي الأول عام 2005م

ب-  رواية الليرات العشر

ج- رواية الحصار

د- رواية الصفعة

هـ- رواية السيف

و- رواية الفأس

ز- رواية صالح الخراشي

ح- رواية ملكة الشمس

ط- منقذ اليعربي

المرجع مركز النور

 

كان لي شرف لقائه بالإسكندرية في 2016/5/1 على هامش زيارة له إلى مصر تلبية لدعوة لحضور المهرجان العربي لمسرح الطفل بمصر والذي نظّمه معهد الدراسات العليا للطفولة قسم الإعلام وثقافة الأطفال جامعة عين شمس...

وقد كان الأستاذ جاسم محمد صالح رئيس الوفد العربي ..

كما تم تكريمه بتسليمه درع المهرجان ...

وقد شرّفنا بزيارة دار النشر خاصتنا (دار النوارس للدعاية والنشر) ..

 

مفهوم أدب الأطفال

يمكن تعريف أدب الأطفال بأنه: "خبرة لغوية في شكل فني، يبدعه الفنان، وبخاصة للأطفال فيما بين الثانية والثانية عشرة أو أكثر قليلاً، يعيشونه ويتفاعلون معه، فيمنحهم المتعة والتسلية، ويدخل على قلوبهم البهجة والمرح، وينمي فيهم الإحساس بالجمال وتذوقه، ويقوي تقديرهم للخير ومحبته، ويطلق العنان لخيالاتهم وطاقاتهم الإبداعية، ويبني فيهم الإنسان.

 كما يعرف أدب الأطفال بأنه شكل من أشكال التعبير الأدبي، له قواعده ومناهجه، سواء منها ما يتصل بلغته وتوافقها مع قاموس الطفل، ومع الحصيلة الأسلوبية للسن التي يؤلف لها، أو ما يتصل بمضمونه ومناسبته لكل مرحلة من مراحل الطفولة، أو يتصل بقضايا الذوق وطرائق التكنيك في صوغ القصة، أو في فن الحكاية للقصة المسموعة

ويعرف أدب الأطفال بأنه في مجموعه هو: "الآثار الفنية التي تصور أفكاراً وأحاسيس وأخيلة تتفق ومدارك الأطفال وتتخذ أشكال القصة والمسرحية والمقالة والأغنية"

ومن هذا التعريف الأخير تحديداً

سأدخل لاحقاً في التجربة الرائدة للأديب الأستاذ التربوي العراقي جاسم محمد صالح .

ويعتقد البعض أن الكتابة للأطفال أكثر مشقة من الكتابة للكبار، بسبب الاشتراطات التربوية والثقافية التي يلتزم بها كاتب الأطفال، وبسبب مراعاته للمستوى العقلي والنفسي للمتلقين.

ويمكن القول إن أدب الأطفال قد يكون كل عمل أدبي يكتب ابتداءً وخصيصاً للأطفال، وقد يكون كذلك كل عملٍ أدبي يكتب ثم يقرأه الأطفال فيستسيغونه، ويجدونه مادة أدبية مشوقة ومحببة لهم حتى ولو لم يقصد مؤلف ذلك العمل توجيهه أصلاً للأطفال.

تشغل القصة المكان الأول في أدب الأطفال، على اعتبار أنها قريبة من الحكاية التي يحكيها لهم الأجداد والآباء بسبب قرب عهدهم بها بحكم العمر، فعن طريقها تمَّ نقل الكثير من تراث الشعوب من القديم إلى الحاضر، بالإضافة إلى أنها نوعاً ما وسيلة بديلة للخروج من الواقع بكل إزعاجاته وأزماته، تعود بالأطفال إلى استرجاع بطولات الأجداد كنوع من أنواع التعزيز النفسي والمعنوي، وإيجاد القدوة والمثل الأعلى في محاولة لربط الجيل بتاريخه وأعلامه ...

