المثقف - قراءات نقدية

رحمن خضير عباس: سماوات السيسم وعطر الماضي

rahman khodairabasالشاعرة العراقية بلقيس خالد تتوج مشوارها الشعري بالوليد الثالث الموسوم (سماوات السيسم) بعد مجموعتيها الشعريتين (إمرأة من رمل)عام 2009 و(بقية شمعة) عام 2011، الصادرتين عن دار الينابيع  في دمشق .

تكرّسُ الشاعرةُ جُلّ قصائدها في هذه المجموعة لإستحضار الماضي وللخوض في مجالسه وحدائقه وحكاياته وبراءته . سنوات الطفولة، دفق الخطى الراكضة والتي تحاول اللحاق بالأحلام . الناس الذين ينتمون الى هذه الشريحة الزمنية وكأنهم أنصاف آلهة – بالمعنى الأسطوري – لأنهم يتخمون الحياة بإفعال البطولة، ويغرقونها  بخصال النبالة والفروسية وكل صفات القيم المتفق على سموّها .

وهنا تقفز جملة من الأسئلة . هل الماضي في فتوته، كان في قمة الهرم الأخلاقي؟، وهل كانت أفعال الناس مثالية سواءً في سلوكهم اليومي أو في طقوسهم الحياتية المختلفة ؟

وحينما نترصد لدراسة ذالك الزمن ، لايبدو أنه كان مثاليا، بل كان يحمل الكثير من الأوجاع والمثالب والمنغصات والآمال المعلقة على مشجب الوهم أو الإنتظار ! إذن مالذي يجعل الشاعرة  تستعر في لهيب الحنين اليه ؟ اليس تدهور الحاضر وإنحداره، وتراجعه حتى في المكتسبات  الضئيلة التي ألفناها وتعودنا عليها،الشحيح منها والكثير . لقد إنحسر هذا النزر اليسير وأصبح الحاضر مفعما بالأضداد والفجائع والإحباطات والهزائم، مما جعلنا نلجأ الى الماضي عبر الذاكرة، فنعتد به ونتسامى اليه باعتباره مثاليا قياسا الى فجور الحاضر .  ذلك الماضي الذي طارد ذاكرة الشاعرة وهي تتبادل الأدوار في الزمان والمكان . فمرة تصبح جدة تراقب ألعاب أحفادها الألكترونية وحكاياتهم . ومرة تكون هي الطفلة التي تلوذ بجذع جدتها ..إنه تناوب جميل إشتغلت عليه الشاعرة،  وكأنها تجعل من الشعر رؤية نحو الأبعاد الزمنية التي أحاطت أجيالا متعاقبة . لذا فقد نصبتْ للقاري فخا، تحذره من مغبة اللحظة الراهنة. فهي لاتعبر عن عواطف عابرة وإنما تجعل من النص همّا معرفيا وفلسفيا، يتناول إشكالات حياتية مختلفة .

يتحول الماضي (الى أنتيكا) من خلال صندوق السيسم المشبع برائحة الأشياء التي ذوت ذات غفلة . والأمتعة التي بقيت تلسع جلد اللحظة، نص يتأمل الطاريء من ركام الحياة في محاولة مستميتة للقبض على جمر اللحظة . حيث إلذكريات التي تتلصص  من حاضر شحيح في عطائه، كريم في أوجاعه . هذا الحاضر لايتورع أن يتهم الناس ومنهم شاعرتنا في جريمة التلبس بمعاقرة أحلام اليقظة . تلك الأحلام التي تنسجها مخيلتها الشعرية للهروب من هذا الحاضر الحجري المعجون بالألم .

هل نحن متعصبون للماضي، أم مجبرون على تجرعه رشفة رشفة ؟  ربما لأننا توقفنا عن النمو وأصبحنا ننتمي الى إطار لحظة تتموج بظل الطفولة البهي. لكنها طفولة مفجوعة بأحداث جسام لاتتلائم مع مقاسات مخيلتها الصغيرة.

الشاعرة تقذفنا في لهيب الحرب الطاحنة التي فجّرت  أحلام الطفولة في اللعب. أليس من حق الطفولة العراقية ان تمارس براءة ألعابها؟

" جدتي، هذه طائرة شبح، لاعصفورة!

جدتي إحترقت البصرة  . إنظري "

وتقذف بنا الشاعرة مابين عاصفة الصحراء ومابين ألعاب الفيديو التي تحترق من خلاله البيوت . هنا يتحد الإحتراق الحقيقي بإحتراق ألعاب الكومبيوتر الكاذبة  .

ألسنا نشارك الشاعرة في لعبة النوستلوجيا؟ تلك التي جعلتنا نعتكف عن اللحظة المعاشة بكل ماتحمل في طياتها ، والهروب الى الأمس، الطفولة، حكايات الجد والجدة،البيوت التي تلوذ ببعضها، ألفة الحياة المزخرفة بالعطاء، والدعاء والمحبة،ودفيء الإمنيات الصغيرة . إنها النستولوجيا بوصفها الحنين الى الماضي بمعطياته العاطفية والذهنية تلك التي جعلت الشاعرة بلقيس خالد تتسلل من تصحر اللحظة المعاشة حيث شظف الحاضر وثقله، الى الماضي بكل بهائه وبساطته وحتى لوعته .

