المثقف - قراءات نقدية

رحمن خضير عباس: عشبة الملائكة.. هموم وأفكار ومواقف

rahman khodairabasفي روايته عشبة الملائكة، يكثف الأديب العراقي المغترب حسن الفرطوسي نصه الروائي ويجعله فضاءً فسيحا للمفاهيم والنظريات والقواعد والمعتقدات. تلك التي تشتبك في ثنايا النص، من خلال هذا الفيض من الأفكار والأماكن والشخصيات . الشخصيات والتي إختارها الكاتب بعناية، لتعبر عن مراحل وافكار ونظريات وأساليب ومفاهيم،شكلت في وقتها منعطفات في المسيرة البشرية،إستطاع أنْ يستحضرها في حانته . وبغض النظر عن الزمان والمكان فقد جعل من رموزها وروادها وزعمائها مجرد أصنام وتماثيل تحتل واجهة الحانة .لاتختلف عن الزبائن العاديين الذين يؤمونها لتزجية الوقت . فهذا ابو الأعلى المادودي وهو يدافع عن سلفيته، ووذلك لينين الذي يشكو من ميلان مقعده نحو اليسار، وذلك سارتر الذي يبحث عن الوجود مروجا لنظريته، إضافة الى الآخرين من شعراء وكتاب وفلاسفة، جمعتهم الحانة، ونفخت فيهم الروح ككائنات خاضعة للمراجعة أسوة بجهودهم الفكرية التي خضعت للغربلة والتمحيص بعد أن أخذ بعضها حظه من التجريب فتجاوزها الزمن، واصبحت مجرد مخطوطات في مكتبة عصر متموج ومتحرك ومحاط برعب اللحظة، وبأسئلة المصير التي تنطلق كالمطارق على رؤوس الذين يعيشون في قلق الوهم ورعب الأسطورة .

ومنذ الصفحات الأولى وأنت تقرأ الرواية، يقذفك الكاتب في معترك النص الحافل بالإثارة والغرائبية مابين الحركة والذهول والدهشة لجموع من الناس هاربة من أقدارها ومن أساطير من صنعها . هؤلاء الهاربون من نبوءة إنتهاء العالم، والذين حاولوا أن يجعلوا من الحانة علة هذا الإنهيار،فحاولوا تدميرها، لكنها تدافع عن كيانها بواسطة هذه المخلوقات من عناكب وحيوانات خرافية تحاول أنْ تطاردهم لتدميرهم، وإثارة الرعب فيهم . وفي الوقت الذي كان الجميع في فوضى الهروب، كان ابراهيم يعود من الشواطيء مطمئنا مصطحبا إيماندا، سيدة الحانة الجميلة التي كبلتها عشبة الملائكة ذات يوم، فبقيت ملتصقة بموريس ذي العين التي فقدها حينما كان صيادا للخنازير في أدغال الأمزون .

من النهايات يبدأ الوصف، حيث إبراهيم العراقي وإيمندا الإيطالية يعودان بإسترخاء الى الحانة التي هاجمها الناس، غير مكترثين لرعب الهاربين بالإتجاه الآخر نحو الشواطيء والأدغال .

وبعد هذه المقدمة التي بدأ بها النص يتحول الى الفصل الأول مقتبسا أسطورة برازيلية عن الدولفين الذي يدعى بوتو والذي يخرج في أحد المهرجانات البرازيلية، على هيئة شاب وسيم يرتدي قبعة ويختار فتاة جميلة ليراقصها ويضع فيها جذوته السحرية ثم يسحبها معه الى قاع النهر . هذه الأسطورة قفزت الى ذهن الفتاة البرازيلية مشليني والتي فوجئت بهذا البحار ابراهيم والذي هرب من سفينته، وإتخذ من أدغال وشواطيء الأمازن طريقا له، وحينما تكتشف بعد ليلة مشبعة باللذة أنه آدمي وليس بوتو الأسطورة، تتعلق به وتصطحبه معها الى حي الفخارين حيث تعمل وتعيش .

