المثقف - قراءات نقدية

عبد الواحد مفتاح: مع ديفيد فيكينوس في روايته الجديدة

abdulwahid miftahباستمتاع بالغ، تابعت رواية الفرنسي ديفيد فيكينوس (je vais mieux) (إني أتحسن) عن دارغلمار دافيد من الروائيين المسهبين، الذين يحتفلون بالتفاصيل إلى حدود مدهشة في كتاباتهم، ما يجعلك تنغمس وسط حبال كثيرة لذيذة داخلها، من الأعمال الأولى التي جذبت الانتباه وأدارت الأضواء إليه روايته (الطاقة الإيروسية لزوجتي)، التي حازت على جائزة روجيه-نيميه ما جعل عملاق النشر الفرنسي دار غلمار يفتح مؤسساته له، و يحقق له رواجا أدبيا وأريحية ككاتب، جعلته يتفرغ للكتابة بقية مشواره.

تأتي الرواية من القطع المتوسط، ضمن السلسلة الفاخرة (la collection blanche) (المجموعة البيضاء) في أربعمائة صفحة، في دلالة على لياقة روائية لابأس بنَفَسها.وبانخراط جدي في الأدب المعاصر، باستخدام تقنيات حديثة وأسلوب رشيق، جعلها تكون محط ترحيب غير مشوش عليه من طرف النقاد الفرنسيين، فباختياره لتيمة البطل المصاب بوجع أسفل ظهره، يسعى في كامل فصول السرد للتخلص من ألمه، يكون قد وقع على اختيار مُوفق إلى أبعد الحدود، وتزامنا مع إحصاء يظهر أن 80 في المئة من الفرنسيين يعانون من الآم الظهر، 85 منهم لم يستطع الطب تحديد أسبابه، أي أن الرواية تتوجه بالخطاب إلى 52 مليون فرنسي، وهذا أحد مكاسبها بالطبع، فالقلق الذي يعاني منه مواطن القرن الواحد والعشرون، المعبر عنه بالضغوط النفسية، ما يجعل المرء في حالة من التوتر الدائم اتجاه الأمن والسلام وحفظ البقاء.

درس ديفيد فيكينوس الأدب في السربون، هذا بالإضافة إلى الموسيقى، التي اشتغل بادئ الأمر أستاذا لمادتها، إلا أنه من الأدباء الذين لا يضيفون كثير إطراء على شخصياتهم، أو تلهف على نشر سيرهم، وتلميع المُهتَرء منها ..يستلهم موضوعاته من المعيش والمتداول وهو المُتبَدي أكثر في روايته (الذكريات) 2013 التي تروي ما عاشه مع جَديه في وصف جريء ومتقدم لهواجسهم ومشاغلهم اليومية، وهو لا يخفي تعلقه الشديد بالأدب الروسي، وبخاصة الكاتبين (دوستوفسكي وغوغول) تماما كغرامه بأعمال الكاتب السويسري ألبير كوهين، وقد اعترف في أخر حوار بأن أعمال هذا الأخير كانت قد غيرت مجرى حياته، وهو ما نتلمسه ظاهرا في تأثره به، أسلوبا وتيما في بادئ مشواره الروائي إلى حدود أواسطه.

يعتبر المونولوج والحوار الداخلي، أحد التقنيات الركيزة في أسلوب دافيد، في اعتماد على المفارقات والوقفات السردية الطويلة، بتشغيل جمل قصيرة تدفع بتدفق الحكي، والتقطيع السريع للكلام أتناء السرد.

راعني أن أحصل مؤخرا على ترجمة للرواية، قادها محمود المقداد ببراعة لا بأس في خِفَتها وفخامتها، فبعد أن وصلت عدد اللغات التي نقلت إليها 35 كان من المجحف حقا أن لا تكون هناك نسخة عربية منها، إلا أن المقداد استطاع أن يضفي على إنجازه هذا لمسة خاصة، وحسن تملك لأدواته كمترجم، زان عمله مراجعة د.منتخب صقر الذي ما من شك أضاف تعب جديد، لكبير الجهد الذي استحقه العمل على رواية من هذا الحجم والوزن.