أديبنا المبدع كان له إيديولوجية ممنهجة في سوق القصة إلى عقول الأطفال سنتابعها معاً فقرة فقرة، آخذين مجموعة من مجموعاته القصصية، وقد اخترت مجموعته الأخيرة (البطة البيضاء)، أما القيم الوطنية فسأختارها من مجموعته (العصافير تقاتل)

نستعرض خصائص أدب الأطفال بشكل عام،في محاولة لفهم منهجية أديبنا وأسلوبه وتميزه وتفرّده في مجاله..ولا بد من الإشارة إلى أن أديبنا يعتبر من الرواد البارزين على المستوى العربي في نطاق مسرح الأطفال .

 

 خصائص أدب الأطفال:

 يأتي أدب الأطفال في مقدِّمة مجالات الاهتمام بشخصيَّة الطفل وإعدَاده، وهو من أهمِّ الأجناس الأدبيَّة التي تهتم بعقل الطفل وتجعله مؤهَّلا لتحمُّل مسؤوليَّة بناء الوطن بوعي واقتدار، يتميز أدب الطفل عن أدب الكبار بخصائص تتناسب وعقل الطفل بعيدًا عن الحشو والتلقين، إنه جنس يُساهم في تنميَّة المهارات اللغويَّة عن طريق استخدام لغة سهلة بسيطة ليس فيها إطنابٌّ ولا تقعر، تعابير واضحة لاتحمل أكثر من معنى، فرموز أدب الطفل لا ينبغي أن ترهق القدرة العقلية للطفل وتكلفه جهدًا يفوق إمكاناته المتواضعة، نراعي خصائص النمو الجسمي وقدرات العقل على التفكير والتحليل مع وجود المقوِّمات النفسيَّة الجذابة كالحوار البسيط والحدث والحبكة السَّهلة في القصة، وأن يشمل على خصائص فكريَّة تتعلق بالخيال وأن يبتعد عن التجريد وينشد المحسوس ويتناول الصوَّر ذات الصلة بالحياة.

يمتاز أدب الأطفال بالخصائص التالية:

1- يشكل فعالية الأطفال إبداعية قائمة بذاتها.

2- يتطلب موهبة حقيقية، شأن أي إبداع أصيل، فهو جنس جديد في الساحة العربية، إن صح التعبير.

3- يتبع من صلب العمل التربوي، الذي يهدف إلى تنمية معارف الأطفال، وتقوية محاكماتهم العقلية، وإغناء حسهم الجمالي والوجداني.

4- يعتمد على اللغة الخاصة بالأطفال، سواء أكانت كلاماً أم كتابة أم صورة أم موسيقا أم تمثيلاً.

5- يشمل جميع الجوانب المتعلقة بالأطفال، من الأشياء الملموسة والمحسوسة، إلى القيم والمفاهيم المجردة.

وتشير هذه الخصائص إلى الأهمية البارزة لأدب الأطفال، التي جعلت منه موضوعاً شغل العديد من الكتّاب والأدباء في العالم، وقد أخذ على عاتقه مسايرة الركب الحضاري والتطور الأدبي بأشكاله وألوانه المختلفة، فقد آمن عدد كبير من الكتَّاب والأدباء والمفكرين بأدب الأطفال، وضرورة التركيز عليه، وإظهاره بشكله ومميزاته، حتى يقف إلى جانب أدب الكبار، وحتى يسهم في خدمة الجيل الصاعد، الذين هم أطفال اليوم ورجال الغد المرتقب، فهم بناة المستقبل المأمول ورجاله.

ولأديبنا بصمة واضحة في هذا المجال، فنراه يتوجَّه إلى الأطفال بكليّته، يخاطب فيهم الروح والخيال والعقل، يتمتع بقدر كبير من الإصرار على إيصال الفكرة بأطر مترادفة، قصة، شعر، مسرح، وحتى دراسات اجتماعية .

جدّيته في هذا المجال تلفت النظر كثيرًا، فهو مثال حي للمثقف الجاد الذي يبقى مشغولاً بكل قضايا المجتمع، ومصير الأمة، يبدأ من النواة الصغيرة في دائرة مجتمعية تتسع مداراتها حتى تشمل البشرية جمعاء ..

