المثقف - قراءات نقدية

عبير خالد يحيى: قراءة في نص تأبط شرًا للأستاذ الأديب العراقي كريم خلف جبر الغالبي

يبدأ العنوان باسم علم مذكر، تأبط شراً، شاعر من الشعراء الصعاليك الذين ذاع صيتهم في الجاهلية، كان  يقطع الطريق ويسطو على القوافل، ويوزع ما يغنمه منها على الفقراء، يشبهه في الزمن القريب روبن هود كشخصية قصصية، أحببت أن ألقي  الضوء عليه، تأبط شرا هو لقبه، أما اسمه ف  ثابت بن جابر الفهمي. قالت له أمه مرة: كل أخواتك يأتيني بشيء إذا راح غيرك، فقال لها: سآتي الليلة بشيء . ومضى فصاد أفاع  كثيرة من أكبر ما قدر عليه، وأتى بهن في جراب متأبطا له، فألقاه بين يديها،ففتحت فتساعين في بيتها فوثبت،وخرجت فقالت لها نساء الحي: ماذا أتاك به ثابت؟فقالت: أتاني أفاع في جراب . فقلن: وكيف حملها؟ قالت: تأبطها . قلن: تأبط شرا. لازمه تأبط شرا . هذه رواية من روايات كثيرة قيلت في لقبه .

لنا عودة لربط العنوان بمتن النص .

يروي الكاتب بلسانه، تداعيات ذكريات طفولته وهو يجلس على حافة نهر فرع من الفرات فهو ابن الفرات، يخيل إلينا أنه سيدخلنا في جدلية الأصول والفروع، لكنه يمررنا عليها فقط في تلميح ذكي،لأن للأصول ذيول، المتفرع قد يختلف بخواصه عن الأصل، وقد يفقد الكثير من صفاته الاصلية في خضم تفرعه، كما للأطراف حواف، إصرار الكاتب على الاتيان بهذه التأكيدات  التي تعتبر في علم الفلسفة بديهيات، له ما يبرره لاحقا، هو يضع مقدمات وأسباب ليتوصل  إلى نتيجة، ينقلنا بعدها الكاتب بنقلة أخرى، مشهد يجلس على الحال والتي تبعد عنها الماء منحسرة قدر ساق بالقياس المادي، وقدر انحسار طرف الليل عند طلوع الفجر بالقياس الزمني،   قدماه في الماء وهو يجلس على الحافة، تنقرالأسماك الصغيرة ما علي عليها، دون أن يخاف من الحيتان ليعود بنا إلى جدلية فلسفية أخرى .. جدته وهي (أصل) تحذره من وحود كلاب في فرع النهر ! كيف ذلك ؟الكلاب توجد على البر .. في الفيافي، الله لا يكرر خلقه، في كل البيئات، الكائنات التي خلقها لتعيش بالبحر لا تعيش على اليابسة، والمخلوقات التي خلقها لتعيش على اليباس لا تعيش بالماء .. هذه جدلية أدركها عقله الصغير ولم يدرك أن الله خلق أيضا برمائيات، وأن كلاب البحر غير كلاب البر, وهو هنا أيضا يضع مقدمة قاصرة ستقوده إلى نتيجة أيضا قاصرة،الله لا يهدد خليفته على الأرض، لأن الله أساسا خلقنا ليسعدنا لا ليشقينا، لنربح  عليه لا ليربح علينا، لكن قال اعملوا ..هذه هي الحلقة التي لم يدركها الكاتب وهو طفل، لذلك لم يصدق هو (الفرع) قول جدته (الأصل) وظنها تختلق ادعاءها (كذب)من باب  (الحرص) على عودة احفادها أحياء (الخوف).

