المثقف - قراءات نقدية

جميل حمداوي: الكتابة الرقمية في مجموعة (ميريندا) لفاطمة بوزيان

jamil hamdaouiالمقدمة: ظهرت المجموعة القصصية القصيرة جدا للكاتبة المغربية فاطمة بوزيان بعنوان (ميريندا/ وجبة خفيفة)، وكانت طبعتها الأولى سنة 2008م، ضمن منشورات اتحاد كتاب المغرب، في أربع وستين صفحة من الحجم المتوسط، وتحوي في جعبتها أربع وستين وحدة قصصية، تختلف في الحيز الفضائي اختصارا وتطويلا، تنويعا وتجنيسا.

إذا، ما مضامين هذه المجموعة القصصية القصيرة جدا؟ وما الرؤى الذهنية التي تزخر بها فهما وتفسيرا ؟ وما خصائصها الفنية والجمالية؟ هذا ما سنوضحه في هذه الأسطر الموالية.

 

المبحث الأول: بين الهم الأنثوي والرؤية الرقمية

 تحضر الكتابة النسائية في مجموعة فاطمة بوزيان القصصية بالتركيز على قضايا الأسرة والذات، والاهتمام بالأنا المقنعة، واستكناه أعماق الشعور واللاشعور، وتجسيد خصوصيات الأنثى ومشاكلها الداخلية، وتحديد علاقتها الإيجابية والسلبية بالرجل السيد وغير السيد، ورصد واقعها الوجداني والذهني، وذكر تفاعلاتها الاجتماعية المختلفة، وتصوير الصراع الجدلي بين الرجل والمرأة أو بين الزوج والزوجة، والتلميح إلى العلاقات الغرامية بين العاشقين، ونقل الأجواء العاطفية بين الطرفين، سواء أكان ذلك في ضوء الرؤية الرومانسية، أم في ضوء الرؤية الواقعية، أم في ضوء الرؤية الرقمية.

وهكذا، نجد قصة (إغماضة عين) تصور حياة أسرة تعسة؛ بسبب اعوجاج الزوج المدمن على الخمر الذي كان يتقلب، هو وابنه التائب، بين المنزلتين الدنيا والآخرة بشكل هستيري هذياني. كما تصور الكاتبة في القصة نفسها سذاجة المرأة الأمية التي لاتؤمن بالطب الحديث، لكنها في المقابل تثق أيما ثقة بالأولياء الصالحين:

" عاد الرجل إلى الوفاء لطقسه الليلي ودخل البيت بلا توازن كأنه بندول ساعة أثرية، استقبلته الزوجة بوصلتها المعتادة:

- يارجل إلى متى ستظل على هذه الحالة؟ الحياة إغماضة عين، تغمض عينا وتفتح عينا تجد نفسك في الدار الأخرى..

انتبه الابن للعبارة، فكر في الدار الأخرى، خمن أنها أجمل من هذه الخربة التي تثير سخرية زملائه، جلس على الكرسي أغمض عينا وفتح أخرى...خرج إلى الزنقة أغمض عينا وفتح أخرى...ذهب إلى المدرسة أغمض عينا وفتح أخرى...طلب المعلم إحالته على طبيب العيون فأحالته الأم على أحد الأولياء وظل الولد يفتح عينا ويغمض عينا..."[1]

هذا، و تلتقط الكاتبة، في قصصها المنثورة داخل أضمومتها الإبداعية، هنا وهناك، إحساس الكائن الأنثوي بالدونية والنقص، حينما يقارن بمقابله الذكوري الذي يعد قوام الأسرة، وأسها الأمتن، ورمز الفحولة والرجولة:

" في مراهقتها كانت تستنكر معاملة أمها التفضيلية لشقيقها وكانت الأم تقول:

- هو ملح الدار بدونه لاطعم لنا.

حين تزوجت وأنجبت البنت الثالثة حاولت إقناع نفسها:

- الملح سم أبيض!

