المثقف - قراءات نقدية

عبد الواحد مفتاح: نخب القصيدة لدى وفاء العمراني

abdulwahid miftahصدفة حارة تلك التي جمعتني بالشاعرة وفاء العمراني، بمقر جامعة المبدعين المغاربة ..رغم أني كنت أحد المُعدين للقاء والساهرين على الإستعداد له، إلا أني دائما أعتبر اللقاء بوفاء العمراني لحظة حارة، ما هي إلا صدفة نادرة تجود بها علي الحياة، وسط أرطال يومياتها المتشابهة، هذه الشاعرة التي كان للحرب وعواملها سبب عودتها بعد غياب عن الساحة الثقافية المغربية، مدة لا بأس بها، جراء مسؤولياتها بالسفارة المغربية بسوريا. لكن صوتها ظل وقادا ومتفردا كأحد الشواعر المغاربة القلائل الذين عرف صوتهم مشرقيا كما في المغرب، رفقة محمد بنيس عبد الله زريقة وأخرين قليلين.

لقائي الأول بوفاء كان بمقر بيت الشعر، ومن تم تعدد إلى ندوات وأمسيات، أذكر حينها كنت في الثاني باكلوريا أحضر الملتقيات الشعرية أكثر من حصص أستاذ الرياضيات، الذي كان لتواطئه مع شغفي بإتجاهات أخرى ..وساعاته الإضافية المكدسة أخر السنة .. التي تبدو رحيمة بمنظور الآن، أن تسعفني على ميزة لابأس به التي لم أكن بحاجة لغيرها، لأدخل الجامعة وأدرس خرافة حقيقية اسمها السوسيولوجيا، ..سنوات مَرت كان لتقلص مساحة العمل الثقافي داخل البلد، وقلة النقد المتخصص، والمنابر الإعلامية الفاعلة، أن  يؤسس لمرحلة غائمة داخل هذا الفضاء، الذي أخد يعرف إبدالات في النسق العام، متماهية مع المنطبع والسائد في تقليدانية حاضرة في أغلب ما يَحكم وضعيته.

التعرف لقصيدة وفاء العمراني في مرحلة مبكرة مهد لي الانتباه لصوت شعري كان لمنجزه دافئية لامعة أسهمت في تحقيق مآئزية له.

وفاء صوت خاص ومتفرد، لا على مستوى الأصوات النسائية بل على المستوى الشعري عموما (لا خلاف على الكفاءة المفهومية لهذا التعبير، في ضل عدم استحكام ذلك بشكل بَيِّن لشاعرات كثيرات).  كشاعرة إفتضَّت بياض قصيدتها، بوارفية حانية ضلالها ..الدافئية / الرؤية / الفحولة / الجمال / النبوة / الكشف / الفاتنية وغير قليل غيرها، مفاهيم بها أرفع الرؤيا لقصيدتها، التي يصير لها انسجام مع فاعل الشعر الذي لا يُقيدُه زمن، مُطعمَة بحمولات فكرية وروحية تتشابك وغنى تصوراتها، بإجرائية إغراءات الكتابة العاشقة .. تلك التي تقع وفاء بكُليتها في شركها الرؤوم

ليست الكلمة الشعرية عند هذه الشاعرة متأتية عن هجرة أو انفصال أسلوبي، وإنما انخراط فيه وتجاوز له في آن، لأن التغيير يعتبر هاجس في كتابتها، التي تَبَّنت ما يمكن أن نتواضع عليه عبر محدد الشطح البكر بالكشف أو خطاب الذات بالرؤية.

إن تشغيل هذه الشاعرة للشطح، في محاولة لإغناء السند الأيقوني لقصيدتها ..لا يمكن الجزم أنها استخدمت الخطاب الصوفي، وإن تبدت أنفاسه خلفية لبياضها، أو السريالية الفرنسية، مع اختلاف الشرائط المعرفية التي وَجَّهت التجربتين، إلا أن التمرد ونُشدان الحرية الذي يضل شاغلهما عن سيادة الظاهر، تجد له أنساقا ومذاقا في قصيدة هذه الشاعرة المُتَخصبة عن تحرير المعنى، وتجريد الرؤيا، فتحا لها على التعدد بإعتمال ينثر تماهيا مع الخطاب الصوفي برفضه، لأن بياضها ساد حوله وأصبح بديلا عنه.

قراءات بإمكانيات متعددة، تحتال بحيل للتأويل، يمكن الأخذ بها لتأريخ الأمكنة النظرية، التي تصدر عنها الإضاءة المضاعفة التي تكتسي خلفيتها سلطة على كامل عمود القصيدة لدى هذه الشاعرة، إلا أن ما يَستلذ لي أمام اتساع مفهوميتي للشعر مع كل قراء جديدة لأعمالها، هو اقتران كلمتها بدفء الرؤيا، بوصفها حلما وجنوحا للاختراق، ينهض بفاعلية البحت عما يستوعب فضائه، بعيدا عن الجاهز فليست اللغة في كتابة وفاء وصفا شعريا أو تعبيرا عنه، أو انعكاسا لحديت رومانسي وإنما هو تغيير لها بتغيير النظرة. لتتهدم اللغة في انبِناء عبر الكشف: ككيانية صداحة في شجرة الأنساق الشعرية، وهو ما يَمدني بتصور يتطور عن إعادة كشف مفهوم الذات ودرجات الواقع، عن برزخية قصيدة أتحدت. وهي تفك الإرتباط بالتقدم والتطور وتنفك عن الحداثة، بما هي زمنية أو تبشير(ب) في ارتطام الشاعرة بأسئلة الحب الحياة الموت.

فبحت الذات عبر الإختلاف، في مغامرة هذه الشاعرة، يستمد بضعه من اللانهائي، من هنا يَركب السفر السعيد قلقه، عبر الإنشقاق والنقصان، في خطابها الشاعر: هذا النادرة فاتِنيته بشكل لا نتوفر إزاءه  على جهاز نظري لقياس ارتجاجه الجمالي، غير تقصي ما هيأه لنا من سردية مضاءة.

يرجع الامتطاء السريالي الذي تعتليه نبرة هذه الشاعرة، قفزا على استغلاق الظاهر، إلى معان لا تتبدى داخل القصيدة لحداقَتها جراء الإصطدام باللغة ومحدوديتها، فمع تَبين أن المعرفة لا تتم بالعبارة كما يوضح لنا النفري (هذا الصوفي الذي يصير شيئا فشيئا صديقنا المشترك جميعا) لأن العبارة حرف، ولا حكم لعرف بل الحرف حجاب وهو حسب ما يذهب إليه يعجز أن يخبر عن نفسه فكيف يخبر عني ..وفاء من المنتبهين باكرا أن الكلمة محض حدود، ورمز لما سبق إدماجه كليا في العالم، وصورة وتقييد للانهائي ..لهذا تجد كلمتها الموسومة باللمعان داخل فضائها الشعري لا تنفد معرفتها فهي كثيرة تشير عن الذات وتعبرها، دون أن تقولها، تتماهى معها في كشف.. تتسامى وإياها فهي كلمة الاحتمالات والظلال الوارفة   

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3607 المصادف: 2016-07-21 03:19:51