يؤكد ذلك لقاء قال فيه: " بدأت أديباً وانتهيت مؤرخًا، وأتمنى أن أكون أديباً مؤرخاً أوظف قدراتي الأدبية في فهم صورة الأحداث التاريخية وتقديمها بشكل أكثر رونقًا وبهاء ".

 

أنواع أدب الطفل:

وهيَّ القصَّة والشِّعر، والمسرح المدرسيُّ ومسرح الطفل، ومسرح العرائس، ووسائل الإعلام ومختلف الوسائط، التلفاز والإذاعة والمجلة والسرد المباشر.

وحدّث ولا حرج عن اقتحام الأديب جاسم محمد صالح لكل هذه الساحات وتسجيله انتصارات كبيرة فيها.

 

معايير أدب الطفل:

 لكل كاتب أهداف يرسمها ووسائل يستعملها لبلوغ الغايات التي يرومها، فنحن نكتب من أجل بناء جِيل قارئ يتذوَّق ما يقرأ، ويوظف ما يكتسب، وأدب الطفل يساهم في تحرير الطفل من العنف والقمع والوصاية ويساعده في تفتق مالديه من كوامن ويعمل على تمهير مواهبه، يرسخ في ذهنه القيَّم الإنسانيَّة وينمِّي فيه الوعي بالخصوصيَّات الثقافيّة والتراث ويُحَبب إليه البيْئة، فيكتشف ذاته ومحيطه ويقبل الحق في الاختلاف ويرضى برأي الآخر، ويُسهم في إذكاء روح البحث وحب الاطلاع ويتحقق ذلك عن طريق.

1- التشويق:

أن يكون كتاب الطفل جذاباً شكلاً ومضموناً، يشد إليه الطفل ويغريه بالإقبال عليه، والقارئ الجيد هو المستمع الجيد لما هو جيد.

 2- الشخصيَّة:

 أن يُساهم في بناء شخصيّة الطفل فأدب الأطفال يأتي في مقدِّمة مجالات الاهتمام بشخصيّة الطفل وإعداده.

3 التدرج:

 لابد أن يكون الكتاب مناسباً يتدرج بالمعلومات حسب الفئات العمريّة.

 4- التبسيط:

 وهو فن تسهيل القراءة وتبسيط مهاراتها باعتبار أن القراءة هي (المعرفة المفهومة)والطفل يسعد بقراءة مايفهم، وينفر من النصوص الجامدة.

5- التنويع:

الطفل يكره الرتابة ويملُّ التكرار، وله ذوق قرائي واختيار.

6- التخطيط والترتيب:

 نضع أهدافاً مرتبة نرومها ونرسم سُبلاً للوصول إليها .

 7- التلوين:

 الطفل يُحب التلوين وله ذوق وولع بالصور ذات الألوان الزاهية

 

وقد اطلعت شخصياً على مطبوعات الأديب جاسم محمد صالح من قصص قصيرة ومسرحيات ورقية مطبوعة، وأعجبت كثيراً بتصميمها وترتيبها، ألوانها، تصنيفها بتدرج عمر الطفل، تنوّع موضوعاتها، وبساطة التراكيب والألفاظ، جنّد شخصيات محببة للأطفال ليجري أحداث القصة على ألسنتهم، من حيوانات وعناصر الطبيعة .

في قصته (الأرض التي توقفت عن الدوران) نرى أن الكاتب أوصل معلومة كروية الأرض ودورانها حول الشمس وحول نفسها ودوران القمر حول الأرض، وتعاقب الليل والنهار عن طريق حوارية جميلة بين الشمس والقمر والأرض والناس لتنتهي بجملة نطقها البشر:

"أيتها الأرض تحركي حتى يتولّد الليل والنهار وتتعاقب الفصول الأربعة ."

في (قطرة المطر) تتحاور بركة الماء مع السماء والغيمة، لتصل للقارئ كيف تمطر الغيوم وتلتقي السماء بالأرض عبر المطر

في (قفزة الضفدعة)

فكرة النسبية تصل بسلاسة إلى عقل الطفل عبر حوار وتجربة الأبطال ضفدعة وغزالة وحلزون.