يقف الكاتب  هنا، ثم ينتقل إلى فرضيات أخرى، ترسم ذاكرته على ورقة (ثقافة) صورة لخواجة، أو أفندي كما ذكره باللفظ، يتذكر تماما ملابسه، ملابس غريبة غير معهودة في بلده، لكنه يعرفها جيدا، يرتديها كل أبطال أفلام السينما المنتشرة في سينما اللهو في الناصرية، أو سينما أطلس في شارع سعدون أو .. وذكر هذه الأماكن قصدها الكاتب، فهي التي جعلت هذا الرجل (الجيل) يترك زيه (الأصل) ليقلد (الوافد الغريب) ويغدو (ذيل)

يتمنى الكاتب لو كان بيده أن يعيد تشكيل هذه الورقة (الثقافة) ليجعل منها سفينة تسير مبروكة في اتجاهها الذي اختارته قبلا واختاره الله لها،دون أن يتدخل هو (الفرع) بتوجيهها.

يحدد الكاتب أكثر هوية الغريب .. (قبعة) مكسيكية أم أمريكية؟ النتيجة هي غربية وغريبة (ثقافة غربية وافدة)، يتخيل الكاتب أنه يلوح له بها مغادرا (احتلال فكري) لا يحتاج تواجدا جسديا، يشبه الكاوبوي الذي رآه في الأفلام التي تعرضها السينمات، وقصص الكاوبوي معروفة،  بطل وهمي يمتلك مسدسا فيه طلقة واحدة وضعها له حاكم المدينة (السلطة)

عليه أن يطلقها على حبل يلتف حول عنق قاطع طريق عينه على الهدف (تسديد)  والعين الأخرى على عقرب ساعة جدارية (الزمن) وعليه أن يوازن

ومصير قاطع الطريق إما موت بنجاح الموازنة (تسديد، زمن)

أو حياة الطلقة الوحيدة ليست في حجرة النار (حظ)

 عدد الرميات: رمية واحدة

قاطع الطريق: صعلوك عربي جاهلي.... نعود إلى تأبط شرا، والشنفري الذي نسيت الإتيان على تراجمه، اعذروني...

الأيدي العربية التي صفقت لبطل الكاوبوي (الثقافة الدخيلة الفارغة) لم تصفق ل تأبط شرا أو الشنفري (الثقافة الأصيلة) التي كانت رغم جهالة المعتقد غنية بالأخلاق الأصيلة (سرقة بهدف إطعام الفقراء)، صفقوا لروبن هود، وقد فعل بعدهم ما فعلوه قبله بأزمان.

 الهمام (طرزان)  رجل الغابة الذي يباهي  بقوته الحيوانية، ويتحرك كما القرد، يروج لذلك البطل بحملات إعلامية مضللة (إعلام رسمي) يشيد بالبطل  وكأنه أسطورة وعلى الحشود أن تحرص على مشاهدته والتمثل بأفكاره وتصرفاته، وتتابعه الجماهير فعلا مشدودة بما يعرض عليها ...

هذا البطل السينمائي مع الأيام كبر وتغير .. وعاد إلينا يباهي بقيادة طائرة حربية (إبادة) تقصف دور السينما (معقله) التي تجمعت فيها الجماهير (المحتلة).

فأين الوفاء؟

العبرة: الثقافة الدخيلة التي احتلت عقولنا (الفرع) و وجعلتنا ننسى تاريخنا وأمجادنا وسخرت من ماضينا وثقافتنا (الأصل)  وهمشت وسخفت أفكارنا حتى غدونا ألعوبة بيد الجهل، تحت رعاية السلطات الحاكمة، هذه الثقافة الفارغة كبرت في فراغ عقولنا وقلوبنا وأصبحت قوة ضاربة تضرب معاقل كل من انضوى تحت لوائها، دون وفاء أو عرفان بالجميل ...

فمتى يعود (الفرع) إلى (الأصل) حتى ولو كان للأصل (ذيول)؟

أعتقد أن هذا سؤال مشروع نهمس به في آذان  المثقفين.. الأدباء تحديدا.

تحياتي إلى الأديب الأستاذ كريم خلف جبر الغالبي .

