المثقف - قراءات نقدية

فارس الفايز: وفاء عبد الرزاق تحرر أحلام المعاقين فيصنعون زمنهم المستحيل

faris alfayzتتوشح كتابات وفاء عبد الرزاق بهجنة محببة، هي هجنة الاغتناء، والثراء، والاضافة، وليست هجنة التشويه، والتشويش، والفوضى، وضياع المشيتين، ومنبعها – الهجنة – التداخل بين: (الوطن / المنفى، الشعري / السردي، الفصيح / العامي، الموسيقي / النثري)، وهي عوامل بلا شك تمنحها إبداعيا كل مقومات الانفلات، والتحرر من النمطي، والمقولب والجاهز، والعادي، بشكل تلقائي طبيعي، كنتيجة للمكونات الذاتية التي تشرَّبت سقيا نمائها وتطورها، لذا يظهر منجزها عذبا، رقراقا، منسابا، لا تعكره عوائق التكلف أو عثرات الادعاء وشطط المواهب النيئة .

في روايتها (الزمن المستحيل) تعبر الكاتبة نحو ضفة معقدة، فتطأ أرضا بورا لتكشف عن بقاع أخطأتها العيون،وفاتتها رحلات الاستكشاف، ولعل هذا إحدى الدواعي التي جعلتها تسم فصول روايتها بالرحلات، (الرحلة الأولى، الرحلة الثانية،....إلخ) والرحلة كما لا يخفى مركب البحث، والتنقيب والمعرفة .

تقتحم الرواية : عالم المعاقين، وذوي الاحتياجات الخاصة، فتميط اللثام عن شيء من مجاهله، وتقلب بعضا من أسراره،وقد نقلت مواجع أهله، وجراحاتهم الغائرة في الأرواح، والأجساد عبر بوح شجي شفيف، يشرخ أصوات قائليه : حزن عميق، وانكسارات متوالية، يتعاضد على شحنها في نفوسهم القدر الذي أفقدهم أدوات العيش الطبيعي، والمجتمع الذي أهملهم، وتخلى عنهم مستعرِّاً منهم ومتثاقلا، ومزدريا، سواء أكان هذا المجتمع العائلي : أسرهم وذويهم، أم الناس الذين لا تربطهم بهم صلة، وهذا حالهم في جميع البلدان العربية، كما عبرت إحدى شخصيات الرواية، وما أكده عدم ذكر أفضية تشير إلى بلاد محددة مما يعني شمولية الفضاء العربي بأكمله.

يأتي معظم بوح هذه الفئة – المعاقين - مكتوبا في يوميات الشخصية المحورية (أحمد/عنقود)، وهي يوميات تتحول إلى رواية، يمر الحديث عن كتابتها في ثنايا السرد، مما يؤشر على حضور الميتا - روائي بطريقة جمالية عذبة، تخفف من اشتداد حقن التجريب في المحكي .

يبتدع أحمد شخصية وهمية يسقط عليها كل أحلامه، شخصية تعويضية يرمم بها عجزه، ويتحرر بتخيلها من الكوابح التي يغله بها عوقه، فيأتي السرد بصيغة المخاطب، إذ الشخصية تحاور ظلا لها (أحمد الحقيقي المعاق / أحمد الوهمي المعافى).

إن استعمال ضمير المخاطب في بناء العالم الروائي جاء منسجما مع أطروحة الرواية، لأن الشخصية لا يسمح لها وضعها الجسدي بالحديث، فضلا عن الحوار،  وإن كانت تتمتع بقدرات عقلية سليمة، ولذا كان الحوار المفترض في دواخل الشخصية، ومن ثم اليوميات المكتوبة والمتحولة إلى رواية فيما بعد، هي القنوات التي أوصلت للمتلقي معاناة ومأساة البطل/ أحمد، والشخصيات الأخرى الدائرة في فلكه، التي شكلت مرايا له، فكأننا نواجه ذاتا واحدة مقسمة في عدة ذوات، إذ نلمح ألوانا متعددة من الاحباطات، والهزائم، وأشكالا تراجيدية من العجز والتهشم والبلاهة، والبلادة، والبؤس، والاستلابات المرة أمام الاخرين الذين لا يبدر عنهم غير : الاستهجان، والإهمال، والنأي، أو نظرات العطف والشفقة في أحسن الأحوال .