وأنجبت البنت الخامسة."[2]

وتستمر الكاتبة في نبش آهات الأنثى، واستقراء آناتها التراجيدية، واستمطار عبراتها، واستقطار أحزانها، بالتشديد على مواقف البين والفراق التي لا يمكن تحملها واستيعابها وجدانيا وذهنيا. ومن ثم، فالأنثى أو المرأة لا تستطيع أن تتصور نفسها بعيدة عن عشيقها أو زوجها الذي يخونها مع قلب مفتوح آخر، كما في قصة (برد) :

" شعرت بقشعريرة تختنق لعبورها المسام

النوافذ مغلقة، الأبواب كذلك والضياء الطافح على الزجاج يوحي أن الشمس هناك في الأفق مشرعة كما يليق بالربيع.

الجسد محنط تقريبا بملابس ثقيلة، ومذيعة النشرة الجوية تعلن أنها سحب خفيفة وعابرة...

أحاطت نفسها بشال صوفي، ظلت القشعريرة ذاتها تسكن المسام!

أطلت على أعماقها، أبواب مفتوحة والرجل الذي خرج منها

يدق أبواب قلب آخر."[3]

وترصد الكاتبة، بريشتها الانتقادية وجرأتها الثائرة، عالم المرأة العاملة المتناقض، فتصور لنا مشاكلها وآلامها الوجدانية، وتستجلي أفراحها المقنعة الصامتة، وتستكنه أحابيلها الشائكة للإيقاع برؤسائها ومسؤوليها بإثارة الفتنة، والاستهداء بالمكر، والتسلح بالغواية الشبقية، وإظهار محاسن الجسد، و التركيز على جمال القوام الأخاذ:

" حين أطل مذيع النشرة ضغطت على كاتم الصوت

في الهاتف قالت:

- حقا... وماذا فعلت زوجة المدير؟... يا لطيف...!لعينة!!

غدا تصبح رئيسة القسم...الزوجة الثانية!لا أكاد أصدق!! معقول؟

لا والله لم أكن أعرف، يبدو أن الواحد من كثرة الانشغالات لم يعد يعرف ما يحدث في العالم!"[4]

واستطاعت المبدعة فاطمة بوزيان أن تستثمر، بذكاء حاد، حادثة تسونامي لتصوير العلاقات الوجدانية الحارة والدافئة بين العاشقين، وما ينتابهما من أحاسيس نابضة بالحب، تغرقهما في أبحر السكر والهذيان والانتشاء، على غرار القصاص المغربي المتميز مصطفى لغتيري الذي فلسف ذهنيا هذه الحادثة الزلزالية في مجموعته القصصية (تسونامي) :

" هناك في ذيل القارة السوداء، جاء الغرباء فجأة، وطفقوا- بلا هوادة- يدهنون الذيل بطلاء أبيض، فاقع لونه...

من مكانها على مقربة من رأس الرجاء الصالح، رأت موجة سوداء ماحدث، فثارت غاضبة... انطلقت من عقالها... اكتسحت الذيل، فجرفت ذلك الطلاء الأبيض".[5]

 أما الكاتبة فاطمة بوزيان، فقد حولت حادثة تسونامي إلى حكاية رومانسية ممتعة وموحية بدلالاتها المتشعبة:

"ذات ليلة قال رجل لامرأة:

هل تعرفين ماهو البحر؟

لا، ليس ذلك الذي تعوم فيه الأسماك ويستبد بإيقاعه الموج

لا، ليس ذلك الذي يتمختر في البطائق البريدية

لا، ليس ذلك الذي يطفو على الشاشة في برامج الصيف

لا، ليس ذلك الطويل الذي يكتب عليه الشعر

لا، ليس إلا أنت فدعي موجك يأتيني ويغرقني فيك!

