المثقف - قراءات نقدية

صالح الطائي: أساطير رحيم الغرباوي بين رماد الخصب ومواسم الحب برؤية فلسفية

saleh altaeiقراءة انطباعية وفلسفية في المجموعة الشعرية "وهج الأساطير من رماد الخصب ومواسم الحب"

لا يُعرِّف رحيم الغرباوي نفسه بأنه شاعر، فهو وفق تخصصه الأكاديمي ناقد متمكن، وتكاد غالب كتاباته أن تحتك بجوانب النقد، أو تغور في أعماقه بحثا عما لم يره الآخرون، أو تنفذ من خلال الوعي إلى أعماق المسكوت عنه لتستخرج مضغة ضائعة بين ركام التاريخ ونوازع النفس وضغوط الحياة وتجليات الواقع والمجاملات المجتمعية التي تسلب الحقيقة رونقها، وتعطي انطباعا معاكسا للواقع، وأنا من خلال قراءاتي المتكررة لمنجز الغرباوي، وجدت عنده مقدرة رائعة على توظيف مهارته للفرز بين شوائب النص وأصوله، بأن يجعل الشوائب في حيز خاص، ويعرض النتاج أمام الأعين ليأخذ بعده الحقيقي سواء كان بعدا رحمانيا أم بعدا شيطانيا، لا يكيل بمكيالين ولا يحابي لإرضاء أحد، قاس في أحيان، وبسيط حد التواضع في أحيان أخرى، يطنب في جوهرة الجمال، ويلمح إلى مواطن القبح تلميحا وكأنه يخجل أن يعرف الآخرون ما في النص المدروس من ترهل وضعف.

لكنه في إصداره لمجموعته الشعرية (وهج الأساطير من رماد الخصب ومواسم الحب) كشف ظهره لسياط النقد، وأعطى للنقاد فرصة الانتقام منه، لاسيما وأن قصائد المجموعة تمثل مراحل مختلفة من حياته، تعود ذكريات بعضها إلى زمن الشباب، ويعود القسم الآخر منها نفسه إلى ذاك الزمن الجميل، كان الشاعر قد نظمها قبل أن يخط لنفسه منهجا واضحا.

وبالرغم من كون تلك السنين، كانت قد تركت بصمتها على انفتاحياته، لكن الظاهر أنه بعد أن تجاوزها في مرحلة الوعي إلى النقد كمنهج، حاول أن يحيي ألق ذكرياتها، أو يتصابى، ليعيد تقييم تجربته من خلال استذكار تجاربه القديمة، وإعادة صياغتها بنفس مدركة واعية منفتحة على الوجود والتاريخ والأسطورة، ومن هنا، وظف الأبجدية في فضاء افتراضي، متاهاته تتشعب إلى حد السأم، وتتجمع تمركزا إلى حد الكثافة المرعبة، تحاول أن تكتنه المخفي، وتفضح المسكوت عنه، وهنا لا غرابة أن يشعر المتلقي بالمكابدة التي عانى منها الشاعر وهو يكتب مقطوعاته بحثا عن الدلالات الحسية للواقع الغائر في البعد الأثيري للعمر، حتى لم تعد منه إلا مجرد ذكرى باهتة تداعب الخيال وتشغل البال.

وهي وإن كان من تجاربه النادرة إلا أنها محاولة للتجديد، للبدء بحركة قد تحدث تغييرا، فالإنسان لا يرقى بالجلوس والتأمل والحلم وحده، فالتأمل والحلم أجزاء من منظومة السعي نحو القمة تقودهما الحركة الدؤوبة، تحريك الاتجاهات واستكناه الرؤى، الانتقال وحده يخلق أجواءً جديدة ويوفر أبعاداً أخرى غير تلك التي نألفها عند الجلوس والجمود. الحركة هي التي تكشف الجوهر الحقيقي لمعدن الأشياء، وربما لهذا السبب قال أحد الشعراء:

أغضب صديقك تستطلع سريرته للسر نافذتان السكر والغضب

ما صرح الحوض عما في قرارته من راسب الطين إلا وهو مضطرب

وبرأيي أن الحركة لدى الشاعر تصبح لعبة من نوع خاص، فيها الكثير من التحدي والمجابهة، والشاعر هو الذي يضع قواعد لعبته عادة، ويدعو الناس إلى مشاركته اللعب وفق قواعده التي سنها، مع أن هذه القواعد قد تكون من تداعيات ما مر به في حياته من فرح وألم وسخرية وتعالٍ، وهذا ما أكد عليه "ويلهلم ديلتاي" بقوله: "إن سلوك وأقوال وكتابات الناس كلها تترجم حياتهم الذهنية والداخلية". فترجمة الحالة الذهنية هي الحركة الحقيقية وإن لم تحدث انتقالا من حيز جغرافي إلى آخر، لأنها تحدث انتقالا روحيا قد يمتد إلى سنين طوال وأزمان بعيدة. إن تصوير حركة الانتقال ونقلها إلى المتلقي وإشراكه في تنضيجها ومعايشة أجوائها يحتاج إلى جهد استثنائي لا يجيد توفيره سوى الشعراء الحقيقيين، أقصد الشعراء الذين يتفاعلون مع اللحظة بشيء من: السخرية، الحزن، الفرح، اللاأبالية، الشدة، البساطة، والتصوير الباذخ

