المثقف - قراءات نقدية

خالد جواد شبيل: الشاعر المغربي أحمد لوغليمي وزهرة الأرطانسيا

khalidjawad shbaylقبل عام ونيّف كتبت سلسلة مقالات "من الساكورا الى الهايكو .." وكنت قد خصصت الحلقة الثالثة عن تجربة الهايكو لدى الشعراء العرب ابتداءً من جذورها في الستينات، كتجارب خجلى فردية الى ما وصلت إليه الآن من شيوع وانتشار بين تجارب الشعراء الذين مدّونا بفيض من تجاربهم المتفاوتة وفقاً للفروق الفردية والتجارب الشخصية لهم، ولاحظت زحف قصائد الهايكو على قصيدة النثر، وزدت أن عدداً من "شعراء النثر" قد يمم وجهه نحو الهايكو، ووجدت بعضاً آخر قد اقتحم عالم الهايكو الشعري ممارسة و ترجمة ومن الصنف الأخير هو الشاعر المغربي أحمد لوغليمي..

.. 

ويومها حسبت أن الشاعر لوغليمي في عقده السادس أو السابع، وذلك لنضج تجربته الشعرية، ولتعدد نشاطه الكتابي شعراً وترجمة، ونشره في أمهات المجلات الثقافية الأوربية، وكذلك العربية!

ولد الشاعر أحمد لوغليمي عام 1971 في مدينة بني ملال التي تتوسط المغرب على حافة جبال الأطلس، ولا شك أن هذه المدينة الحديثة الجميلة باخضرارها وبساتينها وحدائقها ومساقط مياهها واعتدال مناخها ونقاوة هوائها، وطيبة ناسها قد فعلت فعلها في خاطر شاعرنا لوغليمي وأرهفت أحاسيسه وشحذت ذائقته الجمالية، فأصبح متلقياً لجمال العربية ومجيداً اللغة الفرنسية (هو مزدوج اللغة) حيث ستتسع دائرة أفكاره ونظرته الجماليه من محمول هاتين اللغتين..فيذهب إلى إيطاليا ليمارس نشاطه الثقافي وليتعلم الإيطالية ويشتغل بالترجمة مترجماً من وإلى: الفرنسية والإسبانية والإيطالية ناهيك عن لغته الأم العربية..

ترجم ترجمات لأعمال أدبية هامة منها "حرير" و" عازف البيانو" للروائي الإيطالي الساندرو باريكو المولود عام 1958 في مدينة تورينو (الأولى ترجمها أيضاً فوّاز طرابلسي).. ترجم مجموعة من الهايكو الياباني، وهذه المجموعة الشعرية " رسائل حب إلى زهرة الأرطانسيا" الاولى له، صدرت عن دار "الغاوون" البيروتية عام 2010 ب 144 صفحة، مع تصميم معبر يعكس بحذاقة محتوى هذه المجموعة، للفنانة مايا سالم. باختصار أن لوغليمي له قدم في الشعر الأوربي وقدم ثانية في الشعر الياباني والقدم الثالثة هي الأفعل وهي ممتدة جذورها سابرة أعماق الأدب العرب، وآخر نشاط له هو مساهمة في لقاء المغرب "موكب الهايكو" في تموز الفارط.  

ولا بأس أن أقتطف مما كتبت عنه في "من الساكورا ..إلى الهايكو العراقي" في الحلقة الثالثة؛ وقد وعدت أن أتوقف معه وقفة خاصة:

 "الشاعر المغربي أحمد لوغليمي هو الأكثر تميزاً وهو من القلائل الذين خصصوا ديوانا لشعر الهايكو، والهايكو عنده لا يكون مجرد اسم بل هو الأكثر مقاربة من بين زملائه للياباني لدرجة أن مفردات الطبيعة اليابانية حاضرة في شعرها لاسيّما زهورها، وما يؤكد زعمنا هو أن ديوانه الصادر من دار غاوون في بيروت موسوم ب " رسائل حب الى زهرة الأرطانسيا" وزهرة الأرطانسيا Hortensia flower(حرف الهاء لا يُلفظ بالفرنسية) هي زهرة مركبة متعددة الألوان بالأزرق والوردي والأبيض منتشرة في اليابان وكوريا والصين جنوباً إلى إندونيسيا . تتسم أشعاره أيضا بالجودة وحسن الصقل والإحكام معنىً ومبنىً وهاكم بعضاً من ديوانه الذي احتوى على مائةِ وثمانٍ وعشرين مقطعِيَّة من الهايكو:

 استحياء:

لشدّة الأزهار

عدلتُ عن

عبور الغابة.

 

قمر البركة:

القمر في البركة

تبعثره

 ضفدعة.

 

غفلة:

نطراتي

 تُدهش شقائقَ النعمان

 في طريقها إلى الكرز.

 

وما يلفت نظر القاريء أن الشاعر أحمد لوغليمي حرص على وضع عنوانات لكل مقطعية هايكو وبذلك سيسهل على القاريء الدخول الى فحوى النص واستبطان المعنى.

