المثقف - قراءات نقدية

عبد الواحد مفتاح: جلال الأحمدي شاعر الضوء

abdulwahid miftahشعرية جلال الأحمدي المتحررَة، تجد أنها مطرزة بأدوات اقتِحامِية، ما يُؤَدي إلى غنى تَوتُرِها الدلالي وتنَوعِه، وهي شعرية مفتوحة على غنائية داخلية. تَتلذذ باغتيال العلاقات العادية بين الكلمات بوقاحة باذخة، لا يُستَهان بِحَيَوِيَتها، وتماهيها مع هاجس الكتابة واستطاعة المعنى.

باشتغال بارد على اللغة، وأنيق، يكتب جلال الأحمدي قصيدته المؤَثَثَة بصور شعرية دقيقة ونحيلة، نظرا لما اِعتَراها من صقل ركِيز – هو السِمَة الأبرز لمَتنِه – جعلها لا تَدُل إلا ما تتَغَيا أن تَدُل عليه. الإدهاش هنا ليس غاية بغير ما هو بِسَاطٌ لجملة مضيئة، تَسْتأسِد آخر النص، تذهب بك حيث هي تريد . نحن هنا إزاء حقل الكلمات غير المُهمَلة ، كلمات ملساء شفافة تُجِيد الكلام  ..

تَضَع عَينَهَا في عين القارئ فلا تتَلاشى ، وتَتَمنَّع في بَداهَة حَقِها الطبيعي في الجمال والتخْييل.

صحيح أننا أمام جسد الصورة الشعرية، لا نَملِك إلا ابتَهاجنا لما يَسيل/التفاعل مع ما يَحيل، إلا أنَه هنا نَجِد هذه الصورة تُعَري عن فِتنتِها، وتتَحرَّش بمن يَتَطَلع إليها ، مَوصولَة بأصالة اللغة، وصَرامة تَجديبِها وغَزارة معانيها.

إن مَشهَديَّة الصورة الشعرية عند هذا الشاعر، تَتَّسِم بِزجاجية تُقَلِّمُ من شحنة اللغة، وحرارتها، في رؤية إلى الإنسان ومَهاويه، لا تستجيب لخُطاطات الكتابة الكاملة، دون أن تفقد اشتغال إضاءةٍ تُنتِج صِيَّغا جديدة، وفق أسلوب شعري خاص، مليء بتَناصِه الفيزيائي – نظرية الأكوان المتعدة على سبيل التقاطع.

إن انفتاح هذه الصورة يعكس جهدا وافِراً على مستوى الكتابة المُغايِرة، لا يُعري عنه الشاعر ليُبرهِن عن نفسه،

بعِناية كبيرة يكتب جلال الأحمدي، وبغير قليل من الضوء، لا غنائية خارج المعنى. أما الأسلوبية فقد كَنّسَها من قصيدته، لتَغْدو الحرية والتجريب السِمَتان الرئيسيتان داخل متنِه، في مشهديته العالية، التي لا تُرَكِّبُها انفعالية لحظة، وإنما هي نَسْغ لتراتُبيَاتٍ بنائية، وطريقة لإعطاء الشكل والحياة للقصيدة.

لذة الشعر هي عنوان هذه الورقة ، التي أخْشَى أن يَظَل توصيف اللذةَ مَرهوناً بالعنوان فقط.. فأنا أجد تَلعثما واضحا في الحديث عنها، كيف تستطيع أن تُفَصِّل الحديث عن لذة ما؟ خاصة لذة الشعر،التي هي ليست اسما مُضافا لقصيدة جلال الأحمدي، بقدر ما هي انعكاس عنها.

 كيف أجْتَرح الجميل والجمالي كمُحَدِّدان تَوْصيفيان لهذا اللذيذ، الذي لا تُسْعِف أدوات عديدة على اختزال ما يُسَبّبه.

وبما أنه ليس للذيذ مقياس حدِق، فلا أجد غير التحريض على قراءته. 

أن تقرأ قصيدة بلَذة، هذا راجع لأنها كُتبَت بمُتعة.

فالقصيدة هنا تَجِد كأنها تَنتظرُكَ منذ أمَد سحيق، ببياضها البَشوش.. بياض يُرضي ، يُغبِط، يُفعِم .. انه آتٍ من حياة شاعره لا من لغته. شعر خاص جدا، أما توصيفه باللذيذ فليس غير أنه باب لمتعة قصوى.  

ما يشدّ في الحديث عن لغة هذا الشاعر، هي تلك القدرة الرائعة على الذهاب بالصورة الشعرية إلى أقصى طاقتها التعبيرية، وهي صورة تَخْتَطُّ عن حَدْسِ شاعرها لا فكرته، وهنا بَصْمَته التي تَدُلُّ عليه، وهي بصمت لا تُحيل على رَهْبَنِيَّةٍ ما، بل على البحث الدائم والصقل المبرح للأسْلوب المتميز الذي يشتغل عليه. كلمات هذه الصورة الشعرية ليست مُستَقرا ثابتا، تغمس زَخرَفتها بِتَناص ما.. بقدر ما تبدو هذه الكلمات كائنات طافحة بالحياة، تُخبر عن نفسها بعيدا عن كل ما هو مُثقل بالعادة. لا تَبتغي أن تكون وسيلة لِتمَلّك شيء - كائنا من كان هذا الشيء. فهي مُرتبطَة بنوع من مبدأ عدم التحديد، كبنية ممكنة للذات والشعر في آن.