وربما لهذا السبب لجأ الشاعر أحيانا إلى اعتماد التصوير المتخيل للتنفيس عن خلجات النفس ومكابدة العمر، حتى دون أن يهتم بأثر الهرمنيوطيقا(1) وهنا قد يضطر الشاعر إلى الجمع بين التضادات تماما مثلما فعل "جان هيك"(2)

حينما اعتقد أن الصراط المستقيم والدين الحق أمر موهوم، لكن جميع الأديان حق وتهدي إلى الواقعية! هذه المكابدة هي التي تدخل الشاعر عادة في صراع التمييز بين الظاهر والمظهر في محاولة لإدراك الحقيقة الخالصة، تلك المهمة المستيحلة، أو لجعل الآخرين يدركونها وكأنه يهزأ بنظرية "فردريك ويلهلم نيتشة" التي تقول: "إن الحقائق الخالصة لا تدرك، وما ندركه ما هو سوى خرافات، تأثرت بتأويلنا القائم على نظريتنا"، وهذا ما يعرف بعملية التمييز بين الظاهر والمظهر.

أما الحراك نفسه فله أوجه ومسارات تحددها دائما مجموعة الذكريات والمكابدة ومعطيات التاريخ، فتاريخ الإنسان مهما تقادم يبقى ماضيه مترابطا مع الحاضر ومؤثرا فيه، كل ما مر على الإنسان عبر عمره، تجد تداعياته على الحاضر والمستقبل، لا فاصل حقيقي بين الماضي والحاضر والمستقبل، فهي محطات يتنقل بينها قطار الفكر والسلوك بشكل دائمي، وتترك كل منها ما تحمله فيه. وهنا قد يلجأ الكاتب إلى نوع من الضبابية الفكرية التي يريد من خلالها انتقاء المتلقين لنتاجه حتى ولو من خلال تَصَنّعْ بعض الحالات أو إعادة تصويرها على خلاف حقيقتها.

هذه المماحكة مع الذات، الواقع، الصورة، الحدث، القضية، مع وجود سطوة خفية تكاد تخنق وتكبل الشاعر، وتمنعه عن قول الحقيقة مثلما يريد، اضطرته غالبا إلى استخدام الترميز والتمويه، فجعلت بعض قصائد المجموعة تبدو متداخلة المعاني، حركية الأحداث، تضج بتفاعل منضبط بالمعنى، ولكنه أعطى انعكاسات مختلفة قابلة للتأويل، فتحولت بعض القصائد إلى الهلامية، التي تحتاج عادة إلى من يعرف التعامل معها لكي يحافظ على استقرارها في باله! وكل ذاك سببه أمران متقابلان متضادان، الأول: رسوخ الفكرة في وعي الشاعر، والثاني: العجز عن إطلاق تلك الفكرة إلى العلن، دون وضع التجميلات والرتوش التي تجعلها مستساغة مقبولة لدى الجميع، لا تجد من يعترض عليها، ولا تمثل تهديدا للشاعر نفسه، مما يعطيها صور سحر الفانتازيا(3) حيث مخاض الواقعية والوهم يصطرعان! ولكنها بشكل عام تبدو منفتحة الأجواء بالنسبة للمتخصصين والأدباء المتمرسين فهي بالنسبة لهؤلاء فنطاسا(4)

من هنا قد يجد بعض ذوي التعليم البسيط صعوبة في فهم نصوص الغرباوي لتداخلها مع قصص الأسطورة، وهذا يدل عادة على ضيق الأفق الثقافي للمتلقي نفسه، وليس لعيب في النص، حيث يرى بعض المفكرين ومنهم الدكتور "سروش": "أنه لا يمكن فهم النص من خلال النص نفسه، لأن النص صامت". بمعنى أن ملكتنا الفكرية، ووعينا، ومجموعة عواطفنا، وتداعيات حياتنا، وحتى نوع معتقدنا الفكري، ودرجة إيماننا، ووضعنا النفسي، هي التي تؤثر على درجة فهمنا للنص، حيث ذهب "رابرت هولاب" إلى أن: "فهم النص مرتبط دائما باعتقاداتنا وما نحمله من مسبقات وتصورات حول العالم". وهذا بالتأكيد ما دفع المفكر الفرنسي "بول ريكور" إلى الاعتقاد بأنه يمكن إبراز قراءات مختلفة للنص الواحد.