" زمن بارقُ، يستعيدني

ينزهني في ورداته المتوهجة عطراً "

لقد توقفت عند الزمن من خلال صندوق السيسم الخشبي . الذي ينتمي الى الماضي ببعده العاطفي والتراثي . حتى أصبح توأما للصوت الشعري الأنثوي الذي كان يتمنى أن يختفي في فضاء هذا الصندوق الضيق في مساحته، والشاسع في أبعاده . الصندوق الذي عكس ملامح مدينة تصدعت في ملامح أسمائها وعمق تكويناتها التي إندثرت، كساعة (السورين) وسوق المغايز .

تلك المدينة التي كانت تتسع لأبنائها وتمنحهم بعض الفرح .

ثمة إفتتان بالماضي ، حيث الحنين وإشكالة الروح المتأرجحة بين حاضر حجري الملامح وبين ذكريات تختبيء بها من سطوة حاضر لايرحم .والذي يجعل القاريء يتعاطف مع نصوص الشاعرة لأنه يدرك ان الماضي الملوث بمثالبه ، هوألفردوس المفقود ، من خلال قيمه وسلوكياته ومفرداته وثقافته وحتى نكهته . لذلك فقد إنشغل النص الشعري بإعادة صياغة ذلك الماضي الذي تحول الى زمن ذهبي . حتى أن الإنسان فضّل أن يبقى طفلا الى الأبد .

لقد رسمت الشاعرة صورة بهية للأمومة متمثلة ببهاء الجدة/ الأم . التي تشبهها بالشجرة السامقة:

"شجرة ترفل بالهاشمي، بدانتيله الفاخر.

تتأنى في إرتداء فوطتها الجديدة، يتأرجح المسك والعنبر "

وحينما تصف حزن الأم وبكائها . فليس هناك ألم يماثله في الصدق واللوعة:

"مختلف بكاء أمي، حين تنزف حنجرتها

لحنا، يتحدى عينا لاتدمع "

وإذا كان الرجل يمر مرورا عابرا، وكأنه جزء ضئيل غير مؤثر الآ في إكمال صورة الأم /الجدة كما في قولها

" قداحة جدي وعلبة سجائره " أو " إبتسامة أبي، بسدارته العسكرية"

لذلك فالرجل يبقى على هامش الصورة الكبيرة التي تتصدرها المرأة. في طفولتها وفي شبابها وفي كهولتها .إنها اللأنسان الذي يحلم أو يصنع الحياة أو يتلمس أسرارها . المرأة التي حملت كل سموات السيسم وذكرياته وآلامه . المرأة الأسيرة خلف جدران البيت

"لايطيقني البيت، يريد إفتراسي "

ليس من سبيل لها لملامسة سطح الحياة سوى الحلم الذي يتحول كبديل للفعل . المرأة المكبلة سواء في سن الطفولة أو الشباب، ليس لديها سوى رسم عوالم إنعتاقها.

"على جدار حجرتها أرسم نافذة

فأحلمني هديلا . تبتسم ثانية

النافذة صرختك ضد الجدار "

حينما تكرس شاعرة ما مجموعتها الشعرية كاملة لثيمة واحدة، محورها الجدة ! فهل تعني جدتها بحد ذاتها ؟ أم أنها تعني أكثر من ذلك ؟

إنّ ثراء الأفكار التي تتسرب من بين النصوص توحي أنّ الشاعرة كانت على وعي كامل بالرسائل التي أرادت إيصالها . وهي أنّ المرأة  هي كيان يمتد عبر الأجيال، وإنها تمنح دون أن تأخذ شيئا، وإنها تضحي بحياتها في سبيل أنْ يعيش الآخرون . الجدة  التي تمثل حارسة من الجيل السابق للجيل الجديد لاتختزن عاطفة المحبة فحسب، وانما تمتلك الحكمة المستخلصة من الحياة . كما أنها قوية، تتحدى حتى عوامل المرض والإحباط والخيبة . فحينما عميت رفضت قبول ذلك  حينما صرخت

" حين غمر الماءُ عينيها، صاحت بنا

لست عمياء،. الكون إنطفأ "

كما أنّ الجدة تدرك سرّ العلاقة  مابين الناس والوطن، وتشبهها بقطرات الماء التي تتساقط على صفيح المدفأة الساخن . هذه القطرات /الناس التي تتطايرولكن سخونة المدفأة تجعل القطرات تلتصق :

" سألتها عن وطني

تنهدت، ثم بالماء، بللت كفها، نثرت قطرات

القطرات تقاوم والنار تركل القطرات

تقاوم تقاوم، وهنتْ فإلتصقت بالسطح .."

هل كانت تريد أنّ تقول : ليس ثمة هروب للبشر الحقيقيين من جحيم الوطن . وإن توهجه هو القادر على إستقطابهم؟  الدلالات الفكرية المتناثرة في المتن، تتسع لهذا الإحتمال .