 

اللغة والأسلوب في أدب الأطفال

يمكن القول أن غالبية الأدباء والباحثين الذين تطرقوا لقضية اللغة والأسلوب في أدب الأطفال، يجمعون على ضرورة مراعاة لغة الطفل وقاموسه حسب مراحل العمر والنمو، مع محاولة الارتقاء التدريجي لهذه اللغة، وهذا بدوره ينعكس في الأمور التالية:

"على صعيد الألفاظ والتراكيب اللغوية – الدعوة لاستخدام الألفاظ والتراكيب السهلة، وتجنب الغريبة غير المألوفة منها، والإقلال من المفردات والتراكيب المجازية إلا ما جاء منها عفو الخاطر، واللجوء إلى التكرار في الألفاظ والتعابير.

وعلى صعيد الجملة، تركيبها ونحوها – استخدام الجمل القصيرة أو المتوسطة الطول، وتجنب الجمل الطويلة المعقدة. استخدام الجمل والألفاظ الدالة على المعاني الحسية وتجنب المجرد المعنوي.

وعلى صعيد الأساليب – تحري الوضوح والجمال والدقة وتجنب الإسراف في الزركشة والزخرف والثراء اللغوي المتكلف، وتجنب أسلوب التلميح والمجازات الغامضة الصعبة، والاقتراب من خصائص "لغة الكلام" والاستفادة من أسلوب الراوي في الحكاية الشعبية الشفهية"

والأسلوب في تعريفه: هو شكل ومضمون، ودراسة الأسلوب مستحيلة دون الفهم لقطبي الأسلوب (الشكل والمضمون) كوحدة

وأول المبادئ لدراسة أدبية للغة لأي عمل أدبي فني، هو الإدراك الحقيقي والعميق لمتلازمة اللغة والفكرة ..

واستشفاف فلسفة الكاتب وأيديولوجيته اتجاه الإنسان والمجتمع في ألفاظه وكلامه، أي في هيكلية البناء الفني للنص .

وينبغي أن تبدأ دراسة نصوص الكاتب ابتداء من تفرَّد الكاتب بأسلوب يطبعه بذاته، باعتبار أسلوبه انعكاساً لتفاعل يحدث بينه وبين المجالات الفكرية،

بالنسبة لأسلوب الأديب المبدع جاسم محمد صالح يمكن إجماله بأنه لا يخرج عن إطار الموضوعية على الرغم من تنوع المواضيع،، المبدئية واضحة جداً يبتعد عن الإسفاف، قد يتنوّع بالطرق التي يسوق بها أفكاره وفلسفته الذاتية، لكنه لم يقع في فخ المزاجية، هدفه وغايته إنسانية بحتة، يسعى فيها إلى بناء الأسس والدعائم الجمالية والأخلاقية،لتكون رواسخ في عقول الأطفال، بناء الوعي الإنساني كأساس لبناء المجتمع السليم المسلّح بالثقافة والمدعّم بالتربية الأخلاقية والوطنية .

والحقيقة التي لا غبار عليها أن نصوص الأستاذ جاسم تتجلى فيها أهداف يمكن إجمالها بالآتي:

- التأسيس لمجتمع مستقبلي مسلّح بالثقافة

- ترسيخ التراث العربي الإسلامي

- الثقافة وسيلة لإطلاق طاقات النمو عند الأطفال

- ترسيخ وتحصين الثقافة العربية ضد أي غزو ثقافي غربي.

ابتعد الكاتب عن بلوغ أهدافه بطريقة مباشرة، حيث القصة عنده تكاد تخلو من من المباشرة، فالنصائح والإرشادات والمعلومات تأتي من خلال الأحداث والمواقف والشخصيات بدس خفي للمعاني الوطنية والقيم الأخلاقية، بطريقة ذكية لبقة .

 

القيم التربوية والمفاهيم الوطنية:

يشارك في عملية تنشئة الطفل عدة أطراف أو وسطاء:

الجيران، جماعة الأقران، المدرسة، أماكن العبادة ووسائل الإعلام المسموعة والمرئية والمقروءة.

