المثقف - قراءات نقدية

لمياء صغير: التأويل النقدي للسرد التاريخي

ما دام السرد التاريخي يعاني تشرذما بين تصورين، لأنه محكوم بنظرتين: الأولى متقطعة تحرم السرد التاريخي من أحلامه، والثانية تحرم السرد من التراث الثابت وتزيف الواقع. وبين هذا وذاك توقع وتوتر حاد، فيرى بول ريكور بضرورة اتخاذ الحذر ضد الإغراءات اليوتيوبية حتى لا تبث فينا اليأس، وهو بالذات يلغي نفسه موطئ قدمه في تجارب الماضي، بمعنى اتخاذ نزعة يوتيوبية انشقاقية، وحتى تتخذ الأفكار الجديدة اليافعة منحاها في التاريخ عليها إن تحول مفاهيمها إلي تشريع كوني، وعلينا أن نصنع الرابط علي وجه التحديد بين الفعل التاريخي والماضي، ولليوتيوبيا فضل في تحقيق ازدواجية الخلق والنقد لاكتشاف عوالم ممكنة في الواقع الحضاري، .

ويتمثل دور النقد التاويلي في الكشف وراء الأسطورة عن عوالم اديولوجية ممكنة الحدوث، وعملية النقدى في الفرضيات الأسطورية تتم بالنقد التاريخي السردي، ولان نص التراث يتطلب تأويلا فان إعادة الرواية قد تقتح بابا لتوقعات ناجحة، بتحديد فضاء الانعكاس الذاتي والعاطفي، وهذه الطريقة يراها ريكور مناسبة كحل لازمة السرد التاريخي، بالجمع بين العقل والأسطورة والاحتراس من انحرافاتها الواهية. كما إن للمرويات التراثية وظيفة تحرير الفرد في ظل تمجيد المرجع الجماعي، لتبقي النظرية اليوتيوبية تصنع مجد التاريخ والتفاعل الواقعي في الخطاب، وهذا هو جوهر النظرية في التاريخ السردي، وتعتبر كالكائن الحي الذي لا يستمر وجوده إلا بالتفاعل مع محيطه وهويته، ومن شان الحوار وتقبل الآخر أن يرسي علاقة تبادل بين الآباء وأبنائهم دون تقييد مستقبلهم الفكري وتحجيره في الماضي.

وللحفاظ علي تلك الروح وبقاء الثبات في التغيير يكون المستقبل في الممكن وهنا نلتمس البعد الاستيطيقي، الذي يضفي مساحة فنية مميزة، تتسم بإعادة تفعيل المرجع الاستعاري للتاريخ، وهو إعادة بناء ما حدث رغم اندثاره عن طريق اثاره ومخلفاته، والمعني من هذا التطبيق الثانوي استعارة القصة من التاريخ وهو الافتراض المتبادل بين القصة والسرد التاريخي لطرح مشكلة الإحالة، عن طريق المزج بين زمنية الفعل والزمن الاسنادي، وهي تمثل نقطة التقاء التاريخ، وللسرد والأدب في الإعادة حظ، حيث يلجا الباحث إلي التعبير عن الزمن الإنساني للدلالة المطلقة علي ما هو خارج، وتبدأ العملية من استعارة اللغة المطلقة لتمثله ذهنيا في الخطاب التاريخي، دون استبدال الماضي، وهل فعلا يؤثر هذا النشاط الذهني يحيي الماضي وينقله بأمان عبر المسافة الزمنية الآنية، نعم، لان الإحالة كلامية لا تنفصل عن العملية السردية، وتتضح من هنا البلاغة من الزاوية اللسانية، تمثيلا للبنية العميقة المحكمة في المخيلة الماضية، فيتجه بها إلي الوصف كما يدرج قيمة تفسيرية للبعد التاريخي، باعتباره حقلا إنساني مشروطا ب بناء النسق المعرفي بضرب من التمثل، لذا يري ريكور أن المسالة تفرض البنية لتحل إشكال الإحالة التاريخية المرجعية، بربط البنية السردية علي أيقونة الماضي باستخدام أغراض أدبية وهي: استعارة كناية مجاز مرسل، وهي قادرة علي تمثيل نظرية المجاز لإكمال نظرية الحبك التاريخي، للمحافظة ولإثراء الموضوع التاريخي.