في تلك الليلة، هاج بحر أغرق جزرا ومدنا

وأعلنت الأخبار أن امرأة تدعى نامي فعلت ذلك

في الغد تظاهرت النساء وطالبن بتحميل تسو المسؤولية أيضا

تثاءبت الجدة ثم سألت الطفلة كما تفعل دائما في خاتمة كل حكاية

- هل فهمت؟

فقالت الطفلة بعيون ناعسة

- نعم، وحين أكبر لن أكون امرأة، ولا رجلا، سأكون جدة".[6]

وتحاول الكاتبة أن تستضمر سيكولوجيا واجتماعيا ووجدانيا وقيميا مجموعة من العلاقات الإنسانية التي تتحكم في طرفي الأسرة النووية :الزوج والزوجة، برصد طبيعتهما النفسية والعضوية، واستقراء شعورهما ولاشعورهما على مستوى البوح والتصريح والتسامي والتعويض والكبت، وتصوير انفعالاتهما الوجدانية، وإبراز مظاهر الألفة والتصادم بينهما، وتبئير ظاهرتي الفراق والطلاق.

ومن هنا، فقصة (وصفة)، وقصة (أحد)، وقصة (سبت)، وقصة (زوجان)، وقصة (حساب)، وقصة (تسلل)، تعالج كلها المشاكل الاجتماعية والأسرية التي محورها الذات الأنثوية في صراعها الجدلي مع الكائن الذكوري وفاقا وخلافا.

وتنساق الكاتبة كثيرا مع لاشعورها السيكولوجي المنساب تخييلا واسترجاعا وتذويتا، بتفتيق لغة الإيروس، وتخطيب اللغة الشبقية، واستقطار العواطف، واستبطان المشاعر الغرامية التي تعبر عن مكبوتات الأنثى، فتستجلي خصوصياتها الشخصية:

" قالت له:

- وردة المحب، قلبه!

استأذنته أن تسألها.... بتلك اللعبة الصبيانية راحت تقشرها

- يحبني لا يحبني، يحبني لا يحبني، يحبني!

تأمل الساق العاري فكر في ساقيها، وشكر في سره الوردة الشهيدة على التواطؤ."[7]

هذا، وتبالغ الكاتبة في تصوير مجموعة من العلاقات الماجنة التي تعكس مشاعر الشهوة المحترقة، بتجسيد الاشتعال الجسدي، وإبراز الرغبة في الحياة والمتعة، وتبيان مدى الانتشاء بالأنثى الوالهة، واستلذاذ مفاتنها ومحاسنها الغاوية، كما في قصة (مغزى)، وقصة (هزة)، وقصة (طموح)، وقصة (كليب)، وقصة (ثور)، وقصة (دوائر)، وقصة (بيتزا) ...

كما تجسد لنا الكاتبة، في لقطاتها القصصية القصيرة جدا، واقع الطفولة المشردة والمنحرفة والتائهة بين أزقة المدينة الغارقة في السواد، والطفولة الضالة في شوارعها الشعبية السابحة في الظلمة والفقر والفاقة:

" عندما كان ينتهي من بيع السجائر، سيجارة بعد سيجارة...

كان يعد نقوده قطعة بعد قطعة...

يغادر المقهى الجنوبي

يجلس في المقهى الشمالي...

ينادي على طفل في مثل عصره...

يشتري منه سيجارة وينفث دخانها في وجهه."[8]

ومن ثم، تندد الكاتبة بعالم الكبار الذي لايعرف سوى الحروب والدمار والعنف والرعب والموت . وفي الوقت نفسه، تدافع، بكل حب أنثوي وأمومي، عن عالم الطفولة الجميل. وتنافح أيضا عن عالم البراءة واللعب الذي يمتاز بالفطرة والعفوية وصدق النوايا. فتعتبره على غرار فرويد أفضل بكثير من عالم الكبار المستهجن بنوازعه الشريرة، وأحقاده الدفينة التي لاتنتهي:

" كان يوسف يحب الطائرات...

سمع الكبار يتحدثون عن طائرات دمرت أبراجا عالية فمزقها

وأحب يوسف صناعة الزوارق...

سمعهم يتحدثون عن زوارق الموت فأغرقها في الماء

راح يلعب في سيارات صغيرة...رأى في التلفزة سيارات تنفجر ودماء ودموعا فهجر اللعب، وقال إخوته:

- كبر يوسف!"[9]

وتثور الكاتبة، في آخر مجموعتها القصصية، على العولمة التي غيرت مجموعة من القيم الاجتماعية والأخلاقية في مجتمعنا العربي، فألقت شبابنا بين أحضان التغريب والانبهار والاستلاب، والتقليد الأعمى للغرب، وجعلتهم يهتمون بالقشور السطحية، والموضات التافهة، والتقليعات الشكلية، بدون تفكير أو روية:

 

" كلما هم بالكتابة تكسر الطباشير أو اصدر صريرا يقشعر له ما تبقى في رأسه من شعر...اغتاظ والتفت إلى يمينه قائلا:

- اتفو، في زمن العولمة يسلموننا أرخص طبشور!