ويحتل الأدب مكانة بارزة في عملية تنشئة الأطفال، فهو يستطيع: " أن يلبي احتياجاتهم النفسية، ويسهم في إشباع اهتماماتهم العقلية، ويربي أذواقهم، ويصقل مشاعرهم وإحساساتهم، ويمكنهم من التصدي للحياة ومتغيراتها بإيجابية ووعي".

وهناك من يغالي في أهمية أدب الأطفال ودوره في تكوين شخصية الطفل وبلورة اتجاهاته السوية، ويستشهد بعبارة الشاعر البلغاري (ران بوسيليك)الذي قال في هذا الصدد: " الأدب للأطفال كحليب الأم والهواء النقي اللذين لا بد من توافرهما ".

وعن أهمية كتّاب الأطفال، قال الكاتب الفرنسي فرنسيس فيدال : " إن كتّاب الأطفال يمكن أن يغيّروا ذوق العالم – بل العالم نفسه". ويتضاعف تأثير الأدب في الأطفال بسبب حساسيتهم وقابليتهم الشديدة، ولأن الأدب الجيد يعتمد على الأسلوب غير المباشر وعلى الإيحاء. فعن طريق النموذج والقدوة والتقليد، وعن طريق التوحد والتماهي، يُذوق الأطفال القيم ويمتصونها، بحيث تسهم في تكوين شخصياتهم واتجاهاتهم في المستقبل.

 

تصنيف القيم في أدب الأطفال:

تتنوع وتتعدد المضامين والقيم في أدب الأطفال، وهي لا تقتصر على النص/ الكلمات، بل يمكن أن تظهر كذلك في الرسومات والصور والألوان.

ونستطيع أن نصنف القيم في خمس مجموعات:

- مجموعة القيم الذاتية

- مجموعة القيم الاجتماعية

- مجموعة القيم الوطنية / القومية

- مجموعة القيم الإنسانية

- مجموعة القيم المعرفية / النظرية

ويلاحظ أن هذه القيم تندرج من الخاص إلى العام، أو من الدائرة الذاتية الشخصية، إلى الدائرة الإنسانية العامة.

ومن الجدير بالذكر أن القيم قد تكون متقاربة ومتداخلة، فيصعب تمييز القيم الاجتماعية من الإنسانية.

يؤكد الكاتب جاسم محمد صالح أن العلاقة بين الإنسان والوطن هي علاقة مصيرية وليست عابرة، فالوطن هو بمثابة رحم الأم الدافئ الذي يشعر فيه الإنسان بالطمأنينة،

في قصة (أماه ... أين وطني) تدرج الكاتب في إيصال فكرة الوطن، جعل سامح يبحث عنه، يسأل الحمامة والفراشة والسمكة عن بيوتهم، ليجد السؤال يتناوله: أين بيته هو ؟ يسأل أمه: أين بيتي ؟ لتضمه الأم إلى صدره وتخبره أن بيته هو وطنه ..

وهو محتل .. احتله اليهود

وطنه فلسطين ..

  يا ولدي (سامح) بيتك هو وطنك .. هناك في فلسطين، وطنك الذي سرقه اليهود منك بعد أن قتلوا أباك وأخواتك الثلاثة ... ستتعلم يا ولدي وستكون رجلاً قوياً تحمل السلاح لأطرد من احتل وطنك .. ولتقتل من قتل أباك وأخوتك الثلاثة.."

 يجعل الشخصية الرئيسية قالباً لكل القيم الوطنية، والتي هي أساساً تأملاته وأحاسيسه الشخصية، بينما يوظّف باقي الشخصيات الثانوية روافد للشخصية الرئيسية، تدور في فلكها وتدعمها ...وقد تجلى ذلك في كل القصص التي جعل فيها (يعرب) بطلاً صنديداً.

يتحدّث عن المعتدي والمحتل الأمريكي ويصوّره بشكل حيوان ضاري بشع لا يتوانى عن ارتكاب أقبح الجرائم في حق الإنسانية والطفولة تحديداً

في قصته (الطفلة المجنونة)

يروي قصة الطفلة (أسيل) ذات التسع سنوات التي قتل الجنود الأمريكان أهلها جميعا في حي النزال في مدينة الفلوجة، تكدست جثث أهلها فوق جسدها الغض، وغادر الجنود الأمريكان وهم يضحكون بعد أن مارسوا هواياتهم في قتل العراقيين .. وانتهت الطفلة مجنونة تجوب شوارع البلدة .