إن المجتمع الذي تدور فيه الأحداث ينطوي على منظومة قيمية وأخلاقية متحيزة، تصطف بجانب القوي، وتقمع الضعيف، وتضطهده، لذا تتعدد فيه مسارات الظلم، وتتنوع، بدءا من السلطة قمة الهرم بين الأقوياء، وتتدرج إلى الأعراف والتقاليد المحنطة، التي تنصر فئة على أخرى، وقد عرضت الرواية تسلط الذكورة على الأنوثة، وقهرها لها من خلال مصائر شخصياتها الأنثوية (فضيلة / سحر/ سلوى)، لتكثيف الرؤية نحو طبقات المسحوقين من الضعفاء : فقراء، أو أناثا، أو مرضى ومعاقين وغيرهم .

لقد كانت سحر نقطة التحول في حياة أحمد /البطل، إذ غمرته بحب باذخ وعواطف أمومية جياشة، ورعته بحنو كبير فأعادت له الثقة في نفسه، ونبهته إلى قدراته العقلية، وجعلته يؤمن بأنه إنسان موهوب يمتلك طاقات إبداعية عالية تكتظ بها روحه، وهي طاقات خلاقة لها القدرة على هزيمة ضعفه وبلادته، وخدر اليأس المعشعش في روحه، فبدأت تنمي فيه موهبتي الرسم والكتابة حتى أتقنهما،  وبرع فيهما فاكتسب قوة جبارة أشعرته بقيمته وأهميته، تلاشت بإثرها جدران سجنه الداخلي، وتوهج عالمه الجواني الملبد بالعتمة بضياء الابداع والأمل،  والأحلام الكبرى، فعاد لجوهره الحقيقي، وشخصيته الخام الأولى، ونفى عنه (أحمد) الوهمي الافتراضي، وأيقن بأن القوة : قوة الروح لا الجسد، والطاقة الحقيقية  طاقة الإبداع المتلفع بالحب، وإن شكر له (أحمد /الحلم) أنه كان الحافز والمثال الذي استفزه فسعى للوصول إليه .

إن راهن الرواية لا يتعدى ثلاثة أيام، هي أيام المعرض الذي أقيم لنتاجات المعاقين وأسر الفقراء منهم، وعرضت فيه لوحات (أحمد) وجرى حفل توقيع روايته، لكن زمن الأحداث يمتد إلى الخلف يغوص كثيرا في قصص ماضي الشخوص الذين سجل (أحمد) ذكرياتهم التي سردوها له، وقيدها في يومياته، وكما أشرت سلفا أنه دونها بضمير المخاطب،فهو إما  أن يروي بالحديث إلى (أحمد) الوهمي، أو بالإصغاء إلى سحر التي نابت عن الاخرين في سرد حكاياتهم، وقلت بأن ضمير المخاطب يلائم وضع الشخصية الجسدي، لذلك نراه استغنى عن أحمد / الظل في نهاية الرواية، لأنه امتلك وسيلتين للخطاب هما : الرسم، والكتابة، كما أنه – ضمير المخاطب – يتسع للبوح ولتقليب الحكايات والمواجع وتأمل الذات من بعيد، إذ تصبح الذات موضوعا، وكذلك يخدم منطوق الرواية ورسالتها، لأنها تحاول قدر الإمكان عرض شجون هذه الفئة –المعاقين – وإلفات الأنظار إلى عالمهم المهمش والمهمل الذي نادرا ما يتصل بالآخر.

ومن العلامات المهمة على تساوق الخطاب الروائي مع مضامينه، هو أن جل الأحداث جرت في دار المعوقين، وهو أمر يقتضيه منطق الأمور في انعدام حركة الشخصيات المعتلة، وفواعل النص المنكفئة على عالمها الجواني،ولا تحدث النقلة إلى الفضاء الخارجي (قاعة المعرض) إلاّ لـ (أحمد) حينما نمت براعم الابداع في داخله، فتوهجت بها ظلمات روحه، وفي ذلك إحالة واضحة إلى القدرات السحرية التي تنطبع بها الذات عندما تكتشف مواهبها، فتحطم قيودها، وتخرج من الأسر، وتعانق فضاءات العالم الخارجي، برأس مرفوع ودون شعور بأي خلل أو نقص .

لقد أطلقت وفاء عبد الرزاق في هذه الرواية صرختها الإنسانية المدوية فوخزت الضمائر الكسلى، وأغدقت على القراء متعة السرد العطوف .

 

فارس الفايز / العراق

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3635 المصادف: 2016-08-18 03:40:11