أتم كتابة الدرس بصعوبة... التفت إلى تلاميذه وجد الذكور يلعبون بأقراط آذانهم والإناث مشغولات بأقراط سراتهن..التفت إلى يساره وبصق على العولمة."[10]

وقد عبرت الكاتبة عن هذه العولمة المغولمة بكل رمزية وإيحائية مجازية وإحالية في قصتها (نيو لوك/New look) التي تعبر بكل وضوح عن الامتساخ الإنساني أخلاقيا، وانبطاح الكائن البشري أمام مغريات الغرب افتتانا وسذاجة واستلابا.

وتنتقل الكاتبة في مجموعتها القصصية المصقولة جيدا إلى توظيف الخطاب الميتاسردي لفضح أسرار اللعبة السردية، وكشف تقنيات كتابة القصة القصيرة جدا، واستكناه قواعدها الفنية وخصائصها الجمالية، والتشديد على خفة روحها، ورشاقتها الحكائية، ورقة تعابيرها، كما في قصة (قصص صغيرة جدا):

" قرأت عليهما كل ذلك

قال:

- إنها تشبه بوكاديوس

قالت:

- تشبه النسكافيه

قال:

- تشبه الكليبات

قالت:

- تشبه

قلت:

- نسميها ميريندا ونرتاح"[11]

بيد أن ماتمتاز به المبدعة فاطمة بوزيان في مجال السرد القصصي والحكائي، وتنفرد به على باقي كتاب القصة القصيرة جدا، هو اهتمامها بالعالم الرقمي والكتابة العنكبوتية، والانسياق وراء العالم الحاسوبي، كما نجد ذلك واضحا في قصة (كليك)، وقصة (عنكبوت)، وقصة (شات)، وقصة (وصلة)، وقصة (ماسنجر) التي تعبر عن الحب الرقمي، والعشق الإعلامي، والخيانة الحاسوبية، وقصة (التباسات) التي تصور رقمية الإنسان، وتحوله الامتساخي إلى كمبيوتر آلي.

ونورد لكم - أيها القراء الأعزاء- قصة (ماسنجر) التي تعبر عن الحب الرقمي، والعلاقات الغرامية العنكبوتية التي شيأت الكائن الإنساني، وسيجته في علب " شاتية " حاسوبية ضيقة:

" مثل أية امرأة عاشقة يطرز نبضها موعده مع رجل، فرحة وقلقة، راغبة في أن تعلن للعالم السر الدافئ وفي أن يظل سرها إلى الأبد. سيكون مساء دافئا وسيكون في بيتها رجل مثل أية امرأة متزوجة، ثمة فروق...لتكن لن تلتفت إليها نصف التفاتة لا، ربع التفاتة لا، ثم إن زميلاتها المتزوجات يشتكين دائما من ضجر السقف الواحد، ثم النتيجة واحدة في النهاية، رجل في الذي يليق، وفي تسريحة الشعر وفي الألوان المناسبة لمكياج المساء، وشريط الموسيقى الذي ستقترحه، وحمدت الله أن العطر لا يرى وهذا يعفيها من حيرة الاختيار.

راجعت ساعة يدها كثيرا، عليها أن تكون في الموعد عندما تسمع تلك الرنة التي أدمتنها تعلن قدومه، ستفتح له الباب

زف الموعد... جلست أمام الشاشة... فتحت الماسنجر، وجدت أمام اسمه عبارة En ligne ابتهجت وعدلت رتوشا في مظهرها وانتظرت أن يأخذ المبادرة... ربما ثمة خطأ تقنين بادرت هي، لم يستجب.... تخيلته يكلم امرأة أخرى ويرسل لها عبر الكاميرا قبله ويبثها أشواقها وو....