لكن إبراهيم الذي كان في بؤرة الفعل السردي، والذي إعتقدنا أنه سيكون محورا للرواية، يتلاشى من دفة السرد ويختفي، وتصبح شخصيته هامشية، سوى أنه مجرد مدمن على الخمرة، لايعيش بدونها متسكع في أزقة حي الفخارين . لقد ذاب في المد الروائي وفي زحام الشخوص الذين حفل بهم المتن السردي، فقد تجاوزته الأحداث، دون أن يساهم في صنعها، اللهم الا عودته الى المشهد حينما كانت ميشليني تترصده لمحاولة بث الوعي فيه، وجلبه الى سقف بيتها، حيث تتضورمن عطش الرغبات،أو الى ظل رجل يشاركها الفراش ويبعد عنها عناء الوحدة .

تظهر شخصية موريسو، الرجل البدائي الذي فقد احد عينيه وهو يصطاد الخنازير في قريته التي تختفي بين أدغال النهر .كان قويا ومثار إعجاب الجميع ولكن هذا (العور) في عينه قد حوّله الى شخص تافه حتى في أنظار زوجته التي كانت تعشقه ولكنها بدأت في كراهيته من خلال الإستهانة به، فيقرر هجران قريته التي لاترحم من يغادرها . وحينما عجز عن إيجاد سقف بديل في المدن التي وصفها الكاتب:

"مدن عامرة بجدران صلدة، يضيع في زحامها أبناؤها أنفسهم كل يوم، فكيف لقروي مثل موريسو وبعين واحدة أنْ يجد ملاذا فيها، ص36"

فعاد نادما الى قبيلته مع علمه بقوانينها .لكنها لم ترفضه فحسب وانما طردته بإزدراء، وأهانته على لسان شيخها وطاردته من خلال أطفالها . فلم يبق لديه سوى الإستقرار في حي الفخارين، فتعلم مهنة الفخار وأدرك اسرارها . وبما أنه يملك أسرار عشبة الملائكة، فقرر أنْ يفتح حانة في الحي، مستفيدا من خبرته في القبيلة ومعرفته لأسرار تلك الخمرة التي

" تجعل شاربها يتفرس بتفاصيل الأشياء، وتجعل أحاديث شاربيها تأخذ الطابع الفلسفي القريب من تأملات الصوفيين "

هذا ما ذكرت هاريسا لصديقها الطالب الصيني فان ترين الذي جاء للبحث عن أسرار الحانة، مع زميلته وعشيقته والتي تخلى عنها بعد أنْ أسكرته رائحة مخطوطات الحانة، وسحر المعلومات التي تنهمر عليه من أستاذته ليبوجينا.

إنها حانة الفخارين التي بناها الكاتب حسن الفرطوسي على مهل، في هذه البقعة المنفصلة عن جغرافية العالم رغم أنه حددها في مجاهيل أمريكا الجنوبية وفي براري البرازيل تحديدا .

حانة حي الفخارين منفصلة عن المكان والزمان والملامح . فقد كانت تتوهج في الفراغ، وتستقطب الناس، وكأنها تملك من السحر والجاذبية فتصبح بؤرة المكان وجوهر وجوده، فتجعل الجميع – من روادها وزوارها الطارئين- متعلقين بزواياها، مذهولين من خفاياها ورحابتها وإحتوائها على المتناقضات، مابين إحتساء الخمر كوظيفة ظاهرية، وإحتساء الفكر والذوبان في آفاقه .

هذه الحانة أصبحت بؤرة للتلاقح بين الأفكار والنظريات والتجارب والفلسفات والمعتقدات .

فهذا أبو الأعلى المودودي شيخ التيارات السلفية في الهند وصاحب الكثير من الإجتهادات في الفكر الإسلامي، من خلال ركام مؤلفاته، يتجلى في هذه الحانة الروحية كي يسوّق أفكاره ويدافع عنها وهو على هيئة تمثال .