ومن خلال اطلاعي على معظم الشعراء الذين اشتغلوا بترجمة الهايكو ومارسوه بلغتهم الأصلية قد ظهر "التناص" واضحاً بشكل أو آخر، وقد شاب هذا المفهوم كثير من النظرة السطحية حيث اقترن بالأذهان بالمقابسة والتضمين.. وأحسب أن التناص وإن قارب المعنيين السابقين إلا أنه يتميز بالموضوعية و التداخل والتفاعل بين شتى الأنظمة الأدبية بدون قصدية أو انتقائية، حتى أنه يمكنني الزعم بأن لا نص بدون تناص!

امتاز الشاعر أحمد لوغليمي، بأنه يطرح الهايكو بانسيابية ولغة شفيفة ولكنها تبدو لي كبحيرة صافية تسبب لقارئها توهماً في عمقها لتقارب القاع مع السطح، وبذلك يبدو الهايكو عنده مُركباً، بسياق ظاهر جميل يثير المتعة في مساقه الموسيقي الكامن في عذوبة الألفاظ وحسن مؤداها، وكذلك من ناحية المعنى غير المرئي الذي يتطلب اختراق المعنى واستبطانه:

طائر الطنّان:

متأملاً طائر الطنّان،

الواقف في الفراغ

 أتعثر!

وهذا الطائر يحرك جناحيه بمئات الذبذبات في الثانية، فينبعث صوت الطنين، وبهذه الحركات يبدو معلقاً قرب الأزهار يمد نحوها منقاره الطويل ليمتص الرحيق.. لاشك أن منظره سيربك الرائي إن لم يُسقطه!!

عدوى:

أمن شدّة الخردل

تشحبين،

آشجرة الميموزا؟!

هي شجرة بقلية أفرو- آسيوية لها زهور صفراء جميلة ولها أشواك، هي الأكاسيا نفسها إن شئت، ما هذه المفارقة بينهما وإن كان اللون واحداً، بينا لون الخردل حرّيف في طعمه وحاد في رائحته!

حلم باذخ:

أوه... ثمرة العلّيق،

تحلمين كثيراً بالحُمرة،

حتى تسودّين!

أهو الطمع المفرط! صوّر لنا الشاعر المرأة التي خدعتها المرآة بثمرة الفراوله التي لا تني تزداد حمرة وبهاء وحلاوة.. بانتظار فتى أحلام  أسطوري لا يأتي حتى يُذهب الزمن نضارتها!!

بلاهة:

قيضٌ

فزّاعة

ترتدي معطفاً

هناك قول من المأثور العربي يضاهيه أو يضاده والنتيجة واحدة: في الصيف ضيعت اللبن!! إنها المفارقات الحياتية ولا شك!

 سأمرّ سريعا على مقطعيات متنوعة حتى نعطي فكرة جلية عن هايكو الشاعر أحمد لوغليمي:

نجمة سينما:

أمزع عنها قبّعتها،

كنجمة سينما

زهرة الأوكالبتوس

------

حيرة:

أيتها الفراشة،

التائهة في موسم محل

كيف أصنع لك زهرة؟

-----

حياة:

أناسٌ يموتون

أناس يولدون

زهرة الربيع يانعة!

-----

استئناس:

عزلة عميقة

أدنو من شجرة البرتقال المُزهرة،

حيث تدندن نحلات.

------

استيقاظ:

جُلّنار.. جلنار

يستيقظ الرّمان

في صباح الشجرة

----

صداقة 1:

عنّي بشوكك،

أيها الورد،

أنا صديق.

----

صداقة 2:

أسرق من أمامها سنبلةً،

لاتقول شيئاً،

الفزاعة.

-----

في حقل يقطين:

في حقل يقطين،

رأس الفزّاعة،

 يقطينة!

----

لو:

لو أني بلّوطة،

لولدت، بقبعة!

أحسب أنني وأنا أقرأ متأملا فن الهايكو لدى الشاعر المغربي المبدع أحمد لوغليمي، وكأنني أقرأ أنطولوجيا شعر الهايكو الياباني وأن أساطين الشعراء اليابانيين حاضرون: باشو، بوسون،  ميستو، كيوشي، سوسيكي جوشو... بل أراني أجد الأخيرين يابانيين قلبا وروحاً.. وذلك للدفق الطبيعي وللمفردات التي عمر بها الهايكو الياباني، ولحسن التلميح والقدرة الكبيرة على شدّ القارىء الفطن وشحذه وإشغاله بالتأويل والتأمل... سؤال لشاعرنا الجميل أما كان لعناصر الطبيعة المغربية الساحرة بمفرداتها وفصولها ومعانيها أن تثري الهايكو لديك لنلمس روحاً مغربيا عبقاً؟.. تحية لك.