اشتعلت غيرة رنت عليه مرة أخرى، وضع لها عبارة occupé بغضب ضغطت على الفأرة ومسحته... في الصباح شعرت بلذة غريبة وهي تشارك المتزوجات أحاديث الخيانة".[12]

يتبين لنا، من هذا كله، أن المجموعة القصصية (ميريندا/ الوجبة الخفيفة) لفاطمة بوزيان تحمل رؤية ذاتية متمحورة حول الأنثى في آلامها وآمالها، مع التركيز على جسدها الإيروسي وفتنته الشبقية، ورصد علاقتها التواصلية مع الآخر الذكوري تعايشا وتنافرا. كما تحمل أضمومتها ولقطاتها القصصية رؤية رقمية في تصوير العلاقات الجدلية بين الأنوثة والذكورة.

 

المبحث الثاني: بين أسلوب الامتساخ وتنوع النفس القصصي

تختار فاطمة بوزيان، في عملها الإبداعي الجديد في مجال القصة القصيرة جدا، حيزا فضائيا محدودا من الكلمات والأسطر قد لا يتعدى نصف الصفحة. وهذا ما يقرب هذا النوع السردي من القصة القصيرة جدا. بيد أن الكاتبة تنزاح، في بعض الأحيان، عن الحجم القصير لتسترسل في كتابتها سردا وتمطيطا حتى تتحول لقطاتها القصصية القصيرة جدا إلى أقصوصات وقصص قصيرة بسبب الطول المفرط، كما نلاحظ ذلك جليا في قصة (ماسنجر) من جهة، وقصة (كليب) التي تستغرق صفحتين كاملتين من الكتابة من جهة أخرى.

ونلاحظ أيضا، في قصصها القصيرة جدا، ظاهرة الانسياب السردي، وملمح التحرر من علامات الترقيم التي تتحول بدورها إلى علامات معطلة وسالبة في كثير من الأحيان، أو تتحول إلى علامات الحذف والإضمار، كما في قصة (ماسنجر) مثلا. وربما يعود السبب في تعطيل علامات الترقيم، في كثير من قصص المجموعة، إلى رغبة الكاتبة في التحرر من شرنقة الإملاء، والتخلص من الفواصل المفرملة للأفكار والعواطف، والانسياق أيضا وراء اللاشعور الوجداني الذاتي، مع ترك التخيلات السردية تنساب بدون تقييد، ودون وضع للحواجز التي تكبح اللغة، وتمنع تسلسل المعاني.

وتنبني قصص الكاتبة على التحبيك السردي من خلال تراكب الجمل الفعلية، وتعاقبها عبر الروابط الزمنية والمكانية وضمائر الإحالة وأدوات العطف.

هذا، وترتكز المجموعة كذلك على الخطاطة السردية، ونسق التحولات والحالات، واختيار الشخصيات الدرامية، سواء الموسومة بالأسماء العلمية، مثل: يوسف، أم المغيبة على مستوى التسمية والتشخيص والتواصل.

كما شغلت الكاتبة أفضية واقعية (الزنقة، المدرسة...)، وأفضية رومانسية (البيت، المقهى، البحر، غرفة النوم، المطعم...)، وأفضية رقمية (الحاسوب، الكومبيوتر، الشاشة...) . واهتمت أيضا بالمكون الوصفي بتشغيل مجموعة من الأوصاف والنعوت والأحوال والتشابيه والاستعارات والتعابير المجازية والكنائية، لكن بطريقة مكثفة و موجزة ومقتضبة.

واعتمدت الكاتبة كذلك في تخطيب قصصها على الرؤية من الخلف، والمنظور السردي الموضوعي المطلق، وضمير الغياب، مع استعمال بنية زمنية كرونولوجية، وتشغيل متواليات سردية تعاقبية، والعمل على تسريع القصة بواسطة إيقاع الحذف والإضمار والاختزال.