وكذلك قصة (الكابوس)

وهي قصة واقعية أخرى واجهت فيها الطفلة حنان الجندي الأمريكي وصرخت بوجهه: أكرهك قتلت أبي وصديقاتي، دهسهم جندي مخمور بدبابته الثقيلة .

 

لا تخلو نصوصه من الأعمدة الرمزية والدلالات السيميائية

نتلمّسها في قصة (الأشجار) الطفل يعرب دلالة على العرب، الأفعى الرقطاء التي فتحت فمها وتحركت نحو يعرب تريد أن تلدغه بأسنانها، والكلاب والخنازير، وكفاح يعرب ووقوفه في وجهها، ودحره لكل الغرباء منهم الذين عاثوا فساداً في قريته الوادعة، سرقوا خيراتها ثم ولّوا هاربين ليصرخ يعرب: "الآن تحررت قريتي من احتلالكم أيها اللصوص .. لعنة الله عليكم أيها المحتلون .."

أسلوبه الشيّق يجعل الطفل يقرأ القصة وهي سليمة من الناحية الفنية، مبتعداً فيها عن الوعظ والإرشاد المباشر، علاقة سليمة بين العنوان والنص، فالعنوان هو المسند إليه أو هو الموضوع العام بلفظ أو أكثر ...

بث القيم الأخلاقية والوطنية والإنسانية والجمالية يتم من خلال أبطال القصة، حيث تتبلور بتماهٍ مع تسارع الأحداث التي تصل إلى العقدة إلى درجة يتوحّد فيها القارئ مع الشخصية الفاعلة في الرواية، يجعل القارئ من نفسه بطلاً كبطل القصة التي يقرؤها...

مما سبق نجد أن الأديب جاسم محمد صالح عمل على السمو بالقيم لدى الأطفال، ونجح بتمرير القيم الوطنية من خلال مرحل ثلاث:

أولاً: استشفاف القيم من خلال القراءة.

ثانياً: بناء القيم في نفس الطفل من خلال المحفزات والنماذج الأمثولة التي يطرحها النص .

ثالثاً: الالتحام وتمثّل السلوك القيمي من خلال التفاعل مع الشخصية الفاعلة (البطل)

 

البساطة في السرد عن طريق راوٍ مشهود له بالمعرفة التامة

بالمجمل طرح الكاتب في قصصه مجموعة من القيم تمثّلت بالقيم الإسلامية، المساعدة والعطاء، المحبة والتعاون، بر الوالدين،احترام العمل وإتقانه، حسن الخلق، معرفة حقوق الآخرين ...

وكذلك مجموعة من القيم الوطنية

ومجموعة من القيم العملية اليومية التي يمارسها الطفل في حياته الاعتيادية في محيط عائلته وجيرانه وأقربائه وأقرانه ...ولا أجد المجال سانحاً أمامي للاستشهاد بكل قصصه الثّرّة ...

وبذلك أغنى عالم الطفل بثروة معرفية وثقافية كبيرة .. هدفه السامي بناء جيل متخم بالقيم الإنسانية والوطنية .. يقبل الآخر ولو اختلف ... دون أي خطر من غزو ثقافي غريب ..

أتمنى أن أكون قد وُفّقت بالإحاطة المحدودة بأدب هذا الأديب الكبير ... واعتذر عن التقصير ...

تحياتي إلى الأديب العراقي جاسم محمد صالح ...إلى إبداعاته وعظيم إنجازاته

 

الناقدة السورية الدكتورة عبير خالد يحيي

.......................

المراجع

- موقع مركز النور

- المثقف في مدارات الحضور الإبداعي، تأليف الدكتور سعد مطر عبود

- أدب الطفل - خصائصه- مدونة تعلم .

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3604 المصادف: 2016-07-18 08:54:30