وفي قصيدة أخرى في ذات السياق تجعل من عظام القتلى والمقابر الجماعية ضوءً للوطن . على اساس أن الضحايا الذين ماتوا رعبا وكمدا، قد إنتصروا في النهاية . لكن إنتصارهم كان ناقصا حيث . خذلهم من لاذوا بمصائرهم، من متصيدي الفرص، ومن حثالات المجتمع الذين تحولوا الى جلادين، وبقيت الشاعرة تبكي عظام الضحايا .

ولعل قصيدة (لاهديل بعد الغروب) تمثل صورة درامية للحالة العراقية المخضبة بالدم حينما تذهب الجدة مع حفيدتها الى مسجد الخطوة، حينما يحدث الإنفجار والعصف الذي يهشم جسد الطفلة، التي عبرت عن االوطن الذي مزقه العنف والإرهاب :

" من الشظايا المتطايرة لم ينج جسدها النحيل

حاولت ان تلتقط شيئا من أنفاسها الهاربة، أنْ تنوشها بقامتها كلها

أيتها الصغيرة الغافية بأحضاني حالمة بالعيد، إنهضي ..."

للمعتقدات الشعبية حضور جلي في كثير من قصائد المجموعة . فقد وظّفت الشاعرة بلقيس خالد الميثولوجيا في كثير من نصوصها . وهذا التوظيف قد لايساهم في إغناء النص، اللهم إلا إذا أرادت أن تجعل من هذه المعتقدات جسرا يوصلنا الى ماض نقي في سريرته وغرائزه ونواياه . إنه ماض لم  يلوثْه زَبَد المدنية التي سطت على كل شيء . ولكن المعتقدات التي يميل المزاج الشعبي الى تبنيها . لم تُدعمها معطيات العلوم الحديثة ولا المنطق العقلي  . ولكن نصوص الشاعرة لم تكن رافضة بل كانت متماهية  مع الكثير منها  :

" وهي تداعب وجهي

همست : لاترمي الماء على حصاة " وفي مكان آخر

قبل أنْ تبعثر الريح

أرشقيها بالماء خطواته" ثم في نص آخر

" لاتكوني لجمر العيون حطبا

بيدك أضربي الخشب " . لقد تناولت الكثير من المخاوف والمحرمات التي يزخر بها الأدب الشعبي، كالخوف من الكنس عند الغروب، والعطسة وآثارها على تغيير المسعى أو تأكيده . ثم الحرمل والمكحلة، وحك الأنف  . وركوب النعليين على بعضهما.

" إعتلى النعل توأمه

نظرت صوب أبي قائلة : ستسافر ..الآن هو في المنفى .."

أحيانا يكون موقف النص محايدا من المعتقدات والممارسات، وأحينا يبدو على النص وضع المعتقد كما هو، لكي تفنده حقائق الحياة الصادمة، كما حدث في إنفجار الخطوة حيث آمنت الجدة بأنّ ( في التأني السلامة) . لذلك لم تستعجل في سعيها نحو المسجد وتباطئت عمدا .  وكانت النتيجة أن المسجد في تلك الحظة الخطأ قد تعرض الى إنفجار أودى بحفيدتها  .

أحيانا يبدو على النص تصديق الموروث من المعتقد، لأنه يحمل نكهة الغريزة للبشر الفطريين  الصادقين والذين يعيشون حياة من الدعة والوئام والمحبة والتآلف، ونظرا لعدم توفر المعطيات العلمية، فإنّ البشر يعتمدون على موروث هائل من التصورات التي هي جزء من تركة هائلة لفلكلور الشعوب المتجاورة .

لعل قصيدة (إبتسامة جدتي)، وهي مسك ختام المجموعة ، قد باحت بجملة أفكار ناقشتها هذه القراءة للمجموعة الشعرية . فقد أوجزت الشاعرة عبر هذا النص رؤيتها عن الذاكرة التي تمثلها الجدة . تلك الذاكرة التي توقفت الشاعرة في إنحناءاتها ومنعطفاتها الزمنية والمكانية، وأكدت أنّ الذاكرة مخزون يهب الحياة سحرها وسر ديمومتها  . كما تناولت سحر الشعر على النسوة المتعبات . وتفاعلهن مع روح القصيدة .

وفي كل ذلك، فقد كانت المجموعة الشعرية  (سماوات السيسم) برمتها محاولة لبناء عش حياتي هاديء، تتجاور فيه الطفولة البريئة بجذورها . وتتلاقح فيها الأجيال المتعاقبة، وتلتحم بها العواطف الجمعية لمجتمع أصبح عرضة للشرذمة والتشتت . إنها قصائد تلوذ بالذاكرة من حجرية الحظة الزمنية الراهنة المعجونة بشتى انواع الألم .

الشاعرة بلقيس خالد تمتلك خامات فكرية ومعرفية، مشفوعة بلغة ساحرة وصافية وأنيقة قادرة على التعبير عن أعمق السمات الراقية التي يختزنها الإنسان .

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3635 المصادف: 2016-08-18 03:27:09