فجلال الأحمدي شاعر يَنحُت فضاءَه الشعري بِتَأَنٍ ورصانة فائقين، قصيدته هي تَجْسيد بليغ لحيوية قصيدة النثر، قصيدة بسيطة كسنابل القمح، ليست بحاجة لقراءة حادِقة حتى تتفجر دواخلها أمامك بيضاء كأول النهار، ومُثمِرة كحب تحقق وقته.

مثل أركيولوجي ماهر يُعبئ هنا جلال الأحمدي تَلابيبَ الشعر تحث قِشرة كلماته، هذه التي تَخُطُّ نَسْغَها من المَنْسي والمِفْجاج، والمُغرمَة دائما بالابتعاد ما أمكن عن البلاغة وأوزان عضلاتها. نحن هنا لسنا إزاء تمارين لعبة التجريب، بقدر ما نقف على ناصية نص يُجابِهك بتقنياته التَرميزيَة والتَخْييلية العالية، وبمَلمَحِه السريالي ونَظَارَتِه الأكثر وضوحا ومهارة.

حيث يَجدِبك

شعرٌ شعرٌ.. بسيط ونبيذ

شيء ما بارد هنا؟

إنه عمود القصيدة، عمود مَشدود بفتنة اِلتِمَاعِ الضوء في عين قارئ.

وماذا عن القارئ؟

 - لا أفكر فيه الآن-

ماذا عن الشعر إذن؟ هل هو خَلاص جمالي؟

 وهذا كل شيء ..

السؤال هنا بلون القصيدة، إذا احتاجَتْ القصيدة لفصيلة لون.

ماذا عن اللون .. هل هو خلاص جمالي؟.

 أجد هنا عزلة واضحة  أمام النص وما يَتَرتب عليه، وحده الإيقاع الخيط النابض بين المعنى وفتنته الزائدة، يُدَثِرُني عما يَتكاثَر في البال من أسئلة كالفِطر الموسمي، حول قصيدة يحْظُر الشعر داخلها مُعَتّقا ورُؤْيَوِيا بشكل مُكثَف، سَطْرُه رقيق دقيق يحاور تَناغما لا يأتي من جوف منطق سريالي، وهو يَسيح في مَفازات أسئلة الذات والشعر معا. فالشاعر هنا الذي يَسْعى إلى التحرر من الأشياء المألوفة التي تحيط به، يَعْتَلي لذلك أساليب غير مُستخدمَة، تقوم على تدمير القوانين العامة والسلطات الفوقية، التي طالما كانت تَمتَح من المدارس النقدية قُوَتَها، وبهذا فإن النص الشعري لا يقول إلا ذاته، في خيانة - تَعَدّدَت شواهد عدم براءتها- للسَّائِد والمتعارف عليه. في ظِل أن عدد كبير من القراءات النقدية العربية تجد صعوبة واضحة، في إخفاء عدم مقدرتها على تَحْيِين أدواتها، ونظرتها لقصائد شعراء الحساسية الجديدة.

وأنا أَزيغُ بقراءتي عن النص إلى تَحْتِياتِه، أرى إلى الرؤية وازدِهارِها، المجاز واشتعاله، شاعر وأهْبتُه للتصَدي لثُنائِياتِ شيء بعيد، بلغة أبعد ما تكون عن الكتابة العمومية، أقْرب إلى تَلوينات تشكيلي في مُقتبَل لوحته.

إن المشهد الشعري هنا والذي لم أقتحِمه تفصيلا، بِقدر ما تَملكَني طَيْش مُحاوَلة مَسك الخَيط الناظم للقصيدة لذى هذا الشاعر، وهو خَيط يَتَلوَنُ بلون سؤال الذاتي -الذي يَحضر الحب نورانِيا داخله - وعتبة اليومي. والواضح داخل النص أن الشاعر يَستثمر كل ما يستطيعه، حتى العلاقات غير اللغوية، كالبياض ونقط الحذف، لإنتاج المعنى وكُلها أساليب تَجمَع بين المُباعَدة والتَقريب. هذا إلى جانب مُرتكَز اِنْتِشال الأشياء من يومي ما، إلى شعري مَفتوح على الغِواية والتعَدد.

عكس هذا كلما قرأت شعرا لجَلال، أجِدني أتَذكرُ عناوين من رُكام ما تَلفظُه المطابع كل يوم، من كتب شعرية. وإن كانت لا تَصْلُح للقراءة، فإنها قَطعا لا تُساعد على حماية البيئة من وَرَقٍ اِتَسَخ، وما عاد قابلا للتدويل، ولو على مضض.

بَياض الورقة غِوايَة لذيذة وسبب كامل لافتِضاضِها، وهكذا تجد كثيراً من الشعراء عَدائين مهرة في مسابقة كهذه، غير أن قِلّة قليلة، من استطاعت أن تُسَوي افتضاضها هذا، ببحث واجتهاد، ينتخب أدواتِه باستمرار. فإلى جانب لائحة قصيرة، قصيرة جدا، يُعتبر جلال الأحمدي أحد أسماء الحساسية الجديدة في قصيدة النثر، اللامعة. والذي استطاع أن يُحْرِز اعترافا نقديا في مدة قصيرة. وهو اعتراف لا يَدين فيه إلا لأصالةِ صوته وعميق اشتغاله.

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3638 المصادف: 2016-08-21 04:49:03