 

رام كم هنغ

16 ت1/اوكتوبر 2016

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (4)

This comment was minimized by the moderator on the site

الناقد الجاد خالد جواد شبيل
ودّاً ودا

أتفق مع الناقد في كل ما ذهب اليه في هذه المقالة .
يبدو لي ان مجموعة مكرّسة لشعر الهايكو بهذا اللمعان في الصياغة ضرورية جداً
فهي تمهّد لما يأتي بعدها من هايكو يتنفس هواءه المحلي , فالهايكو في الحقيقة شعر
مرتبط بالمكان ربما اكثر من ارتباطه باللغة وإذا اجتمعت اللغة والمكان في هايكو
فهذا عنوان النجاح . إن شاعراً يكتب بالعربية ويقيم في روسيا مثلاً لن يكون شاعراً
عربياً إلا عبر جماليات اللغة ولكنّ المادة والمشاهدات واللقطات الحقيقية ستكون
روسية ولحسن الحظ ان الهايكو المعاصر بحكم الضرورة لم يعد محصوراً في
موضوعات بيئة ما ومكان ما بل انتقل الهايكو الى المدينة جرّاء تواجد شعراء الهايكو
المعاصرين او اغلبهم في المدن والمدينة مكان مختلف الى حد ما عن مكان الهايكو
الكلاسيكي ولهذا فقد اصبح الهايكو الآن في العموم هايكو مدينياً (نسبة الى المدينة )
ولهذا نجد تشابهاً كبيراً في الكثير من المشاهدات واللقطات بين جميع شعراء الهايكو
المعاصرين وبجميع اللغات ومن هنا بدأ الهايكو يتزحزح عموده الشعري الى اجتهادات
متباينة حتى ليمكن القول ان ما سيبقى من الهايكو هو تقنياته وبنيته كقالب شعري له
قوانينه الخاصة وما عدا ذلك وخاصة المضامين والموضوعات فستتغير وقد صرنا
نقرأ الآن هايكو جنسياً وآخر فلسفياً وحتى هايكو مقفى .
دمت في صحة وأسفار وكتابة صديقي الناقد الجاد خالد جواد شبيل

This comment was minimized by the moderator on the site

الشاعر الكبير والمثقف المبدع جمال مصطفى
أحييك معتذراً عن تأخير فرضته لعبة المكان، فقد بلغ "التشريق" مداه!
كعادتك تطرح لب القضايا وسأتناول قضية شكلت محورا للنقاش قبل عام ونيف ثم خبت أنفاسها.. وأعني بها هو البحث عن هوية مكانية للهايكو عراقية وعربية، وأراك قد أجبت، وأكدّت على أهمية تضافر المكان واللغة ببلاغتها ومحمولها الثقافي..بعيداً عن الإطار الشكلي الياباني الذي يتألف من 17 مقطعا صوتيا موزعا على ثلاثة أسطر وفق نسق فرضته الطبيعة المقطعية للغة اليابانية..
لذا لا داعي بالتشبث بهذا القالب للهايكست العربي والذي طالما يعمد الى التعسف لبلوغ القالب حين تكون لغتنا غير مقطعية... أي يمكن للهايكو أن يكون بسطر أو سطرين أو أكثروفق ضرورة العبارة الشعرية ونسقها لا بفعل إرادة الشاعر، مع المحافظة على العناصر الأخرى لفن الهايكو...
يمكن إدخال الموروث الثقافي ومفرداته المحلية (المكانية) التي تختلف عن الريف الياباني.. والآن يعنّ لي سؤال أطرحه على الأستاذ الشاعر عريان السيد خلف وزملائه من الشعراء الشعبيين هل من هايكو شعبي عراقي؟!! أحسب أن "الحسجة" العراقية تقارب فن الهايكو! وتمهد له...
عن الريف والمدينة أذكر يا جمال أن من أسباب ظهور نوستالجيا الحنين في الأدب الانجليزي هو خيبة الريفيين المهاجرين الذين تركوا مزارعهم ليعملوا في معامل النسيج والمناجم فخاب أملهم لوضع أكثر زرياة وفتك بهم السل وشرح ذلك إنجلز في كتابه القيم عن وضع الطبقة العاملة في انكلترا! نحن العرب مسكونون بالمكان وظل الوقوف على الأطلال يلازمنا وكذلك الحنين لأول منزل! هذه بالتأكيد ستطبع الهايكو عند الذين خاب أملهم بالمدينة أو بالهجرة إلى ديار جديدة حتى لوكانت ستوكهولم أو روما أو غيرهما...دمت أبا النديم بعز وإبداع سخي /خالد

This comment was minimized by the moderator on the site

كم انت رائع يا صديقي الوفي المبدع ابا الوليد ... انت غني جدا بعمق ثقافتك وقوة وبلاغة لغتك الجميلة

This comment was minimized by the moderator on the site

المهندس الأديب عزت اسطيفان
أحييك وأشكرك جزيلاً على طيب الكلم وأحسبها ياصديقي هي عين الصداقة التي هي عن كل عيب كليلة...تقبل مني أصدق الأمنيات، دمت في عطاء وإبداع/خالد

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3695 المصادف: 2016-10-17 12:01:05