 رواية أني أتحسن، أو كما انتخب المقداد لترجمته (إني أتعافى) لا يمكن القول أنها سيرة تسجيلية للكاتب، بقدر ما يعمل على إيهامنا بذلك، حيت استعمال ضمير المتكلم (البطل الرئيسي في الرواية) والمسيطر على كامل رقعة السرد، إلى جانب عدم ذكر اسم البطل، ما يوحي بقوة أنه الكاتب نفسه، حيت لا ينفي اهتمامه بالكتابة، وأنه له مشروع فيها لم يتحقق بعد، وولعه الشديد بأسماء أدبية عَبَّر الكاتب مرارا عن إعجابه وعشقه لها، في أكثر من مقابلة صحفية، أما فكرة الرواية فتبدو بسيطة، ويمكن لملمتها في بضع أسطر حتى: تدور أحداتها حول رحلة كئيبة عاشها البطل في الأربعين من العمر، موظف في أحد مكاتب الهندسة المعمارية، إنسان تقليدي في حياته، قليل المخالطة للناس، يشعر دائما أنه مضطهد يعمل بإخلاص وأمانة، له زوجة وبنت في العشرين هجرت المنزل لتعيش مع حبيبها الذي يكبرها في شقته، وولد في الثامنة عشر، سافر في منحة دراسية إلى نيويورك دون أن يخبره، يشعر في عطلة يوم أحد بوجع في ظهره، فتتزاحم عليه الوساوس ويدخل رحلة طويلة بحتا عن الشفاء، ليتعرض جراء ذلك لتآمر في العمل يجعله يفصل عنه، ونتيجة لذلك تطلب زوجته الطلاق ..يزيد شدة وجعه، وينخفض بحسب الظروف، والحالة النفسية التي يمر بها، فيصبح شديد الحساسية، لكل كلمة أو إشارة أو حركة، يحللها ويفكر في دوافعها وأهدافها وما تنطوي عليه من معان ..يفتقد حنان أمه وعطف والده، الذي دأب على رصد عثراته وأخطائه، والحط من قدره ..لما أحاطته الهموم وتكالبت عليه المشاكل، راح يفكر في أسبابها، منذ الطفولة في مراجعة نفسية وحياتية، جعلت كتلة السرد تَلتمع في تدفق للتفاصيل الصغيرة، والتي لن يسعنا إزاءها، غير الدهشة للمهارة البالغة التي ينتقي بها ديفيد جزئيات حياته، التي يحللها ويراجع ما كان إلى وقت قريب، ليرميه إلى سلة المنسيات، وهو ما يجعله بمساعدة أصدقائه المقربين وأبويه ينتصر على ذاته، ويشق طريق جديد في الحياة والعمل والحب، ليصل أخيرا فيما يشبه التراجيديا للشفاء بعدما استعاد الثقة في نفسه وواقعه.

يشير محمود المقداد في مستهل ترجمته، في انتباه للنضج الثقافي الذي يتمتع به هذا الكاتب، وهو ما كان محل إطراء وتقدير من النقاد، والمُمثل له في القدرة على سرد عدد كبير من الإشارات والتلميحات، إلى كتاب ومخرجين وموسقيين ومقدمي برامج ورجال سياسة وفلاسفة واستخدام عدد لابأس به من الرموز والمختصرات، ما يجعل كتاباته تَنغلق دون أفهام عدد من القراء، ما جعل حتى المقداد في ترجمته يجنح إلى عدد من الهوامش والاستطرادات، والتي بدونها ستقل القدرة أكيد على متابعتها، دون إغفال روح السخرية البالغة التي يبطنها هذا الروائي كتابته، ما يجعل مُربعها السردي ينزاح حتى في استهلاك أكثر المواضيع تشاؤمية (الشيخوخة العزلة الموت) إلى الدعابة المستحكمة في أغلب مفاصل الحكي.

هذا إلى جانب عدم إغفال بعض المشاهد الجنسية القليلة المحققة أو غير المحققة التي يُطعِّم بها سرده، من دون أن يعطيها مركزية أو انزياح مجاني. 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3642 المصادف: 2016-08-25 05:28:38