واستعان ريكور في حجته ربط الاستعارة بالسرد التاريخي والقصصي، وهو يعتبر ثلاثية: الزمن والسرد و"الاستعارة الحية"، بالرغم من فارق الزمن وفارق التصنيف، فإمكانية إنتاج المعنى عن طريق السرد تساوي إمكانية إنتاج المعنى عن طريق الاستعارة. ويمكن الابتكار الدلالي والسرد من خلال عملية الحبك، ويتميز السرد شكلا من الإحداث التاريخية المتباعدة، ليمزجها في قصة مكتملة الخطاب، وهو عبارة عن تكوين لأحداث في قصة في حلقات، تحوي مفاهيم تاريخية – لغوية شاملة كما يلي: الدافع العمل العاطفة والهدف، لنتمكن من تحصيل شبكة مفاهيم متجانسة، ويتسم الابتكار الاستعاري مع السردي في تحديثه من تصدع نظام قديم الي نظام ثابت تغيري وجديد، والدافع من الاستعارة هو تنشيط اصل الفكر المنطقي وانتهاك المألوف، ويري بول ريكور أن تدمير المعنى الحرفي يتيح لمعنى جديد بالبروز بطريقة استعارية، ليتلقى معناها وأحالتها بالوصف المباشر، ليحمل علي المرجع بطريقة معقدة، وفيها نجد إثبات عنصر ونفي آخر معنويا ويسقط عالما تاريخيا ضمنيا إمام النص، في انتظار أن يتبناه القارئ في سياق واثبات جديد، .

وهنا تتجلى حبكة جديدة دلالية ناتجة عن مخيلة تظهر في طابع يحمل الصلة والمعنى في حبكة سردية قريبة من الاستيعاب الإسنادي، فتدرك وتندمج في القصة أحداث متناثرة مجتمعة ببلاغة وتمثيل جميل ورائع، وإذا كانت الاستعارة عند ارسطوا هي إعطاء الشكل اسما يعود علي غيره، إذا يتم، فنقل إما من الجنس إلي النوع، أو علي أساس التناظر رشد،

وحسن الاسم يكون في ان يؤتي فيه بلفظ جميل وبسيط وليكن صريحا فهي إذن الكناية، فان التصريح ضيق تجاوزه الزمن، فالنظرية الأرسطية التي تحسب الاستعارة هي نقل المعنى من شيء إلي شيء آخر في اللغة الانجليزية، وهي تختلف عن نظرية النقاد في سر خلق المعنى في جانب التسمية إلا أسلوبا من أساليب الكشف عن الحقائق، التي لا توجد الكلام في سبيل إظهارها أكثر من استبدال كلمة محل كلمة، يمكم من هنا مقارنة السرد في قدرته في التأليف بين التنافر والتناقض بالاستعارة، فكلاهما يحمل ابتكارا دلاليا ويظهر معنى جديد في اللغة، وهذا العالم الموجود تحيل عليه واليه نفس اللغة، فنجد إحالة استعارية غير مباشرة أو مضمرة من خلال عملية الوصف، الذي يسمح لنا برؤية العالم بمنظار جديد. وبما أن الاستعارة هي القدرة علي الرؤية فهي تفتح لنا الفعالية السردية للتاريخ أبوابا، وتكمن أهميتها في صياغة أفكار تشكل لسارد التاريخ موضوع خطاب،

 ولان فكرة الماضي الثابت تحل مشكل الخطاب التاريخي، أضف إلي ذلك كون اللغة والواقع متآلفان فيمكن تحدثها من تلقائي نفسها، لذلك فالمرجعية والأهمية للاستعارة التي توضح المسافة الفاصلة بين المعنى والمبني التاريخي (أو الشكل)، وان ما يعطي الاستعارة فحواها المرجعية هو قصد الوجود، أو بالأحرى الوجود الخاص للماضي المعادل، ليبقى المصدر التاريخي يسهم في بناء التخيل والتصور بفعل الحدس، ويستند إلي وظيفة تمثيلية قاعدتها التصوير، ووصف مجال معرفي يمثل الواقع الإنساني.

الفعل التاريخي أساسه نشاط يعتمد علي الإحالة وقدرة اللغة علي الترميز، والقدرة لا تتطابق علي النص السردي، وهي تعمل على تميز الإبداع الجمالي والشعري لجعل العالم قابلا للتعايش.

 

للشاعرة والكاتبة: لمياء صغير

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3672 المصادف: 2016-09-24 04:35:15