ولا أعتقد أن ذلك التناقض يحدث خللاً بالمرة، نعم قد يعترض البعض، مدعين أن من حق المتلقي أن يكون شريكا في النص، وهذا ما أشار إليه المفكر الأمريكي "دونالد هيرش" بقوله: "إن النص غير مستقل لأن معنى النص أمر قصدي بمعنى أن النص هو الذي يرى مقصود الشخص ويظهره وهذا الشخص قد يكون المؤلف نفسه، وربما هو القارئ، إنما يكون للنص معنى في حالتين: إذا قصد المؤلف منه معنى ما، أو فهم القارئ منه معنىً آخر"! ولكن ما ذنب المبدع أن يتحمل وزر ناقص الثقافة الذي عجز عن فهم نتاجه؟! ثم من قال إن محدود الثقافة يعجز كليا عن الاستيعاب؟ لماذا ننكر أن تكون له صوره التي رسمها ولكنه لم يتحدث عنها؟

إن النص كما هو معروف، يترجم خلجات النفس، فالمؤلف يضفي عليه مما في عقله الواعي، أو اللاعقل، أو اللاشعور معان قد تبدو غريبة على المتلقي، ولكن المتلقي نفسه قد يضفي على النص أو يبتدع له فهماً آخر لم يقصده المؤلف، يأتي من حالة الشعور واللاشعور التي يمر بها، لدرجة أنه قد يتلمس الحزن أحيانا في كلمات الفرح تماما مثل الكوميديا السوداء أو المضحك المبكي.

 

نحن البشر نتاج عواطفنا ومشاعرنا، ومقولة (أنا أفكر إذن أنا موجود) تنطلق من هذا المعنى، معنى التماهي مع المفردة وفق سياق تداعي الذكريات، وربما ما خزنه المرء في منطقة اللاوعي، ثم إن التمرد لا يولد من فراغ، والفهم لا يولد من فراغ أيضا، فكلاهما يحتاجان إلى مخاض نفسي شديد الوطأة يصل أحيانا إلى درجة تحويل الكلمة إلى مفردة (سيف) تجرح المشاعر أو تستفزها وتثير الدموع بسبب إثارتها مكامن الوجع في النفس. أنا لا يمكن أن أتماهى مع نص أو مفردة ليس لها جذور في مخيالي، في خزيني المعرفي، ولكني أجهش بالبكاء وأنا أجد كلمة أو نصاً يصافح المناطق السوداء في وجداني ويستنهض الذكريات في بالي. الحدس وحده لا يمكن أن يطلق للمشاعر عنانها، حتى وإن حركها، فالمشاعر تحتاج إلى رواسب الألم القديم أو الفرح الغائر في أعماق السنين. الكلمة التي تبكي أحداً ما , قد تُضحك آخر ملء شدقيه، لأنَّ كل منهما تفاعل معها حسب بواطن الإيحاء فيها، حسب دغدغتها لذكرياته حتى الحديثة منها، وقد تربط بين القديم والجديد، لترسم صورة الفرح أو الحزن الذي سيبدو عليه بعد أن يقرأ النص.

النص برأيي، ومهما كان نوعه، كائن متوحش متمرد عنيف يصل إلى حد الهمجية أحيانا وهو يخترق شغاف القلب ويتجول في تلافيف الفكر، حتى النص الغنائي أو نصوص الفرح والبهجة قد تبكينا أحياناً , وقد تهتك صمتنا أحيانا أخرى، ليس المؤلف وحده من يكابد عناء كتابة نص ما، فالمتلقي يجد نفسه شريكاً خالقاً لهذا النص رغم أنفه، له فيه بقدر ما للمؤلف فيه، وبالتالي يجد أن من حقه أن يلونه ويعيد صياغة مفاهيمه بالطريقة التي تعجبه، أو توافق هواه ورؤاه. نحن أولاً وآخراً نتاج فكرنا، وما نحن عليه من فرح أو حزن هو الترجمة الحقيقية لما في داخلنا، حتى أننا نرفض أحيانا أن نسمي الأشياء بمسمياتها عسى أن ننجح في إيجاد معانٍ أخرى لها، بمعنى أن المتلقي يعيد أحياناً صياغة النص، ليتطابق مع مشاعره، وليس كل نص مهيأ، لأن يحظى بهكذا احترام، وأنا أسميه احتراما لأن مجرد اهتمامنا المتميز بالنص يعني أن له سطوة على مشاعرنا، ولقد شعرت بسطوة فرضها علي نص الدكتور رحيم الغرباوي وأنا أقرأه!

 

.......................

الهوامش

(1) مصطلح يوناني قديم يقصد به الفرع الخاص من العلوم المعني بملية التفسير، وفي العصر الحديث استخدمه شلاير ماخر، بمعنى: نظرية الفهم. وهي عنده تبدأ بسؤال عام: كيف يمكن فهم عبارة مكتوبة أو مقولة.

(2) جان هيك: من أتباع إحدى الفرق الكلامية البروتستانتية.

(3) الفنتازيا: معالجة إبداعية خارجة عن مألوف الواقع، تتم عن طريق تناول الواقع برؤية غير مألوفة.

(4) الفنطاس: حوْضٌ لادِّخار الماء العذب، يستعمل للتموين في السفينة، وهو وعاء أسطواني كبير يستخدم لحفظ السوائل

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3655 المصادف: 2016-09-07 03:21:14