وعلى مستوى الأسلبة، فقد انتقلت المبدعة من الخطاب السردي في معظم قصص المجموعة إلى الخطاب الحواري المعروض، كما في قصة (قصص قصيرة جدا)، ثم إلى الخطاب الذاتي، كما في قصتها (ملح) :

 " في مراهقتها كانت تستنكر معاملة أمها التفضيلية لشقيقها وكانت الأم تقول:

- هو ملح الدار بدونه لاطعم لنا.

حين تزوجت وأنجبت البنت الثالثة حاولت إقناع نفسها:

- الملح سم أبيض!

وأنجبت البنت الخامسة."[13]

أضف إلى ذلك يتسم أسلوبها التعبيري بكونه أسلوبا سهلا ممتنعا؛ بسبب ألفاظها المختارة بدقة، واتسامها بجمالية الصقل والتهذيب، وروعة الاتساق والانسجام، وعصرنة حقولها الدلالية بالمعاجم التقنية الرقمية والإعلامية.

وتستند الكاتبة، في ترصيفها اللغوي، إلى التجنيس اللفظي والصوتي من أجل خلق لغة إيقاعية انزياحية، واستخدام عبارات موحية، كما في قصة (تواطؤ) التي تتداخل فيها الكلمات المتوازية، والعبارات المتماثلة،والصيغ الصرفية المتعادلة:

" قالت له:

- وردة المحب، قلبه!

استأذنته أن تسألها.... بتلك اللعبة الصبيانية راحت تقشرها

- يحبني لا يحبني، يحبني لا يحبني، يحبني!

تأمل الساق العاري فكر في ساقيها، وشكر في سره الوردة الشهيدة على التواطؤ."[14]

ولا ننسى أيضا أن فاطمة بوزيان كانت تتكئ، في كثير من قصصها القصيرة جدا، على تنويع الأساليب، وتلوينها خبرا وإنشاء، واستعمال أسلوب الامتساخ الفانطاستيكي، كما في القصص الرقمية التي تتحول فيها الآلة العنكبوتية إلى كائن إنساني . وفي المقابل، يتحول الإنسان إلى آلة رقمية مشيأة .

هذا، وتلتجئ الكاتبة، في بعض قصصها، إلى السخرية والمفارقة والتهجين والباروديا، كما يتجلى ذلك واضحا في قصة (عولمة) من باب التمثيل ليس إلا.

 

الخاتمة:

 وخلاصة القول: يتضح لنا، من خلال مجموعة (ميريندا)، أن فاطمة بوزيان تجمع بين القصة القصيرة جدا والأقصوصة. كما تجمع الكاتبة في أضمومتها بين الرؤية الأنثوية الذاتية بالتعبير المسترسل عن خصوصيات المرأة، وتصوير عالمها الداخلي، وتجسيد مكنوناتها الشعورية واللاشعورية، والاسترشاد بالرؤية الرقمية التي تكمن في التقاط التحولات البارزة، وتصوير امتساخ الكائن البشري أثناء تحوله إلى كائن رقمي وعنكبوتي، سواء أكان ذكرا أم أنثى .

 

........................

[1] فاطمة بوزيان: ميريندا، منشورات اتحاد كتاب المغرب، الطبعة الأولى سنة 2008م، ص:3.

[2]- فاطمة بوزيان: نفسه، ص:50.

[3] فاطمة بوزيان: نفسه، ص:5.

[4]- فاطمة بوزيان: نفسه، ص:11.

[5]- مصطفى لغتيري: تسونامي،دار القرويين، الدار البيضاء، الطبعة الأولى سنة 2008م، ص:25.

[6] فاطمة بوزيان: نفسه، ص:12-13.

[7]- فاطمة بوزيان : نفسه، ص:59.

[8] فاطمة بوزيان: نفسه، ص:10.

[9] فاطمة بوزيان: نفسه، ص:58.

[10] فاطمة بوزيان: نفسه، ص:60.

[11] فاطمة بوزيان: نفسه، ص:61.

[12] فاطمة بوزيان: نفسه، ص:56-57.

[13]- فاطمة بوزيان: نفسه، ص:50.

[14] فاطمة بوزيان : نفسه، ص:59.

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3620 المصادف: 2016-08-03 14:45:32