المثقف - قراءات نقدية

أدهام نمر حريز: الصورة الشعرية المكتنزة بإشراقاتها الدلالية لقصائد الشاعر المغربي أحمد الشيخاوي

idham nemirرغم صعوبة وضع الشعر في قالب معين او في تعريف محدد، الا ان مهمة اي قراءة أو تحليل للنص، يستند الى جعل المتلقي يصل الى غوائره البعيده.

أن لكل نص شعري مميزاته وخصائصه الفنية، التي تعبر عن شخصية كاتبه، ولكي يتسنى لنا معرفة ميزات كل نص لا بد لنا أن نستعين بالتحليل للكشف عن تلك المميزات .

أن الذي يعطي للصورة الشعرية فاعليتها، أرتباطها باحساس الشاعر، الذي ينقل الينا أنفعاله وتجربته الشعرية .

لقد تطور الاهتمام بالصورة الشعرية في النقد الادبي الحديث، نتيجة انفتاح النقاد العرب على النقد الاوربي، الذي اهتم بالصورة الشعرية أهتماماً بالغا منذ عصر ارسطوا وتحديدا في فن كتابة الشعر .

واليوم ستكون لنا وقفه مع شاعر استطاع أن يمزج الحروف بالاحساس والصور، فيصنع منها قصيدة مكتنزة بإشراقاتها الدلالية .

الشاعر / أحمد الشيخاوي، من مواليد /1973، مسقط رأسه قرية صغيرة تدعى أولاد ملوك، ضواحي مدينة أوطاط الحاج الضاربة بجذورها في عمق المملكة المغربية .

له عدد من القصائد والاصدارات، كتب المقالات والمقاربات، وينشر في عدد من الصحف المغربية والعربية منها (الزمان، المثقف، البيان اليوم)، وفي المواقع الالكترونية الاخرى، ومجلة اتحاد كتاب الإنترنت المغاربة .

في قصيدة الشاعر المغربي/ أحمد الشيخاوي (همس أقحوانة ) تعدد صوري واسع، وتوظيف دقيق للرموز .

فيبتدأ قصيدته (سأعتبر العزف على وتر بات منبوذا

طيش فتوة

وردهة ترّهات

وسماّ مغلّفا بعسل الأحلام..

سندباد أنا

خانتني كل الخرائط..)

أن أول ما يلفت نظري في القصيدة هو عتبة النص (همس أقحوانة)، الذي يُسهم في فهم بنيته وتأويل القيمة التي ينطوي عليها.

فعنوان القصيدة يدل على أننا أمام نص شفيف يأخذ معه الخيال في جولة، يرسم لها عالم جميل، ليطلق العنان لكلماته، بعد ان مزجها بتوظيف جميل . يستنطق بها المحطات الدلالية للصور الشعرية .

وكانه يطير مع سندباد في رحلته، الى حيث المغامرة والمجهول .

(رجاء لا ترحلي مع الشمس

كي تبزغي من جديد

عندي

مجرد الغروب الواحد

ميتة أبدية..)

نغوص في عمق المعنى والفكرة التي يريد ان يصلنا بها الشاعر، عندما ربط غروب الشمس مع الرحيل .

فدلالة الغروب كثيرة ومتنوعة، تنوع الشعوب وثقافاتهم، فاحياناً يدل الغروب على الموت، واحيانا يدل على الرحيل .

وهو يمسك بتلابيب الرجاء يطلب البزوغ من جديد، ويرفض الرحيل (الموت) الابدي .

(عانقيني

أنت الشمس

ومخجلتي حين تقرأ أفكار الشفق في كفّي

وتنزف أحرفي

متخبّطة في دمها

فور رصاص الهزيمة الغادر..)

عند تفكيك هذا النص والدخول في أعماقة، لنكتشف المدلولات التي يحملها أو التي بين جنباته .

نصل الى حقيقة واضحة ومفهوم واحد، هو ارتباط الحب بالحياة، عبر عنها بالشمس، وعرف غيابة بالموت الموشوم بالدم .

(عانقيني بتوحش

أيتها الأقحوانة النعسانة على إيقاع شدوي المغرّب..

أيتها المنتحرة بعد كل ولادة..

لا تطفؤو الشموع

لا تغتالو السنابل وادّخروللزمن العسير

أغلى الدموع..)