وغير بعيد عنه صاحب المذهب الوجودي سارتر، وهناك الزعيم الشيوعي لينين الذي حول الماركسية من مجرد نظرية تخضع لبعض القوانين المادية .فحاول تطويع النظرية، لتستجيب لحاجات مجتمعات فلاحية في روسيا القيصرية الإقطاعية. إضافة الى تواجد بعض الشعراء والفلاسفة الذين أفنوا حياتهم في تحقيق طموحاتهم الفكرية . ها هم يتحاورون ويسفحون آراءهم على موائد الحوار، متحمسين لها، بغض النظر عن فكرة التقادم وتجاوز الزمن وتغير في المعطيات . هل أراد الكاتب أن يستحضر الزمن بثقله الفكري، ويحاول أن يجعله يراجع القناعات التي آمن بها ؟

إنّ الحمولة الفكرية والمعرفية التي أثقلت كاهل النص توحي بهذا الإحتمال . لاسيما وأن الكاتب قد سعى لجعل الحانة ملاذا للباحثين عن الحقيقة، من شعراء ومتصوفة وفلاسفة وثوريين، إضافة الى الأفّاقين والمتسكعين والعشاق واليائسين والمنفيين وأهل الحي من الفخارين وأهل المدن والأرامل والعاشقات والمدمنين والباحثين عن المخطوطات التي تميط اللثام عن بعض أسرار الحياة .

أنها حانة موريسو، البدائي والذي ينتمي الى مرحلة الصيد، والذي يفقد عينه في صيد الخنازير التي لايجيد غيرها . ولكنه يفقد الوطن الذي رفض خطأه ولم يشفع له ندم العودة . موريسو خرج من جلده، فتفجرت في دواخله قدرات كانت ذائبة في نهر القبيلة الآسن، والذي كان فيه مجرد ظل باهت لروح الجماعة .ولكن غربته عن القبيلة ووحدانيته جعلته قادرا على التطور والنفاذ الى جوهر الأسئلة الحياتية المعقدة، مستعينا بموروث الماضي الذي جعله قادرا على إيجاد الشراب السحري،الذي كان وراء فكرة تأسيس الحانة . تلك الفكرة التي تحولت الى نهج فكري، من خلال المخطوطة التي كتبها موريسو وهو في عزلته قبل وفاته والتي عثرت عليها الأستاذة ليبوجينا والتي يقول فيها

"في هذه الحانة يمكننا أنْ نؤسس المكان الذي تتلاقح فيه جميع الأفكار "

ما لعلاقة بين خيبة إبراهيم الذي يعاني من عقدة الذنب حيث ترك إمرأة تحت الجدار المنهار دون ان يسعفها ؟ذلك أثناء الحرب بين العراق وإيران. وبين موريسو الذي لفظه الوطن /القبيلة أيضا ؟ كلاهما هارب او مطارد أو منبوذ، ولكن إبراهيم اصبح ضحية لليأس والإدمان فأصبح على الهامش .لأنه بقي أسيرا للماضي الذي أرهقه وحوله الى حطام بشري لاروح فيه . وعلى عكسه تماما شخصية موريسو. الذي تجرد عن ماضيه وبدأ من جديد، فقد تألق وهو يبدأ من حالة تأكيد الإبداع من خلال عمله في الفخار ومن ثم تأسيسه للحانة، وقد بقي حاضرا حتى في موته، حيث أنه أول من اُقيم له نُصْب من مواد جسده، فأصبح تمثالا ينضح بالحياة أسوة بأصحاب النظريات والأفكار الذين كان لهم ثقلهم التنظيري وقدرتهم على التغيير .

رغم أن السرد الروائي إنشغل بأفعال شخوصه، مثل مشيليني فتاة السامبا العاشقة والريفية العاملة في الفخار والتي تحلم بفحل يؤكد أنوثتها .وليبوجينا الأستاذة والباحثة والتي بقيت ملتصقة بأجواء المعرفة الدفينة في زوايا الحانة، المرأة المغرمة بمعرفة التفاصيل والتي جعلتها تجادل شيخ الفخارين وتساهم في تخليد الناس من خلال معرفتها باسرار التحنيط .وأيماندا الإيطالية الحسناء التي فُتنت بموريسو ومن ثمة أصبحت نادلة الحانة وخبيرة مشروب الكاشاسا . وهاريسا الشابة الجميلة والتي أتت الى الحانة لأكمال تصوراتها العلمية، لكنها فقدت عشيقها الصيني فان ترين والذي جذبته رائحة المخطوطات وشيخ الفخارين، إضافة الى موريسو وإبراهيم .