 

النص الأصلي:  تأبط شرا *:

تذكرت طفولتي وأنا أجلس على حافة نهر تفرع من نهر آخر، لم أبحث عن أصوله، فللأصول ذيول، وللأطراف حواف، الحافة التي أجلس عليها لا تساوي بعد ساق، عن سطح ماء، أخذ بالانحسار كأطراف ليل طلع عليه النهار، كانت قدماي تغط في الماء، تنقرها أسماك صغيرة لتأكل ما علق فيها، لم أخش ما في الماء من حيتان، رغم إنَّ جدتي تحذرنا من وجود كلاب فيه، لم أصدق إن في الماء كلاب كما هي في الصحراء، فالله لا يكرر خلقه إذا اختلف المحيط، وتباينت الأماكن ولا يهدد خليفته على أرضه، ونصيحة جدتي مجرد اختلاق، كي نعود إليها أحياءا في المساء، هكذا كان عقلي يفكر، أرسم على آخر ورقة من دفتر مهمل، صورة رَجُلٍ أفندي، أجيد فصال بنطاله ورسم موضة قميصه، من غير أن أرَ فلما يعرض من على شاشة سينما بهو البلدية في الناصرية أو سينما أطلس في شارع السعدون ببغداد أو سينما الخيام التي لا تنام، وبعد أن تكتمل الصورة ينتابني خوف عليه، أعيد صناعة تلك الورقة جاعلا منها سفينة، أضعها على سطح الماء بهدوء، أتوسل بالريح أن تجري بتلك السفينة وأترك لها الجهة التي تريد لا الجهة التي أريد، لعل ذلك الأفندي يرجع من حيث أتى، أتصوره يلوح لي بقبعته التي رسمتها بإتقان، مودعا أياي بلا رجعة، القبعة التي رسمتها لم أعرف منشأها، مكسيكية أم أمريكية، لكنني تذكرتها جيدا عندما شاهدت أول فلم كابوي من على شاشة سينما الأندلس، أو ربما سينما بهو البلدية، كان بطل الفلم يرتدي الزي نفسه الذي رسمته والقبعة نفسها، شاهدته جيدا وترقبته عندما سدد بمسدسه آخر طلقة فيه، وضعها له عشوائيا حاكم المدينة (الشريف) في بكرة المسدس المغلقة، وعليه أن يسدد رميته نحو حبل ممدود، يلتف حول رقبة قاطع طريق، الرمية لابد أن تتزامن مع آخر نبض لدقات ساعة جدارية معلقة أمامه، قاطع الطريق هذا يشبه تماما صعلوك عربيّ، جاهليّ أبيّ، تخيلته تأبط شرا أو الشنفري، لم يأخذا نصيبهما في الحياة، وكذلك بعد الممات، فلم يصفق لهما أحد، ولم تعرض لهما دور السينما أو إحدى المسارح مشهد، كان جمهور السينما يصفق لبطل الكابوي بحرارة، وما أن أصاب هدفه حتى علت الأصوات، لتقفز من أماكنها الأجساد، تهف لهذا البطل بلا هواد، طرزان الذي يجوب المدينة في الزحام، أعلاميٌّ همام، يحمل على أكتافه صورا ملونة لهذا البطل على لوحة خشبية، يردد أمام الملأ ما فيه من صفات كي تتزاحم على مشاهدته الأحياء قبل الأموات، تطوف معه من الناس عشرات، مرت الأيام ودارت الأيام، عاد ذلك البطل يقود طائرة حربية ليقصف بها سينما بهو البلدية .

 

د. عبير خالد يحيي

......................

تأبط شرا، الشنفري: شعراء صعاليك في الجاهلية يهاجمون قوافل الأغنياء لتعيش به الفقراء .

الأفندي: الشخص الذي يرتدي البنطال والقميص .

البطحاء، الأندلس، بهو البلدية: كانت دورا لعرض أنواع الأفلام في الناصرية .

أطلس، الخيام وغيرها: صالات مكيفة لعرض الأفلام في بغداد .

طرزان: شخصية معروفة في مدينة الناصرية يقوم بمهام الدعاية للأفلام التي تعرض آنذاك .

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3644 المصادف: 2016-08-27 14:34:07