المثقف - قراءات نقدية

رياض الناصري: مأساة إنسان ووطن في شعر فليّح الركابي.. قصائد من خدوش في ذاكرة الزمن وسبايكر أنموذجاً

ryad alnasiriبما أن شعر الأستاذ الدكتور فليح الركابي تسكنه التساؤلات والحيرة، وغموض المشهد؛ فربما كان البدء بمثل ذاك التساؤل؛ يكون صورة مصغرة لما نحن مقبلين عليه من قراءة، هي احتفائية وتعريفية، أكثر منها نقدية، أو تقويمية.

هل كان الأستاذ فليح الركابي يمتطي صهوة الشعر عبر بوابة الإنسان البسيط المترع بالألم، والمحاط به أيضاً، ولذلك سل سيف الشعر وهو يكاد يصغي جيداً لصوته الداخلي الموجوع، بل يقول، ويكتب، ويستصرخ، منطلقاً من إيمان راسخ برسالة الشعر الذي يجب أن يفهمه البسطاء، ويتعرفوا أهدافه، ومراميه بسهولة، فهو منهم وإليهم، وهو بذلك ربما كان يقتفي أثر (محمود درويش)، القائل:

قصائدنا بلا لون بلا طعم بلا صوت

إذا لم تحمل المصباح من بيت إلى بيت

وان لم يفهم البسطاء معانيها

فأولى أن نذريها

ونخلد نحن للصمت

فالركابي عبر بوابة المباشرة، ومسايرة الأحداث، دخل إلى البسطاء إلى بيوتهم حاملاً معه شعره، وخلد ورسم واقعاً بين السطور، وهو واقع ممض مؤلم، واقع المعاناة، والدم الذي يريقه الفقراء أبناء وطن غاب فيه الضمير. خلد هلاك الإنسان الفقير بيد الأكباد الغليظة، النافرة، والأيدي المصلتة كالسيوف، فطفق في ديوانيه (خدوش في ذاكرة الزمن)، و(سبايكر) يتنقل من صورة ترسم هلاكا ودمارا وقع في ماض بقي حاضرا أبدا؛ إلى صورة هلاك، ودمار أشد وأشرس، في حاضر مغبر، كابي اللون والروح.

يتنقل الشاعر في أزمنته ويصهرها بين (وقفة) وهي عنوان أحد قصائده، يقف فيها على أبواب القتلة المعاصرين، يستجدي ويئن من عوزه، فهو هنا ذو جناح كسير هضيم، و بين ماض ما انفك يراوده في كل حين:

قتلوا .....

أحلامي في السر والعلن

حينما .........

كنا نتسكع ..

عند الطغاة

رضينا من فقرنا

بالكفاف

هم رضوا

بالقهر

على أبواب الهوى

كالخراف

اختصر الشاعر الماضي كله بمفتتح القصيدة، بـ (قتلوا أحلامي في السر والعلن) فسره

المعلق بالماضي، ومثاله فيه (الحسين بن علي) الذي خاطبه الشاعر من قبل في (طعنوا الصيّام) إذ لم يسلم بقتله، وحمل بين جنبيه الكبرياء والضياء، فخاطبه قائلاً :

قتلوك لا ...

عش خالداً وتليدا

يا سيدي

أكملت صوماً

في الجنان سعيدا

قتلوك لا ...

طعنوا الصيّام بحقدهم

طعنوا الإله بكفرهم

قتلوك لا ...

أكملت صوماً

فائزا

لينطلق الشاعر في نهاية المشهد الى مأساة الإنسان المعاصر التي تكاد تكون أشد مرارة، كما في صورتها في قصيدة (الموصل تبكي)، و(داعش ابن صهيون)، و(سبايكر) وغيرها.

الموصل تبكي ... والعذر حرام

الموصل تبكي وبوبي ينعم بالدفـء

بوبي في دكان الأحلام

بوبي يلهو ... يعبث.

الموصل في كانون بلا خبز وخيام..

بوبي يتوسد ريش نعام..

............

فمتى طيء من كبوتها تصحو؟

ومتى ...

ومتى ...

ولماذا ..؟

ستمتد القصيدة بمعجم خاب كئيب، يقطر من جنباتها الهزيمة، والخنوع، والرضى من الغنيمة بالإياب، فتلك الأرض يستوطنها (العار، والجذام)، وقد (فضت بكارتها)، وأصبح الإسلام في خبر كان، فالرجولة زيف، والعروبة مثلها.

ويشعل الشاعر النار في هشيم أهل الزور والخداع، فالواقفون خلف المنابر يجسدون الكذب والنفاق، وخناجرهم تقتل أطفالنا؛ وشرفهم تحت الشذاذ والكلاب المسعورة؛ ويتساءل:

فلماذا أيديكم مغلولة؟

وهنا ينطلق صوب الماضي، يستغيث به من هذا الدنس:

الموصل داستها أقدام الأرجاس

يا إسحاق

ويا زريا .......

عفواً ........

يا يونس ......

و يا جرجيس...

