المثقف - قراءات نقدية

أسماء الخطاب: قراءة نقدية في قصيدة: جدتى والدود لمحمد فياض

وروينا أشجار الصبار

تلك الأشجار التى كانت جنب اللحد الموعود

بلقاء ما بن العفة والدود

ياهذا الدود

رفقا بامرأة عانت أكثر من أصحاب الإخدود رفقا بإمرأة مقهورة .. مجهولة

.. مظلومة

بغير حدود

ياهذا الدود

كيف بربك ستلتهم قلب المحبوب

كيف بكل شراسة ستفتك بإمرأة كانت انشودة حب وخلود

ياهذا الدود أنصحك المرة لا تفعل

فستندم

فالطعم المرة لن يشبع

والدم المرة لن يروى

فلدود قبلك مع هذا الجسم جذر ومدود

فالدود البشرى أنهكها ولم يترك لكم معشر ديدان الأرض شيئا محصود

يا هذا الدود الطعم المرة مر علقم

الطعم المرة طعم محزن

طعم إمرأة لم تفرح يوما فكيف بطعمها أنت ستشبع

ياهذا الدود قصة هذى المرأة شيئا يوجع

قد تسمع عنها لما سكت النبض .. ونام الجفن .. وحملت للقبر الموصود

لكن مهلا فالقصة أكبر ... أبعد القصة

تمتد لأجيال وعقود

قصة تجعل قلبى ينزف

أحكيها ؟

لا لن أحكيها

 لأنك دود

وككل البشر ديدان

ولكنك دودا رغما عنك

وهد ديدان برضاهم

أتراهم ؟!

هناك فى كافة أرجاء الدنيا

لن تجد الوجبة مشبعة منهم

قد أكلو الأكلة كاملة فما بقى لك يا دود

لو ترضى كلها

لو ترضى مص شراشفها

مص شراشف حوريتى

اشرب دم الأيقونة

ولكن حذرتك الصفقة ليست مضمونة

فالوجبة هذه المرة ليست حلوة

بل بقايا ديا مأفونة

 

 

 

 

 

 

 

ثنائية العفة والدود في قصيدة جدتي والدود لمحمد فياض

إن أول ما يسترعي انتباه القارئ في هذه القصيدة النثرية عنوانها الزمنكاني (جدتي والدود) والكلمة منحوتة من كلمتي زمان ومكان، إننا إذن أمام مكان وزمان له خصوصية لدى الكاتب لهما مردود واتصال اجتماعي ونفسي فدلالة الدود والجدة تضمر غيابا قبليا للجدة، وتستدعي حضورا بعديا للدود ليعطي وصفا لليوم الاول للميت من خلال صفقة يحاول الكاتب عقدها مع الدود تضمن حضور الجدة الفعلي وغياب رفاتها منذ اليوم الاول لدفنها .

محاولا الكاتب قتل رغبة الدود في تناول هذه الوجبة التي وصفت (بانها مقهورة ومجهولة مظلومة طعمها مر علقم موجع محزن،،،،،،) وغيرها من الصفات التي استقاها الكاتب من واقع حياة الجدة لتكون بنود لعقد الصفقة مع الدود محاولا بكل ما اوتي لباقة ولياقة في الكلمات ليثبط رغبة الدود في اكل هذه الوجبة المثقلة بهموم الحياة التي حولت طعمها الى مر علقم رغم حلاوة الروح التي تتمتع بها الجدة وهذا ما توحي به دلالة (قلب المجبوب،،، انشودة الحب والخلود،،، حوريتي،،،،)

وبين الحضور والغياب تتضافر التشكيلات البلاغية بين (الاستفهام،،، كيف بريك ستلتهم،،، كيف بكل شراسة،،،،أأحكيها،،، أتراهم ؟!) بتساؤل يحمل في طياته التعجب والانكار وفي تساؤله توجيه نظر الدود المُتَخَيَّل بحواره الى الدود البشري الذي لم يبق ولم يذر من هذه الجدة الا النزز القليل الذي لايغني ولايسمن من جوع لكن المفارقة هنا في مصدر الدود فعلميا ان مصدر الدود هو من والى الانسان اذا هذا الدود يتقاسم مع الجدة ماساتها فالكاتب يقر ان سبب ماساتها ان (الدود البشري انهكها ولم يترك لديدان الارض شيئا محصود) وفي كل مايتقدم نلاحظ التشخيص الحي للدود يمتد على مساحة واسعة من النص فالكاتب يحاوره ويحاججه بمطنق الند للند بتكرار ندائه (ياهذا الدود) فالدلالة الشعورية هي أهمّ دلالة وأصعبها يحملها اللفظ المكرر في النص لأنّ تكراره يهدف إلى استكشاف المشاعر الدفينة وإلى الإبانة عن دلالات داخلية ويعدّ أحد المنافذ التي تفرغ المشاعر المكبوتة للكاتب . فجاء التكرار في سياق شعوري كثيف ادى إلى تأكيد المعاني، وإبرازها فى معرض الوضوح والبيان. التکرار يحقق للنصّ جانبين مهمين: الأول: يتمثل في الحالة الشعورية التي يضع – من خلالها الكاتب نفسه – المتلقي في جو مماثل لما هو عليه، والثاني: الفائدة الموسيقية، بحيث يحقق التكرار إيقاعاً موسيقياً جميلاً، ويجعل العبارة قابلة للنمو والتطبيق، وبهذا يحقق التكرار وظيفته، كإحدى الأدوات الجمالية التي تساعد االكاتب على تشكيل موقفه وتصويره؛ وليس هذا فحسب بل مجيء التكرار في سياق الاستعارة التشخصية التي أحتلت في النص مرتبة مرموقة , إذ استطاع الكاتب بكل جدارة ان يرسم صورا بلاغية دلالية جمالية يشد بها ذهن القارئ وتبعثه على التأويل في كشف المعنى الخفي الباطني الذي لم يصرح به , مما دعى الفكر إلى المماطلة في كشف المعنى الآخر(- ياهذا الدود ... فالدود البشرى... طعم إمرأة .... لما سكت النبض...) وهو الحضور الكامل للجدة في كيان الكاتب حتى انها لتنصهر في ذاته بوصفها بـ (حوريتي)، ليأتي الختام بـ (ولكن حذرتك الصفقة ليست مضمونة) ليلتقي مع حسن الاستهلال بـ (وروينا أشجار الصبار ... تلك الأشجار التى كانت جنب اللحد الموعود ....بلقاء ما بن العفة والدود) كتقديم انطباعي ينقل لنا الحالة المزاجية والنفسية للكاتب من خلال وصفه

لمكان (اللحد الموعود) وبذلك يتزود القارئ من خلال الوصف بفضاء مكاني يجذبه ويشده ويغريه لمواصلة متابعته لأحداث القصة الباقية وإدراك المكان الفعلي للحدث، وهو وصف يصور البيئة التي تجري أحداث القصة فيها وعلى الكاتب تأدية دور ما في بناء الأحداث وان يقدم الأشياء داخل هذه البيئة ليس كما يراها هو بل كما يجب ان يراها المتلقي .

 

 أسماء الخطاب 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3711 المصادف: 2016-11-02 14:25:00