أنتقل الشاعر المغربي /أحمد الشيخاوي، من الوصف والصورة الشعرية، الى مخاطبة الاخر مستخدماً النداء، وحول مسار نصه من شاعرية الشاعر الى مسؤولية المتلقي، كانه يلقي الكرة في ساحته، ويسمعه الخبر .

(فقط إمنحيني ما يحصل به الصعود العاطفي

أمنحك سريرا أثيريا

وأرسم صكوكا تمنع لثمك

لأن خدك أغلى من أن تخدشه القبل..

ومثلك...

مثلك أقدس من أن تطالها خطط لصوص ألوان البراءة

عند الحالمين..

ضميني

وعلميني كيف أعتصر من جغرافيا الشّح

نبيذا

يغسل كآبة وطني..)

هنا اشارة واضحة في النص، يبدأ بأسلوب يجمع بين صراحة اللفظ وجودة السبك، واستخدم ايحاءات أدخلت المتلقي في صور اخرى لم تكن موجودة في بداية النص .

واشار الى استمرارية الحياة بانفعالات هذا الحب، وصاغه من حب فردي يحمل معاني العشق للروح والجسد، ليجعله حب موجها للوطن، كان الحب عنده نوع واحد .

(تحنّني

وانثري أمام خطوي

كل ذي فوح

ملهم

محبط ما يطبخ في كواليس قتلة القصائد..

براءتي

ويسجلها الدم الكاذب

والقمصان المقدودة من دبر

يا من هبوب جهتكم

يحرّق ما يغذي نحل القلب

ويصعق تهجّد الواضحين تماما

أمثالي

المجبولين على النهل من أمومة

وحميمية

وطفولة

تشي بها قمم الثلج..)

يسترسل الشاعر في نصه وبنفس طويل في الكتابة، وبمخزون متعدد من الكلمات والمصطلحات نابعة من قريحته الشعرية وموهبته في الكتابة .

فكانت هذه كلها ادوات ساعدته غي صناعة الشعر وكتابة نصه .

لقد جمع في مفرداته بين الخوف والامل، بين الجناية والبراءة، بين الحنان والقسوة .

في نسق متجانس وغريب، لا يجيده الا شاعر بارع متمكن من حرفه.

(همسك زلزال مجنون

يفتح فيّ جراحات المستوحش في بيته

ويوصل أكثر من رسالة

فيّ تفجر الحنين إلى خبز أمي وقهوتها

والمعسول من حكايات

منذورة

لتزرع عميقا

في وسائد الصبيان..)

أفلح الشاعر المغربي / أحمد الشيخاوي، في حشد المزيد من ألفاظ التوهج وكسر أفق توقع القارى، في نسيج لوحاته الشعرية المحتشدة بكثرة صورها الشعرية.

مما أدى إلى الاثراء الدلالي للنص وإشراك المتلقي معه في الإستمتاع والتلذذ مع عباراته الشاعرية الموظفة بكثير من الرشاقة والجمال.

فجعل من الهمس زلزالاً يهز به مشاعر المتلقي، ويوصل له الرسائل ببريده الانيق، وكانه حلم لصبي مشاغب .

(لن أصف منك العين

لن أتغزل بالخدّ منك ولا الشّفة ولا الظّفيرة ولا النّهد

لن أتغنى ببقية تضاريس جسدك الشبقي

منك يكفي القدر الزارع في الهوامش البعيدة

حفنة حب

ومصابيح

وهوية..

منك يكفي القسط المولّد نكهة الشعور بالإنتماء ..)

تعد اللغة هى المادة الخام التى يشكل الشاعر منها الصوره الجمالية، ومن خلالها يشكل معانيها، التى تتمركز حول معنى الرسالة الانسانية التى يحملها النص .

وقد اشار بصورة مستمرة الى ما بدأ به، فجعل من صياغتها دراما تتصاعد في كل مقطع منها .

ومن خلال حبكه ادبية صاغها كمشهد سيميائي، جعلتنا في عمق معنى النص، بصورة تعبيرية جميلة .

لقد تغزل بكل مفردات العشق، وجعلها تلمع في وسط نصه، تغازل مخيلة المتلقي، تجعله غارقا في عالم واسع .

 

أدهام نمر حريز - بغداد

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3645 المصادف: 2016-08-28 01:43:04