يبحث عنهم ليعيدوا الحياة إلى الناقوس، والمئذنة، ولتقرع الأجراس ثانية.

ويذهب بعيداً صوب التاريخ لينقذ به الآفاق من رجس الحاضر، وليدفع ببطولات أهل البطولة تقاعس المتخاذلين؛ فـــ:

الموصل قدس الأقداس

فحسين وتر ...

وعراقي فجر ..

فتمسك يا شعبي

بوفاء العباس

الموصل هنا ليست هي تلك المساحة الجغرافية المحتلة فحسب؛ الموصل هنا رمز لكل شبر من أرض العراق دنسه المغول الجدد؛ بنكوص من لم يحسب للتاريخ، وشرف المهنة، وحاضر الإنسان، ومستقبل الوطن حساباً؛ إنها المكان، والإنسان، والحرية، والعدالة، ورفاهية العيش، وشضفه الآني؛ هي حاضر ومستقبل؛ وسيف التاريخ الذي لا يرحم؛ هي الرأي، واللسان، والصحف، والفضائيات، هي القادة النائمون؛ هي السلاح المنزوع؛ هي الأرومة؛ فان لم تصحو كلها؛ نامت نوم الأرماس.

يكثر الركابي في قصائد ديوانيه من التساؤلات، ووضع علامات الاستفهام؛ والنقاط؛ الدالة على سعة التساؤل، والموقف، والحيرة؛ وهذا دليل على تخبط المشهد؛ وضياع الصواب؛ نتيجة ظلمات الأشياء التي لا تفقد سوادها أبداً؛ وخير ما يمثل ذلك قصيدة (أسئلة) من ديوان سبا يكر:

متى يأتي لنا صبح كصبح الأنبياء ؟

فنغسل ماءنا .....

والأرض والأشجار والهواء ......

فحتى ماءنا أصبح ملوثا من أهل الدنس والرجس، فلم يعد ماء طهارة، وكذا الأرض والشجر والهواء. لم نعد نمتلك شيئاً نقياً، حتى نفوسنا أصيبت بالدوار، إذا سيصيبنا السل، وسنبحث عمن يداوينا؛ والأمر الأكثر وأشد مرارة؛ أن نبحث عنه عند الأعداء.

*****

ربما كانت عتبات الديوان قد فضت وبشكل صارخ مضمون الديوان:

العنوان (سبايكر) بكل ما يحمل هذا الاسم من بشاعة في ذاكرتنا، لوحتا الغلاف في الواجهة الأولى، والأخيرة بصورة الدم المتساقط المقرفة.

الآية القرآنية:(ولا تحسبن الذين قتلوا....)، الإهداء (الى الدماء الزكية....)، التعريف بـ(سبايكر) الجندي الأمريكي الذي قتل هناك فسميت القاعدة باسمه، بشكل يحمل في طياته أن الغربة، والهجرة، والقتل، بسبب العوز، فضلا عن عناوين القصائد كلها، والبدء بـقصيدة (سبايكر)، والانتهاء بـ(سبايكر)، وهذا يعني حالة تأكيد للصورة الموحشة، والقسوة المفرطة، التي تلاحق ذاكرة الشاعر، ومنه إلى المتلقي.

*****

ها وقد مللنا من الحروب ورائحة البارود، ولون الدم؛ فلنا أن نتساءل مع الشاعر:

متى نستبدل البارود بالحناء؟

ومتى أيضاً نهاجر من أجل المعرفة، والعلم، والسياحة، لتكون هجرتنا بقاء:

متى ستكون هجرتنا بقاء؟

*****

إن ما يطغى على شعر الشاعر وقصائده بعمومها، يمكن أن نوجزه بما يأتي:

1) إن التاريخ جزء من حياة هذه الأرض؛ فلا انفكاك لها عنه، لذلك نرى قصائد الشاعر حبلى بالأسماء، والأحداث التاريخية والتي سلطت الضوء على علل وأسباب القهر، فضلاً على منارات الجهاد، والصدق، والتضحية؛ من أنبياء، وأئمة، وقديسين، وصور بطولية تجعلنا نتشبث بالبقاء؛ عبر الجهاد والنقاء.

فالإنسان في ديواني الشاعر نصفان؛ نصف يشكله التاريخ، فهو مزروع فينا، ونصف يتركه للحاضر بكل معطياته .

2) الشاعر والمجتمع واحد في قصائد الشاعر، فما يجري على أحدهما يجري حتماً على الآخر،

فالمجتمع بكل بناه الروحية والسلوكية مكون رئيس من مكونات كيان الشاعر. والشاعر ابن المجتمع؛ كان قد نصب نفسه رقيباً، وموجهاً، وبوصلة تهدي إلى الأخطاء؛ وتهب التاريخ للحاضر، وللحضارة، بكلمة موحية وموجزة؛ فشعره لم يكن للهو والتسلية، بل للصراع مع كل من يريد أن يطيح بالوطن.