ولكنها رواية تتناول أفكاراً ونظريات وعقائد . بحيث يبقى الحدث ومدى واقعيته مسألة ثانوية إزاء الطروحات الفكرية، وجدالاته بين الموقف ونقيضه وبين الإيمان بهذا المنهج أو غيره .

إنه الجدل الفكري في صوره المتعددة وكأنه يسوّق نفسه أو يبرر أفعاله .وقد حرص الكاتب أن يترك الأفكار تتسرب بحرية لتعبر عن نفسها كما فعل سارتر في نقده للفكر الإشتراكي، أو كما جعل من تسييس لينين للماركسية هدما لها حينما تحولت الى أحزاب سلطوية وجيمس جويس وإعتبار روايته عوليس مجرد لعبة لغوية مملة . وآراء شتراوس الحادة والمتشائمة، وأفكار المودودي في الدين ككابح أخلاقي في ضبط السلوك البشري

" تخيل معي كيف يكون شكل الحياة بوجود ملايين الفقراء يعيشون بلا رادع ديني ولايخشون من مقدس ما ؟ "

لقد كان شيخ الفخّارين في الرواية شخصية مثيرة وقابلة لأوسع أبواب الترميز والإيحاء حتى يتوهم القاريء بانه أمام صياغة مقاربة لرواية نجيب محفوظ (أولاد حارتنا) . فشيخ الفخارين لا أسم له، كما أنه وراء الإنتاج المادي والفكري للحانة، وحينما مات موريسو قام بتحنيطة بمواد المعالجة الكيمياوية ضد إختراق البكتريا حتى أصبح يشبه صاحبه . كما أن لديه أسرار الخلود والموت وتأريخ المخطوطات وسر الأتفاظ بها،إضافة الى علاقاته المتشعبة بالكثير من المشاهير، ومنهم كونداليزا رايس التي دخلت على الخط السردي، وكان لها حوار فكري مع شيخ الفخارين حول إشكالات فكرية عديدة ومنها مفهوم الثورة وماذا تعنيه أو تتركه من آثار

ولكي تبقى الرواية في إطار عملية الكشف والإستقصاء . فقد تناولت النبوءة العلمية حول إنهيار المنظومة الفكرية والعلمية للعالم من خلال إشكالية الصفر، التي روج لها الكثيرون قبل الإنتقال الى الألفية الثالثة . والتي أحدثت رعبا وكأن العالم سيتعرض الى طوفان كومبيوتري . وذلك من خلال إنهيار القدرة التي برمجها الكومبيوتر .وإحتمال عجزه عن استيعاب المستقبل .

وقد ذهبت الرواية في رصد إنعكاسات هذه الإشاعة على البشر من حيث تكديس المواد الغذائية وغلق الحسابات المصرفية والإعتكاف الى العبادة . لقد إستطاعت ان تجس النبض الحقيقي للبشر في ظل مجسات الخوف من الإنهيار والفناء.

حفلت رواية عشبة الملائكة بتقنيات روائية تمسك بالقاريء وتثير فضوله بالكيفية التي تنشأ منها الأفعال، كما تثير فيه إشكالية التأمل، فقد إستطاع الكاتب أن يحاور الكثير من الأسئلة الحادة، وأنْ يتناول بعض الهموم الإنسانية وهو بصدد البحث عن الخلاص، بالمعنى الفلسفي . وبغض النظر عن طبيعة الأفكار التي وردت، ولكنها سُكبت في حيّز روائي لاغبار على مهارة تقنياته، أو جمال لغته .كما تدل من زاوية أخرى على وعي الكاتب في المحافظة على خيوط الفكرة التي طرحها ومحاولة رصد ردود الأفعال المختلفة عنها، ولكن الشيء الجميل أنه جعل من العالم قرية صغيرة تتسع لكل التيارات، وقابلة لكل الإجتهادات،كما جعلها تتسع لأجناس بشرية مختلفة الأصول والأزمنة والأمكنة، ولكنها قادرة أنْ تتعايش .

عشبة الملائكة رواية جميلة تغوي القاريء وتشده وتبهره .

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3680 المصادف: 2016-10-02 09:15:50