3) رغم الصورة الظلامية، والمشهد الخانق الذي تبثه القصيدة عند الركابي؛ معجماً، وتركيباً، وإيقاعاً، ودلالة، إلا إنها في محصلتها النهائية؛ تضفي وتعطي نوعاً من الأمل بالحرية، وتحقيق الكرامة؛ بأدوات عدة؛ من دواخل الإنسان أو عزمه، الاتكاء على التاريخ وصوره المضيئة؛ ومنها الإيمان بعدالة القضية، وعدالة السماء؛ ولخصيصة أزلية في الإنسان؛ أنه دائماً يعيش بالأمل، مهما كان ما حوله حالكاً؛ فالموت الذي هو هزيمة في سبايكر؛ سيتحول إلى نصر، إذا ما كان بمحض الإرادة، ودفاعاً عن الوطن.

4) في القصيدة الأخيرة من ديوان (سبايكر)؛ وهي بالعنوان نفسه لا مكانه واضحة للشهادة، والمشهد يشكله الأبرياء بكل صنوفهم، ومنهم الشاعر، والآخرون بكل صنوفهم أيضاً:

الساسة/ القادة: القدماء والجدد، القادمون من خلف الجبال. ومصاصو الدماء داخل الوطن إذ يرسمون مشهد الموت، وينثرون رائحة البارود، ويقتلون البراءة حتى في الماء، والمنتصرون مهزومون؛ لأنهم ضد الأعراف، والقيم، وشرف القتال. فقتلاهم هم الأبرياء: العتالون، الشباب الطائش، العاطلون، الشاعر، المجتمع، الأسماك، دجلة، كامل حنا .

والمجرمون في هذا المشهد: القادة والسادة الوهميون، الانتخابات المزيفة، القادمون من خلف التاريخ، وحوش داعش، رغدة ومن حولها، بنات الهوى، الساقطون من كل صنف ولون، االمخادعون، الكذابون، أبطال المنابر والخطب الطنانة، هدام/صدام، الفضائيات/الدعائيات- كما يسميها-، سجودة، القائد ديوث.

فالجميع هنا يريدون قتل الشاعر، وقتل المجتمع، وبالتالي قتل الوطن.

5) يختم الديوان بمشهدين مأساويين في قصيدتي الديوان الأخير (سبايكر)، اللتين تجمعان بين واقعتي كربلاء وسبايكر، ولكن أبطال المشهد مختلفون جداً.

ففي قصيدة (داعش ابن صهيون) يتقنع الشاعر بشخصية (موسى) فهو ألثغ، ينادى من بعيد (اخلع نعليك)، يبحث عن معلم كما هو حال موسى في سورة (الكهف) حيث يبحث عن الخضر ليعلمه مما علم رشداً؛ وهو مثله لن يستطيع صبراً على المشهد الذي لم يدر له في خلد، يطارد الشاعر هنا من قبل من آواه، عكس شعيب الذي آوى موسى، والشاعر هنا في أمس الحاجة للعون؛ فيطلب وزيراً من أهل هذا الوطن، ليشركه في أمره، بعد أن تاه في صحراء الحاضر، وحده القلم معه مثلما هي عصا موسى؛ فالناس كلهم غافلون عما حولهم؛ شعره يلوح للآتين إلى صومعته، فالنور فوق الرؤوس مثلما هو في اللوح.

ويبقى التاريخ والقداسة سيدا الموقف؛ وهنا يتداخل الماضي البعيد بالماضي القريب؛ فقناع موسى يسلم الراية لقناع (محمد)، في:

العصمة في نسل أخيك

لقد صدقت الرؤيا

يمتلئ المسرح بالنور

علي وزير الهادي

والعصمة في نجليه

وعبد الله الهادي مسرور جداً ...

و تبدأ إرهاصات الضياع، والقتل، والنحر:

قبّل هذا في ثغره (إشارة إلى قضية قهر التنازل ومرارته) .

وقبّل الثاني في نحره (إشارة إلى القتل الذي أصبح عنواناً للبطولة والقداسة)

ولكن التاريخ، والمعرضين عن الحق؛ يتغافلون عن حقيقة (إن الحسين هو محمد):

رأس محمد فوق الأعواد

من بلاد إلى بلاد

يساق إلى معتوه في الشام

كربلاء مسلخ

كربلاء وهج في كل الأزمان

فتسلم تاريخ الحزن، والدم، والألم إلى داعش:

إن الدواعش إذا دخلوا قرية خربوها

تناص قرآني من نصح بلقيس لقومها ؛ وخوفها من قدوم سليمان إليهم؛ (قالت إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة وكذلك يفعلون)، (النمل:34).

فيؤكد:

إن الدواعش من نسل الشيطان

بيد أنهم مهما كانوا شياطينا: فقتلوا، أو أحرقوا، أو أغرقوا، أو حزوا رقاباً، فإن:

القادم لنا

والنصر على الأبواب

وهي إرهاصات لابد أن تتحقق، ما دام للحق من يطلبه، وللثأر من يأخذ به، وللحرية والعدالة من يقدسهما، وينشدهما، وينشد لهما.

 

   د. رياض الناصري

جامعة بغداد- كلية الآداب

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3719 المصادف: 2016-11-10 04:18:17